يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


البنوك المركزية في الاقتصاديات الكبرى تنجح في عملها بشكل لافت، بسبب تمتعها بالاستقلال التام بعيداً عن تدخلات القادة السياسيين، لكن هذه الركيزة الأساسية في السياسة النقدية مُحاصرة الآن في تركيا، في ضوء إصرار الديكتاتور رجب إردوغان على خفض أسعار الفائدة، على حساب قيمة العملة، مما يهدد بمزيد من التضخم والخسائر البنكية، وتعرض تركيا لأزمة اقتصادية شاملة.

إردوغان قرر عزل محافظ البنك المركزي مراد تشتين قايا، دون تقديم أي سبب رسمي للإطاحة به، غير أن رئيس تركيا كان محبطًا بسبب ارتفاع أسعار الفائدة، زاعماً أكثر من مرة - على عكس النظريات الاقتصادية - أنها سبب ارتفاع معدلات التضخم.

شبكة "سي إن إن" الإخبارية الأمريكية، قالت، اليوم الخميس، إن تركيا باتت تمثل نموذجًا لما يمكن أن يحدث عندما يتدخل السياسيون في عمل البنوك المركزية، لافتة إلى أن البنك المركزي التركي فقد قدرته على تهدئة الاقتصاد المتأزم منذ أغسطس الماضي عن طريق رفع أسعار الفائدة، بسبب ضغوط إردوغان، ما أدي في نهاية المطاف إلى ارتفاع معدلات التضخم.

نموذج سيء
قرار إردوغان الدراماتيكي بعزل محافظ البنك المركزي، يوم الجمعة الماضي، سرعان ما أدى إلى انخفاض قيمة الليرة التركية بنسبة 2% مقابل الدولار الأمريكي وتعميق الشكوك حول استقلال أكبر مؤسسة مالية في البلاد.

في حديثه للشبكة الأمريكية، قال كبير الاقتصاديين في الأسواق الناشئة لدى كابيتال إيكونوميكس جيسون توفي: "في عهد إردوغان، تم تقويض مصداقية السياسة النقدية بشدة"، لافتًا إلى أن تركيا باتت الحالة الكلاسيكية لكيفية تقويض تدخلات السياسيين لمصداقية البنوك المركزية في مكافحة التضخم.

البنوك المركزية في معظم الاقتصاديات الحديثة، صُممت لتكون منعزلة عن نزوات السياسيين على المدى القصير، من خلال منح محافظي البنوك المركزية حرية القضاء على التضخم، حتى لو كان ذلك يقهر السياسيين أمام صناديق الاقتراع، لكن معدل التضخم في تركيا ارتفع إلى 25% العام الماضي، بعدما فشل البنك المركزي - بسبب ضغوط إردوغان - في رفع أسعار الفائدة، ما أدى إلى انهيار الليرة التركية إلى مستويات قياسية وسقوط البورصة.

حملة تخفيضات
لم تأت إقالة قايا في هذا التوقيت من قبيل الصدفة، فبعد نحو أسبوعين، تجتمع اللجنة النقدية للبنك المركزي التركي، ومن الواضح أن وجود محافظ لا يرغب في خفض معدلات الفائدة، أمر غير مرغوبٍ به، لأنه يشكل عقبة رئيسية أمام رغبة إردوغان في خفض تكلفة الاقتراض، لذلك فمن المتوقع أن يقوم رئيس البنك المركزي الجديد مراد أويسال، بإطلاق "تخفيض كبير" لعدة نقاط مئوية في سعر الفائدة خلال اجتماع 25 يوليو الجاري، لاسترضاء إردوغان، بحسب بيوتر ماتيس، المحلل الاقتصادي الاستراتيجي المقيم في لندن ويعمل لدى مؤسسة "رابوبنك".

ماتيس قال إن القرار اُتخذ بهدف تقويض مصداقية البنك المركزي، الذي قد يبدأ في التراجع عن رفع سعر الفائدة المعلن عنه في سبتمبر بشكل أسرع بكثير مما كان متوقعًا، محذراً أن مثل هذه الخطوة ستكون "خطًأ كبيرًا في السياسة" بالنظر إلى انزلاق الليرة.

وين ثين، الرئيس العالمي لاستراتيجية العملة لدى براون براذرز هاريمان، أوضح أن "الجريمة" الوحيدة لمحافظ البنك المركزي المقُال هي عدم الرضوخ لرغبات إردوغان المتكررة بخفض أسعار الفائدة، لافتًا أن الكل بات يعلم من الذي يتحكم حقًا في السياسة النقدية لتركيا، حيث قال إردوغان لشرح مبررات إقالة قايا: "قلنا له عدة مرات بأن يخفض أسعار الفائدة، فإذا انخفضت أسعار الفائدة سوف يهبط التضخم، لكنه لم يفعل ما يكفي، ولم نكن على اتفاق".

جهل إردوغان
شبكة "سي إن إن" انتقدت وجهة نظر إردوغان "غير التقليدية" بشأن أسعار الفائدة، لدرجة وصف نفسه بأنه عدو لدود لرفع أسعارها بسبب التضخم الذي تسببه، لكن كبير مسؤولي الاستثمار في مجموعة بليكلي الاستشارية بيتر بوكفار وصف ذلك بـ"الجهل" الاقتصادي، موضحاً أن البنوك المركزية تلجأ إلى رفع أسعار الفائدة كوسيلة لتهدئة الاقتصاديات المحمومة لمنع خروج التضخم عن السيطرة.

عدوى ترامب
إردوغان اختلف في كل شيء مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلا السعي لتخفيض أسعار الفائدة، حيث أمضى الأخير نهاية الأسبوع في محاولة لإخضاع رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي "البنك المركزي الأمريكي" لخفض الفائدة.

بحسب الشبكة الأمريكية، فإن مطالب ترامب تتناقض مع ادعائه بأن الاقتصاد الأمريكي هو "أفضل ما كان عليه من قبل!"، لافتة أن ترامب مارس ضغوطًا شديدة على رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول لخفض أسعار الفائدة، على الرغم من أن سوق الأسهم في أعلى مستوياته على الإطلاق، وظروف الائتمان قوية وسوق الوظائف في حالة جيدة.

ترامب قال: "مشكلتنا الأكثر صعوبة ليست منافسينا، بل الاحتياطي الفيدرالي"، مضيفًا أن البنك المركزي الأمريكي "ليس لديه أدنى فكرة"، رغم عدم وجود رابط بين مطالب ترامب بخفض أسعار الفائدة وادعائه بأن الاقتصاد الأمريكي هو الأفضل على الإطلاق، لكن من المتوقع على نطاق واسع أن يخفض الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة في وقت لاحق هذا الشهر.

رئيس الاحتياطي الفيدرالي سعي إلى تخفيف المخاوف من رضوخه لمطالب ترامب، وقال باول في خطاب ألقاه الشهر الماضي: "الاحتياطي الفيدرالي مستقل عن الضغوط السياسية قصيرة الأجل"، مشيراً إلى أن الكونجرس شكل بنك الاحتياطي الفيدرالي عمداً ليكون مستقلًا، لأنه رأى الضرر الذي يحدث عندما تنحني السياسة عن المصالح السياسية قصيرة الأجل، ورفض حجة ترامب بأنه يمكن تخفيض رتبته، وقال باول: "أعتقد أن القانون واضح أن لديّ ولاية مدتها أربع سنوات، أعتزم خدمتها بالكامل".

البعض تساءل عما إذا كان بنك الاحتياطي الفيدرالي يجب أن يكون مستقلاً حقًا، حيث صرح آرت لافر، مؤلف مشارك في كتاب "عازف البوق: داخل الخطة الأمريكية الأولى لإنعاش الاقتصاد"، لشبكة CNBC الأمريكية :"لماذا يجب ألا تخضع السياسة النقدية، هذه الأداة القوية للغاية للسيطرة على الاقتصاد، للديمقراطية تمامًا مثل أي أداة أخرى للحكومة؟"، وأضاف: "بقدر ما يخبرنا بنك الاحتياطي الفيدرالي وباول بأنهما يفعلان ما يعتقدون أنه صحيح، فهم ما زالوا بشرًا ويتعرضون للضغوط، إنه في موقف صعب للغاية عندما يكون الرئيس فوق رقبتك".

شبكة "سي إن إن" خلصت إلى أنه ربما بدأت حقبة جديدة، يكون للسياسيين فيها رأي أكبر في سياسة البنك المركزي، لكن من الصعب أن نرى كيف ستنتهي السياسة النقدية القائمة على التقويمات السياسية، بدلاً من الأساسيات الاقتصادية، بشكل جيد.

Qatalah