يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


هونياد المجري، بطل وطني، دافع عن بلاده ضد جحافل البربرية العثمانية، لمدة عشرين عاما، وانطبع اسمه وصورته في خيال الشعب المجري والروماني، كفارس أبيض يقود الفرسان لحماية الضعفاء.

بالدم حفر هونياد اسمه في تاريخ  الكفاح ضد العثمانيين، وانتصر على السلطان مراد الثاني في 6 مواقع خلال 5 سنوات، وأجبره على توقيع تنازل عن أراضٍ وأملاك لصالح هونياد وحلفائه. قبل أن يقضي نحبه متأثرا بجراحه، بعد أن هزم السلطان محمد الثاني أمام أسوار مدينة بلجراد عام 1455.

لولا انقسام الأمة المجرية مذهبيا بين الكاثوليك والأرثوذكس، وصراع النبلاء، لما عبرت الجيوش العثمانية نهر الدانوب نحو وسط أوروبا، لكن الانقسام المجري أدى إلى ضعف البلاد، وخضوعها لسيطرة بولندا والنمسا.

سلاطين ودماء
قصة العثمانيين مع المجر بدأت عام 1387، في عهد الملك سيجسموند، الذي حاول التصدي للخطر الذي هدد بلاده، بعد ضم السلطان مراد الأول معظم صربيا، واستيلاء ابنه بايزيد الأول على بلغاريا.

منذ ذلك التاريخ خاضت المجر صراعا وجوديا مع العثمانيين، ولم تكف عن المقاومة إلا بعد موقعة موهاكس عام 1526، التي انتهت لصالح العثمانيين، وكانت بداية إخضاع المجر الذي اكتمل عام 1541 باحتلال بودا، وتحويل المجر إلى تابع للسلطنة، لمدة قرن.

يوحنا هونياد (1402-1456) كان فصلا مشرفا في الدفاع عن وطنه، وحقق انتصارات عدة على العثمانيين، على الرغم من ميل الغلبة عددا وعتادا لصالحهم.

عام 1439 ثار الأمير الصربي برانكوفيتش على العثمانيين، إلا أنهم تغلبوا عليه، ففر إلى المجر لاجئا، واستغل العثمانيون الأحداث في احتلال كامل التراب الصربي، مما جعلهم في تماس مع حدود المجر.

في تلك الأثناء كانت المجر تمر بحالة فوضى، بعد وفاة الملك سيجسموند (1387-1437) ووفاة خليفته الملك الجديد آلبير، بعد فترة قصيرة. بولندا استغلت الوضع وضمت المجر، وأصبح البلدان مملكة واحدة يجلس على عرشها الملك البولندي لادسلاس، فاستغل العثمانلي الوضع في الهجوم على الأراضي المجرية، التي كانت تضم أجزاء من دول رومانيا وصربيا وبلغاريا الحديثة.

الجيش العثماني هاجم إقليم هرمان ستاد في ترانسلفانيا (في رومانيا الحديثة)، محملا بآمال كبيرة في النهب والسلب، ولتحقيق نصر يغطي على الإخفاق في احتلال مدينة بلجراد عام  1839، لكن سوء الحظ كان رفيق العثمانلي هذه المرة، فقد كان حاكم الإقليم "يوحنا هونياد" من عائلة هونيادي النبيلة، الذي شغل منصب قائد عموم جيوش المجر في الوقت نفسه.

الدفاع عن أملاكه، وأسرته، والرعية، تلك كانت الدوافع التي حركت هونياد، وشدت من عزمه لتوحيد البلاد، والقضاء على الفوضى، لصد العدوان العثماني، الذي بلغت وحشيته أسماع كل مجري.

قائد عسكري
هونياد كان قائدا عسكريا محنكا، على إدراك بتفوق العثمانيين العسكري، خصوصا في سلاح المشاة، الذي كان قوامه من الإنكشارية بالإضافة إلى إدخاله أساليب قتالية جديدة، قام هونياد بتوظيف الجنود المحترفين، وتجنيد الفلاحين مثل بقية الجيوش الأوروبية، إنشاء جيش محترف كان العامل الأساسي في نجاح هونيادي في التصدي للعثمانيين، الذين كانوا أكثر خبرة عسكريا

بعد وفاة الملك ألبرت عام 1439، نشبت حرب أهلية في المجر بسبب الصراع على خلافة العرش، في الوقت الذي كان العثمانيون يهاجمون أملاك المجر. كان هونياد مدركا بالخطر المحدق بالدولة، وتعاون مع نيكولاوس أجلاكي لوضع حد للحرب الأهلية عام 1441، ومكافأة على ذلك تم منحه حكم إقليم ترانسلفانيا، وشارك في حكم أجزاء واسعة من المجر.

20 ألف قتيل
الجيوش العثمانية حاصرت مدينة هرمان ستاد، وكان هونياد بعيدا عن مدينته، فعاد بجيشه إليها، وشن هجوما ضاريا على العثمانيين، حقق خلاله نصره الأول، وقتل 20 ألف عثماني، من بينهم قائد الجيش، وأجبر البقية على عبور نهر الدانوب.

خبر الهزيمة وصل إلى السلطان مراد الثاني، فبعث جيشا جديدا قوامه 80 ألف مقاتل، بقيادة شهاب الدين باشا، والتقى مع هونياد قرب بلدة "وازاج" عام 1442، ولم يكن حظه أفضل مما سبقه، ونال هزيمة قاسية على يد هونياد، ووقع شهاب باشا في الأسر.

بعد ذلك سار هونياد إلى بلاد الصرب، وتغلب على السلطان مراد نفسه في مدينة نيش، فهرب السلطان صوب أدرنة، وطارده هونياد إلى ما وراء جبال البلقان عام 1443، والتقى بالعثمانيين بقيادة مراد ثلاث مرات، كان النصر نصيبه فيها جميعا.

إزاء الهزائم اضطر مراد إلى طلب الصلح، ووافق هونياد بعدما تنازل السلطان عن سيادته على بلاد "الفلاخ"، ورد إلى أمير الصرب مدن سمندريه وألاجه حصار، وتم توقيع هدنة لمدة 10 سنوات عام 1444.

مذبحة الإنشكارية
محمد الثاني تولى الحكم خلفا لوالده، وبعد نجاحه في احتلال القسطنطينية، بعث جنوده لاحتلال ما تبقى من أراضي اليونان، وبعدما أتم ذلك سارت جيوشه لاحتلال المناطق الحرة في صربيا.

هونياد تقدم بقواته، وأنزل هزيمة بجيش عثماني، ونجح في ردهم عن صربيا، لكن الخلافات المذهبية بين الصرب الأرثوذكس والمجريين الكاثوليك تسببت في الشقاق بينهما، فقد رفض الصرب معاونة هونياد في دفاعه عنهم، وفضل أميرهم التبعية الاسمية للعثمانيين على التحالف مع المجر.

بسقوط جبهة صربيا توجهت القوة العثمانية صوب المجر، وفي عام 1454 عبر السلطان محمد الثاني بجيش تعداده 50 ألف مقاتل، ويضم 300 مدفع، وكانت الوجهة مدينة بلجراد، التابعة للمجر في ذلك الوقت.

هونياد تولى الدفاع عن المدينة، ودخل إليها قبل وصول العثمانيين، وأشرف على الاستعداد للحصار، وقام السلطان بفرض حصار من ناحية البر والنهر على المدينة، لكنه فشل في دخولها، بفضل شجاعة المدافعين وعلى رأسهم هونياد، الذي كان يشارك في القتال بنفسه، وسط جنوده وفرسانه.

العثمانلي صب نيران مدافعه لمدة ثلاثة أسابيع، إلا أنه فشل في اقتحامها رغم تدمير أغلب الأسوار. بعد ذلك وقعت معركة بين الطرفين، حين خرج هونياد واصطف بفرسانه على ضفاف نهر الدانوب، والتقى بالعثمانيين في موقعة دامية، استمرت 5 ساعات.

النهر امتلأ بدماء العثمانيين، وتم إغراق 6 سفن عثمانية، واضطر السلطان إلى إحراق بقية الأسطول، خوفا من استيلاء هونياد عليه بما فيه من مؤن وذخائر.

غطرسة محمد الثاني تحطمت أمام هونياد، فحاول استعادة كبريائه أمام جنوده، وقاد الإنكشارية في هجوم ليلي على قلعة المدينة، ونجح في دخول طرفها الجنوبي، إلا أن هونياد كان قد تراجع بقواته، ووزعهم لحماية المناز .

هونياد نصب كمينا للسلطان، واختبأ بقواته، حتى اطمأن السلطان وقواته، وانتشروا في الشوارع، يصيحون بهتافات النصر، ويجمعون الغنائم، وكانت تلك اللحظة المنتظرة لهونياد، فهاجم بقواته من البيوت، وحاصر الإنكشارية، ففروا لا يلوون على شيء، وكاد سهم أن يصيب السلطان، الذي انسحب خارج المدينة، بعد أن أمر بقتل أغا الإنكشارية، وغنم هونياد عددا كبيرا من المدافع والذخيرة والمؤن.

هونياد تعرض للإصابة أثناء القتال، لكنه ظل صامدا حتى رحيل العثمانيين، وبعد 20 يوما توفي متأثرا بجراحه.

محمد الثاني تنفس الصعداء بعدما علم بموت هونياد، وكان قد انسحب بقواته بعد فشل حصار بلجراد. السلطان استغل فرصة موت البطل هونياد، وبعث بجيوشه للاستيلاء على أملاك المجر في صربيا، وبحلول عام 1460 كانت كل صربيا قد وقعت بيده، وأصبحت ولاية عثمانية لعدة قرون.

الفارس الأبيض
يوحنا هونيادي (1406-1456) أحد أشهر القادة العسكريين والسياسيين في شرق ووسط أوروبا في القرن الخامس عشر. ينتمي إلى أسرة من النبلاء الرومانيين والمجريين، من بيت هونيادي الشهير. حكم مساحة واسعة من مملكة المجر، وشغل منصب قائد الجيش. أنجب ولدين، وبعد وفاته تم انتخاب أحدهما ويدعى ماتياس كورفن هونيادي ملكا على المجر، تكريما لذكرى والده.

المصادر :


Qatalah