يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"الساكن في الريف معدوم اللذات، دائما في انقباض وجري وكر وفر، وحبس وضرب ولعن، وسب وهوان وشجار، وشيل تراب وحفر آبار‏، وخروج للسخرة‏،‏ وتعب شديد بلا أجرة‏،‏ وإذا كان ذا فضل ضاع فضله‏،‏ أو ذا عقل ذهب عقله‏،‏ أو ذا مال أغروا عليه الحكام‏،‏ أو تجارة نهبوه في الظلام‏،‏ فالحق عندهم مضاع والباطل عندهم مذاع، وحكم الله ليس له اندفاع".
 
سطور من "هز القحوف في شرح قصيد أبي شادوف" كتبها الشيخ يوسف محمد خضر الشربيني، بمثابة فيلم تسجيلي لحياة الفلاحين المصريين في القرن الـ17 تحت نير الاحتلال العثماني.
 
يفصح الكتاب بلغة عامية كاشفة عن حياة ثقيلة خالية من المباهج تعج بالهموم، بأسلوب ساخر يقاوم الكابوس العثماني بالفكاهة، فلم يكن بمقدور يوسف الشربيني مهاجمة المحتل مباشرة، إنما بطريقته الهزلية ووصفه الدقيق يقذف سهاما نارية عليه، فهو يسخر من الشعب المطحون لكنه يهاجم السلطان والوالي ورجاله الذين أوصلوا الفلاح إلى هذه الحال.
 
ينتمي "الشربيني" إلى فئة المتعلمين، فبعدما أغلق الاحتلال معظم معاهد العلم في القاهرة ظل الأزهر منارة تواجه محاولات التتريك، وكان معظم من يتلقى تعليمه من أبناء الريف لا يجد وظيفة في العاصمة فيضطر للعودة ليعلم أهل قريته، لذلك اتجه صاحب "هز القحوف" إلى قريته شربين بمحافظة الدقهلية، سخطا على الاحتلال الذي خرب المحروسة وأفقر شعبها، فرصد انهيار الأحوال بسبب تجريف ثروات المصريين وتركهم عبيد البحث عن لقمة تسد الرمق.
 
هجمات الكشافة
تفنن العثمانيون في أكل السحت وإجبار الفلاحين على دفع تكلفة معيشة الإقطاعيين الأتراك وموظفيهم من مأكل ومشرب، وأعلاف الدواب، فيما عرف بـ "الوجبة"، التي يلتزم المصري بتوفيرها للزائر التركي ولو بالدين، ما دفع  الفقراء منهم للهرب خارج القرى.
يقول الشربيني: "وقت مجئ الوجبة وحضورها بمجرد طلوع الملتزم (الإقطاعي) والشاد (جندي يلازم المحصل) إلى البلد، فتوزع على الفلاحين بحسب ما يخصهم من الأرض من القراريط والفدن (الأفدنة)، فمنهم من يكون عليه في الشهر يوم، ومن يفعلها كل جمعة، ومن يجعلها كل ثلاثة أيام، فلابد منها في كل يوم مدة الإقامة، فيقوم الفلاح بأكلهم وشربهم وجميع ما يحتاجون إليه من عليق دوابهم وما يتمنونه عليه من اللحم والدجاج، ولو كان فقيرا ألزموه بذلك قهرا وحبسه الشاد وضربه ضربا موجعا، وقد يربي الفلاح الدجاج فلا يأكل منه شيئا ويحرم نفسه وعياله خوفه من الضرب والحبس، كما يحتفظ بالسمن والدقيق لأجل هذه البلية ويطبخ بالسريج (الزيت) ويأكل الخبز الشعير ويضع لهم القمح الزريع ويأكل الجبن القريش المالح (المش) ويتكلف لشري الجبن الطري الحلو ويرسله في الوجبة خوفا من الإهانة والبهدلة".
سجل صاحب "هز القحوف" قسوة نظام الالتزام بقصيدة تصور مشهد هجمات محصلي الضرائب (الكشافة) خاصة بعد تدهور الزراعة على يد العثمانيين:
ولا ضرني إلا إن عمي محيلبة * يوم تجي الوجبة عليَّ يحيف
ومن نزلة الكُشاف شابت عوارضي * وصار لقلبي لوعة ورجيف
يوم يجي الديوان تبطل مفاصيلي * وأهر على روحي من التخويف
ويا دوب عمري في الخراج وهمه * تقضى ولا لي في الحصاد سعيف
ويوم تجي العونة على الناس في البلد * تخبيني في الفرن أم وطيف
أنا خاطري أكلة فسيخ على النده * أضال عليها باكيا وأسيف
ويصف الأتراك بقوله:
وليس فيهم رحمة لعال * لكن لأهل الشر والمظالم
فالشر والعدوان فيهم شائع * والخير والإحسان منهم ضائع
توريث السخرة
رصد ابن قرية شربين أهوال السخرة على الفلاحين سواء في أراضي الملتزم أو أعمال حفر القنوات وتطهير الترع، وإنشاء المنازل والحظائر للباشاوات والأغوات، بعد إلزام كل عائلة أن تقدم عددا من أفرادها للعمل بالسخرة، فيقول: "القرى التي تتضمن أراضي الأوسية يعاني أهلها من التعب والغرامة والسخرة الزائدة، أما الخالية من الأوسية فأهلها من المحظوظين".
يضيف "الشربيني": "يخرجون عند صبيحة النهار ويسرحون للحفر وشيل الطين أو لكل ما يأمرهم به من غير أجرة، ومن تراخى أو تكاسل أخذه وعاقبه وغرمه دراهم معلومة، وبعض البلاد تكون العونة فيها على رجال معروفين بالبيوت، فيقولون يخرج من بيت فلان شخص واحد ومن بيت فلان شخصان، وإن مات الرجل جعلوها على ولده، وهكذا فهي داهية كبرى على الفلاحين ومصيبة عظمى على البطالين".
لم تنته معاناة المصريين عند حد نهب جيوب الفلاحين بل وصلت إلى عمليات سلب بشتى الطرق، يقول الشربيني: "ذهب فلاح إلى المدينة يبيع بيضا فاشتراه منه جندي تركي وقال له امضي معي إلى المنزل خذ الدراهم، فمضى معه فدخل الجندي المنزل وترك الفلاح خارجه، فصاح الأخير أعطيني حقي ما يحل لك من الله تاخد بيضي وتخليني واقف على باب بيتك، فخرج ومسك أطواق الفلاح وصار يضربه وكسر البيض على رأسه، فخلصته الناس من بين يديه ففر هاربا، وعندما اشتكى إلى القاضي ورغم اعتراف الجندي بجريمته، إلا أن القاضي طرده ولم يسمع كلامه".
 
صلاة الفأر
رصد "الشربيني" مخططا عثمانيا لهدم التاريخ العلمي للأزهر الشريف بتعمد تدريس بعض الكتب المشكوك في علميتها، ونتج عن ذلك جيل من مدعي العلم انتشروا في الريف والمدن يبثون سموم التخلف.
وروى واقعة طريفة عن جهل مدعي العلم الذين كانت ترسلهم إدارة الاحتلال العثماني "عالم من الأزهر دخل إحدى القرى فتوجه إلى المسجد ليصلي الجمعة، وهناك رأى أهلها وكل واحد منهم معه قفة من خوص، وفيها مغرفة وخشبة وسكين من حديد وفأر ميت معلق في عنقه، فتعجب من فعلهم ومكث ينظر وإذا خطيبهم جاء في نفس صورتهم، فتقدم وسأله عن هذه الحال، فقال له: أنا الذي أمرت بها. فقال: هذا أمر باطل والصلاة باطلة، وما الذي دفعك لهذا؟ قال الخطيب: حديث قرأته في كتاب عندي يسمى كتاب التيه، ولفظه: حدثني بختي بن تحتي عن شعبان النوري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تصح جمعة أحدكم إلا بقفة وخشبة وسكينة وفأر"، وبطبيعة الحال لا يوجد حديث بهذا المعنى لكنه الجهل العثماني.
يعرض "الشربيني" طرفا من خطبة جمعة ألقاها أحد دعاة الملتزم بإحدى القرى مصورا قمة الانحطاط التركي جاء فيها "اعلموا يا أهل بلدنا أن عندكم قمح كثير وتبن وشعير، وأنتم في خير من رب العالمين، فأنتم تفيقوا لزرع الوسية وإلا صبحكم الكاشف بداهية وبلية، وغدا تسرحوا للعونة والسخرة، وفيقوا للغنم والأبقار وأفحتوا أبياركم، وفيقوا لدوركم وجداركم وأكرموا الخطار (موظفي الدولة) بالدجاج والسمك، تنجو من عذاب النار".
 
حفلات الجنس الجماعي
تبنت الدولة العثمانية الطريقة الصوفية البكتاشية وعملت على ترويجها، ومن البدع التي أشاعوها -حسب الشربيني- تناسخ الأرواح وإنكار البعث والنشور والجنة والنار، وادعاء سقوط التكليف عنهم وأنه صار من حقهم ترك الصلاة، والإفطار في نهار رمضان "يقول الدراويش إن البعث والنشور والجنة والنار لا حقيقة لهم، وجنة الشخص وناره وحسابه في نفسه، والدنيا لا تفنى ولا تزول، وإنما هي شمس تطلع وقمر يغيب".
قالوا بوحدة الوجود - يضيف- وأن الله يحل في الطبيعة والإنسان ولا توجد معاص أو منكرات، فيقول الواحد منهم "أنت ناسوته وهو لاهوتك، فالناسوت قائم بعين اللاهوت، وأنت من آدم وحواء، فإذا كانت الخلقة من التراب، ولاصق التراب التراب، فلا حرمة في ذلك، فأنت إذا زنيت أو لُطت، فإنما هي تزاحم أجرام والتصاق تراب ببعضه".
ويذكر قصة وقعت في إحدى زوايا البكتاشية بالقاهرة "عشقوا الغلمان فيقول الواحد منهم للغلام: أصب لك عمود النور في بطنك، فتنظر سائر الأولياء، ومن طقوسهم مضاجعة امرأة فيما بينهم كفعل يربط الجماعة إلى بعضها، فكانت مضاجعة المرأة بمثابة تعاهد على السر بينهم، ومن أفشى السر يكون القتل جزاؤه".
 
 
دعوة للثورة
نهب العثمانيون خير المصريين بسلسلة طويلة من الضرائب والإتاوات، وأصبح الطعام حاضرا في خيال الناس فقط يتفكهون بذكره، يتندرون بتمني أصنافه الشهية، فكان حديثهم عنه شبيها بحديث المحبين، وفي قصيدة أبي شادوف يحكي الشاعر عما سيفعل لو وجد أمامه ما يعجبه من المأكولات:
أيا مطيب الجلبان والعدس إذا استوى * وشرش بصل حولو وميت رغيف
أيا محسن الخبز المقمر على النده * وفوقُو من السرسوب حلب نضيف
واقعد على ركبه ونص واشمر * عن الكف بيدي ما أخاف مخيف 
 
ينتقد صاحب "هز القحوف" أحوال الفلاحين ويدعوهم إلى الثورة على المحتل، بعد أن عاتبهم بصورة ساخرة على أوضاعهم المتدهورة "الحمد لله مستحق الحمد على التحقيق، الذي جعل السمن البقري للعسل النحل رفيق، أحمده حمد من عنده من الجوع دسيسة، وأغاثه الله بقصعة من البسيسة، فملأ منها بطنه، وأشكره شكر عبد تقلع عن الحوامض والمش العتيق، أيها الناس مالي أراكم عن الزردة بالعسل النحل غافلون، وعن الأرز المفلفل باللحم الضاني تاركون، وعن البقلاوة في الصواني معرضون، وعن الأوز السمين والدجاج المحمر لاهون، فما هذا يا إخواني إلا حال المفلسون، وأفعال الفقراء المقلون، فجدوا رحمكم الله في تحصيل الدراهم لتغتنموا المآكل النفيسة والمطاعم اللذيذة".
 

المصادر :


Qatalah