يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


مصر أقدم البلاد الإسلامية التي احتفت باستطلاع هلال رمضان، وكان القاضي أبو عبد الرحمن عبد الله بن لهيعة، أول قاض قام باستطلاع رؤية هلال الشهر الكريم في مصر عام 155 هجرية، لتحتفظ مصر طوال 9 قرون باحتفالات مبهجة بدخول شهر الصوم لم تتوقف إلا مع الاحتلال العثماني الذي حمل الكآبة والمهانة لشعب وداي النيل.

الخلفاء الفاطميون كانوا يخرجون في مواكب لإعلان حلول شهر رمضان من باب الذهب، أمامهم الجند تتقدمهم الموسيقى، ويتسابق الأهالي في إقامة الزينة على منازلهم فتبدو الشوارع والطرقات في أبهى زينة، وبنى الوزير بدر الجمالي مسجدا له على سفح المقطم اتخذت مئذنته مرصدا لرؤية هلال رمضان.

سلاطين المماليك حافظوا على الاحتفال باستطلاع الهلال، وكان القضاة يشاهدونه من منارة مدرسة المنصور قلاوون، فإذا تحققوا من الرؤية أضيئت الأنوار على الدكاكين وفي المآذن وتضاء المساجد، ثم يخرج قاضي القضاة في موكب تحف به جموع الشعب حاملة المشاعل والفوانيس والشموع حتى يصل إلى داره.

احتفالات هلال رمضان تبدلت بمجرد دخول العثمانيين مصر، إذ فشل القضاة الأتراك في تحديد غرة رمضان وعيد الفطر، وتخبطوا في استطلاع الهلال حتى تسببوا في أن أهالي الإسكندرية بدأوا الصيام قبل سكان القاهرة، واكتفوا بمنح هدايا مالية لمن يستطلع الهلال من الأهالي، للتغطية على فشلهم.

اجتاحت مصر موجة من الغضب الشعبي على العثمانيين، وسخر شعراء المحروسة من جهل القاضي التركي، وكتبوا أشعارا توبخ العثمانلية، ومنها: "إن قاضينا لأعمى أم على عمد تعامى؟ / أفطرت في رمضان وصمت في يوم عيد / سرق العيد كأن العيد من مال اليتامى".

لم يكتف العثمانيون بذلك، بل حرموا المصريين من بهجة ثبوت رؤية الهلال، وقصروا الاحتفالات على الصفوة التركية والحامية العسكرية، وطاف المحتسب شوارع القاهرة برفقة الإنكشارية ودراويش البكتاشية، ومنعوا الأهالي من إنارة المساجد وتزيين الشوارع فعم الظلام القاهرة.

العثمانيون حولوا فرحة المصريين برمضان إلى ذكرى أليمة، وبدأت مأساة الأهالي بمجرد الإعلان عن غرة الشهر الكريم، والذين عجزوا عن توفير وجبتي الإفطار والسحور وعانوا الجوع والعوز، وتكفلوا بنفقات البذخ والإسراف في قصور الولاة وحاشيتهم التركية، وطافت فرق الإنكشارية الشوارع لجمع إتاوة "مال الهلال"، واعتبروها هدية واجبة على الرعية يقدمونها للباشا وحاشيته، وفرضوا على الأهالي تقديم وجبتين من لحوم وأرز وفاكهة للجنود.

Qatalah