يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


فاجأت الولايات المتحدة إردوغان بإعلان عقوبات ضد وزيري الداخلية والعدل التركيين، بسبب رفضها الإفراج عن القس الأميركي أندرو برانسون - المحتجز في تركيا منذ سنتين بتهمة التعاون مع جماعة فتح الله غولن -. وأكد مسؤولون أميركيون أن الحزمة الأولى من القرارات سيتبعها إجراءات عقابية أخرى أشد قسوة تشمل أتراكا"رفيعي المستوى".

تصعيد واشنطن الأخير ضد أنقرة جاء في أعقاب فترة تنسيق بين البلدين، في منطقة منبج السورية، لإجلاء الأكراد إلى مناطق شرق الفرات، الأمر الذي دفع العديد من المراقبين إلى التوقع بأن تعاونهما بشأن الأزمة السورية سيزداد خلال الفترة المقبلة، إلا أن التطورات الأخيرة فرضت العديد من التساؤلات حول شكل العلاقة بينهما. 

تركيا التي تعاني من أزمة اقتصادية تتمثل في تراجع القيمة السوقية للعملة المحلية، وفرار الاستثمارات الأجنبية، وهبوط عام في أسهم البورصة، ليس بمقدور اقتصادها تحمل أية عقوبات في الوقت الراهن، وعلى الرغم من أن القرارات الأميركية العقابية تعد رمزية، إلا أنها تحمل دلالات كبيرة لا يمكن لأنقرة أن تتغافل عنها.  

وزيران في حكومة إردوغان على قائمة ماغنيتسكي
قررت الحكومة الأميركية مطلع أغسطس 2018، فرض عقوبات على وزيري الداخلية سليمان صويلو والعدل عبد الحميد جول، ووضعهما على قائمة ماغنيتسكي للعقوبات، جراء اعتقال القس الأميركي أندرو برانسون، وبمقتضى القرار يتم تجميد أرصدتهما في البنوك الأميركية، مع منعهما من دخول أراضي الولايات المتحدة. 

قال وزير المالية الأميركي ستيفن منوشين: "الوزيران ينتهكان حقوق الإنسان في دولتهما. ولن نقبل باستمرار توقيف القس برانسون وسجنه دون وجه حق. والرئيس ترامب كان ينتظر قرارًا تركيُا بإطلاق سراحه. لقد خاب أملنا". 

عكست تغريدة نائب الرئيس الأميركي، مايك بنس، حالة الغضب العامة داخل البيت الأبيض، إذ كتب قائلًا: "طبقنا عقوبات اقتصادية صارمة على تركيا. سنستمر في ذلك حتى الإفراج عن القس برانسون وإعادته إلى وطنه أميركا". 

 


لم تقتنع واشنطن بالتسهيلات التي قدمتها أنقرة أخيرًا للقس برانسون، إذ قررت إخراجه من محبسه وتحديد إقامته في منزله، وبعثت وفدًا إلى أميركا، لمناقشة القضية في الولايات المتحدة لكن يبدو أنه عاد دون اتفاقات واضحة. 

فشل الوفد التركي في تهدئة غضب واشنطن
بحسب ما أورده موقع "بي بي سي" الناطق باللغة التركية، قالت صحف أميركية إن المباحثات التي أجراها الوفد القادم من تركيا لم تصل إلى نتائج إيجابية، كما أفادت صحيفة "وول ستريت جورنال" بأن أميركا لم تحصل على تعهد من الجانب التركي بإطلاق سراح القس برانسون، موضحة على لسان مسؤولين أميركيين تحدثوا معها أن فشل التفاوض سيزيد الأمور تعقيدًا وتوترًا، ومن المُرجح أن تبدأ واشنطن في تطبيق حزمة جديدة من العقوبات تشمل مسؤولين أتراكا رفيعي المستوى.

كشف مسؤول أميركي للصحيفة عن أن واشنطن عرضت على طاولة المفاوضات تخفيض الحكم القضائي المحتمل ضد نائب رئيس بنك "هالق" محمد هاكان أتيلا، الذي يحاكم في نيويورك بدعوى خرق عقوبات وزارة الخزانة الأميركية علي إيران، لكن المقترح لم يلق أيةاستجابة تركية. 

وزير الخارجية التركي: نعترض بشدة وسنرد دون تأخر
المتابع للإعلام الرسمي التركي يلاحظ خطاب التصعيد والتحدي على الرغم من إدراك نظام إردوغان أن الاستمرار في تلك السياسات الحمقاء ربما يسبب أزمات اقتصادية معقدة في بلاده.

 

وفي أول رد فعل من وزير العدل عبد الحميد جول على العقوبات ضده، كتب على موقع تويتر: "حلمي أن أعيش على هذه الأرض وأموت عليها. ليس لدي شجرة واحدة مغروسة أو قرشًا واحدًا خارج تركيا"، وقال وزير الداخلية سليمان صويلو في تصريحات صحافية: "بالفعل لدينا أموال في أميركا هي غولن. لن نتركه".


 


بدوره قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو عبر موقع التواصل الاجتماعي "تويتر": "العقوبات الأميركية على الوزيرين لن تبقى دون رد فعل مماثل، طالما لا تدرك أميركا أنها تسعى لنيل مطالبها بطرق غير قانونية، فلن نستطيع حل مشاكلنا". وتابع: "نعترض بشدة، وسنرد دون تأخر".


ثمار مُرة.. 2018 يشهد أسوأ انهيار لليرة التركية 
بدأت تركيا تحصد أولى ثمار القرار الأميركي، ففي أعقاب تصريح ترامب حول العقوبات الجديدة، ارتفع قيمة الدولار مقابل الليرة التركية بنسبة 22% لتصل إلى 6.87، وأصبح 2018 رغم عدم انتهائه العام الذي سجل أسوأ سعر لصرف "الليرة".

وفقا لخبر موقع "TR724" قالت الصحيفة الألمانية "دي فيلت": "رغم أن العقوبات لا تحمل طابعًا اقتصاديًا، إلا أن الليرة سجلت خسارة كبيرة في قيمتها، وحال تم توسيع العقوبات سيؤدي ذلك بدوره إلى كارثة اقتصادية".

رجحت الصحيفة دخول أميركا في خلاف مع شريكتها في حلف شمال الأطلسي، وأنها تستعد لفرض سلسلة جديدة وأوسع من العقوبات.

 التوسع في العقوبات الأميركية 
بينما تتخوف تركيا من توسيع أميركا للعقوبات عليها، يرجح البعض أن تعود واشنطن لسياسة وقف طلبات التقدم للحصول على الفيزا التركية، مثلما فعلت في أعقاب اعتقال أميركيين يعملان في سفارة بلديهما في تركيا بحجة تعاونهما مع حركة "الخدمة" المعارضة .

من المتوقع كذلك أن يضيف "الكونغرس" إلى مسودة مشروع قانون سياسة الدفاع التي يتم إعدادها العام المقبل، مادة تنص على إيقاف بيع المعدات العسكرية الكبرى إلى تركيا، وعلى رأسها طائرات (F35).

تعزز المؤشرات الحالية احتمالية فرض القضاء الأميركي عقوبات مالية طائلة على بنك "هالك" الرسمي - أحد أكبر بنوك تركيا الحكومية - لتصل 10 مليارات دولار، وأن يكون الدفع إجباريًا.


كما تعزز صدور مذكرة اعتقال أميركية بحق وزير الاقتصاد السابق، ظافر تشاغليان، حيث اعترف عليه رضا ضراب - رجل أعمال تركي إيراني الذي يحاكم في واشنطن بالتهمة نفسها أيضا - بأنه كان جزءا أساسيا من عملية التحايل على العقوبات الأميركية على إيران، إلى جانب شخصيات أخرى مثل رئيس الاستخبارات التركي، هاكان فيدان.

يقول مراقبون إن لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي من الممكن أن تمنح الرئيس ترامب حق استخدام النقض (الفيتو) لتعطيل التصديق على مجموعة من القروض التي تقدمها المؤسسات الدولية إلى تركيا، بينها مؤسسة التمويل الدولية أحد أعضاء البنك الدولي، وصف رئيس مركز الأبحاث الاقتصادية والسياسة الخارجية سنان أولجن أزمة تركيا بـ"العميقة"، والتي لم يشهد التاريخ مثلها من قبل، خاصة أنها تأتي بين دولتين في حلف "الناتو". 

سيناريوهات الأزمة 
تشهد العلاقات التركية الأميركية توترًا منذ فترة، على خلفية تباينات في عدد من القضايا، بينها اعتراض أنقرة على دعم واشنطن للأكراد في الشمال السوري،فضلا عن استمرار توفير اللجوء لرجل الدين المعارض فتح الله غولن المقيم حاليًا في ولاية بنسيلفانيا.

تتحفظ أميركا على توسيع تركيا لعلاقتها بروسيا، خاصة بعد إتمام صفقة منظومة الدفاع الجوي (S 400)، ورفضها تطبيق العقوبات الجديدة على إيران والتعهد باستمرار التعاون مع طهران.

وعلمت أنقرة أن موازين القوى ليست في صالحها، وأن الاستمرار في مناكفة أميركا يعرضها لعقوبات أكثر صرامة تتسبب في تعميق أزمتها الداخلية، كما تتوجس من الاعتماد الكامل على روسيا، إذ إن موسكو ستستغل الأمروتفرض تصورها الكامل على الأزمة السورية مما يضيع على تركيا خططها الموضوعة لدمشق.

يظهر إردوغان ترددا في الانصياع الكامل للمطالب الأميركية، حتى لايبدو ضعيفًا لا يملك من الأمر شيء، لكن من المؤكد أنه سيدخل قريبًا في مفاوضات مع واشنطن يتمخض عنها إطلاق القس برانسون وتسويات أكبر لقضايا المنطقة. 

Qatalah