يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


معاهد لتخريج الدواعش ومراكز للربوبية وأوكار للفضائح الجنسية والقمار.. هكذا أصبح حال مدارس الأئمة والخطباء المنتشرة في المدن التركية، التي تخرج فيها رجب إردوغان صغيرا، بعد أن تشرب أفكار التطرف، ومنحها رعايته الفائقة عندما أصبح رئيسا.

يتغنى إردوغان بمدارس الأئمة، متفاخرا بتاريخها الطويل منذ تأسيسها عام 1924، ويدعي أن هدفها تخريج جيل من الوعاظ والشيوخ يستطيعون الصمود أمام مغريات الحياة، فيما تكشف الفضائح المتوالية داخل تلك المدارس التابعة لوزارة التعليم وهيئة الشؤون الدينية كذب ادعاءاته.

تخريج الدواعش
تحت عنوان "عناصر داعش خريجو مدارس الأئمة والخطباء" نشر الكاتب التركي ناديم شانار، مقالا بصحيفة سوزجو عام 2014، أوضح خلاله الدور الإرهابي الذي تلعبه تلك المدارس في تنشئة جيل متطرف بعيد عن الإسلام المعتدل، فهي تمجد الموت باسم الدين، وينطلق طلابها بعد التخرج إلى أفغانستان والشيشان والبوسنة، وبالطبع العراق وسورية. 
يشير "شانار" إلى أن أول قتيل تركي في أفغانستان، كان بلال يالديزجي خريج إحدى هذه المدارس، والذي سافر مباشرة فور تخرجه لينضم إلى تنظيم القاعدة هناك،عام 1985 ويلقى حتفه عام 1987 في إحدى العمليات الإرهابية.
تكيندور تايفور، نموذج آخر يسوقه "شانار"، فالشاب ابن مدرسة "الأئمة" في إسطنبول انضم بدوره إلى تنظيم القاعدة وقتل عام 1988 في أفغانستان أيضا.
نموذج ثالث للجهاديين، هو ناظم بيتشاكتشي الذي قتل في الفلوجة بالعراق، وتخرج أيضا في واحدة من تلك المدارس.
إرهاب "الخطباء" ارتد إلى قلب الدولة التركية نفسها، فكل من حسن كيليتش ومحمد علي تاكين وسلجوق شانلي خريجي مدارس الأئمة تورطوا في عمليات اغتيال كل من أوغور مومجو وأحمد تانار ومعمر أقصوي وبهرية أوتشكو، في عام 1993، كذلك فإن خريجيها أكرام بايتاب ومحمد علي شاكار ومحمد ذكي يلديرم اتهموا بقتل الصحافيين تشاتين أماتش وتوران دورسون وعلي أكبار.
يرى الكاتب أن النموذج الأحدث من خريجي مدارس "الشؤون الدينية" يتمثل في أوميت يشار طوبراق المعروف بـ "أبو يوسف التركي"، أحد أبرز القناصة في تنظيم داعش، وقتل خلال غارات جوية شنتها الولايات المتحدة على أوكار الإرهابيين في سورية سبتمبر 2014.


مناهج متطرفة
علماء كثر انتقدوا تطرف المناهج التي تدرس لطلاب الإمامة، فعالم الآلهيات والكاتب التركي إحسان آلاأتشيك أوضح خلال استضافته على محطة تلي تي في "tele tv" أن هناك احتمالية كبيرة لتحول الطلاب إلى دواعش، بفضل الأفكار والمبادئ الموجودة في الكتب المقررة.

الكاتب الإسلامي أحد المقربين من الحزب الحاكم مصطفى إسلام أوغلو وصف المدارس الدينية صراحة بأنها "مؤسسات تخريج المتطرفين"، في تدوينة على تويتر، قالت: "تركيا ستواصل تنشئة وإخراج الدواعش طالما لم تتغير المناهج التعليمية لمدارس الأئمة والخطباء وكليات الشريعة".



الإخوان يتسللون

في 4 سبتمبر 2017، نقلت صحيفة سانال باسين التركية خبرا بعنوان "رابعة العدالة والتنمية تتسلل إلى حدائق المدارس"، تناول ظهور الإشارة التي ترمز إلى تنظيم الإخوان الإرهابي، على أحد جدران مدرسة دينية في مدينة كيركيالي، مطبوعة على كف يحمل العلم التركي.
الإشارة استفزت غضب المعارضة، وقال نائب حزب الشعب الجمهوري أونال باشكور، إن رابعة رمز الإخوان السياسي، رافضا رسمها على جدران المؤسسات التعليمية وربطها بالعلم التركي.

قسم ديني 
في خضم الجدل حول عودة القسم الطلابي الذي يرفضه إردوغان وقضت المحاكم بفرضه، شهدت مدرسة الأئمة والخطباء في ولاية كير شهير حادثا فريدا، حيث تم تداول مقاطع فيديو من داخلها تظهر الطلاب خلال تأديتهم قسما دينيا مغايرا لقسم الجمهورية القومي.
ردد الطلاب خلال الفيديو "يحيا الإسلام، في يدنا القرآن، وفي قلبنا الإيمان، نحن المسلمون المؤمنون بالله، لن نترك هذا الطريق، نحن المتمسكون بكتابه وسنته، ومنفذون لأمره، والفارون من محرماته"، ما اعتبر على نطاق واسع تغلغلا لأفكار الدولة الدينية التي ينادي بها إردوغان في تلك المدارس، ويعمل على نشرها بين المجتمع.


ربوبية أم تشدد
انتشار الأفكار المتشددة داخل المدارس الدينية، أدى إلى نتائج عكسية بين الطلاب الذين باتوا يتجهون نحو الربوبية، وفي أبريل الماضي فضح مؤتمر نظمته مديرية التعليم باسم "الشباب والعقيدة" في مدينة قونية، عجز 50 معلما للأخلاق بمداس الأئمة، شاركوا في المؤتمر، عن  الإجابة عن أسئلة الحضور، وهو قصور يشجع الطلاب على النفور من الدين.
أستاذة علم اللاهوت في جامعة دوزجه التركية فاطمة جونايدين أعدت دراسة حول انتشار الربوبية في تركيا، كشفت تحول 42 % من الطلاب إلى متشككين في الدين، بينهم 12% في المدارس الدينية.

صالات للقمار
في فبراير الماضي، استيقظ الأتراك على نبأ غريب، تداولته الصحف المحلية، وهو فوز شركة سبور توتو التي تنظم ألعاب القمار والرهانات بحق رعاية إحدى مدارس الأئمة والخطباء الجاري إنشاؤها في منطقة بيكوز بمدينة إسطنبول.
تعرضت الخطوة لانتقادات عديدة، وقالت صحيفة ميللي جازته إن مناهج المدارس تحرم القمار فيما ترعى إنشاءها شركة للرهان، مشيرة إلى أنه لا يمكن تربية الأئمة والخطباء بأموال محرمة.
الداعية التركي عبد العزيز كيرانشال قال: المدرسة إن كانت تدرس مادة الفقه فإنها تحرم القمار بنصوص قطعية، ويجب عدم إدخال ما يحرمه القرآن والسنة صراحة ويعتبر من الكبائر للإنفاق على أئمة المستقبل.

عنف ضد الأطفال
في أحد فروعها بمدينة قوجالي، أوقف معلم طلابه صفا، ونادى عليهم واحدا تلو الآخر، ليلقوا دورهم من العقاب، حيث كان يضع الطالب على الطاولة ويشده من أذنيه أمام زملائه ويهينه ويضربه على رأسه. 
سارع الأهالي بتقديم شكوى ضد المعلم الذي يسير حاملا عصا لبث الخوف بين الطلاب، دون رادع، رغم منع استخدام العنف قانونيا في المدارس، إلا أن إدارة المدرسة لم تتخذ أي إجراء ضده، والطريف أن هذا المعلم غليظ القلب سيصبح مرشحا لحزب العدالة والتنمية في الانتخابات المحلية المقبلة.

بنات الشيطان
كارثة أخرى شهدتها مفارخ التطرف، فقد تعرض 30 تلميذا في مدرسة أئمة بمحافظة أديامان، من الجنسين، لاعتداءات جنسية، تبين من تحقيقات النيابة أنها تكررت على مدار عامين.  
معلم الفلسفة في مدرسة الخطباء في قونية أرجان هرمان جي اعترف على حسابه في فيسبوك بالجريمة، قائلا :"إما أن لدي مشاعر منحرفة أو أنهم تفوقوا على الشيطان، إذا لم يوسوس الشيطان لك بعد أن ترى ملامح أجسادهم الشابة، فهذا يعني أنك فقدت ذكورتك أو إيمانك".
المعلم المنحرف وصف حصة التربية البدنية بـ"تجريد بنات الأمة من ملابسهن" قائلا عبر حسابه: "إن الزي الرياضي الذي ترتديه الطالبات يجعلهن عاريات، فهذه ليست بتربية بدنية إنما إعداد البدن للشيطان".

"أنزلوا الخائن"
استكمالا للفضائح، في مدرسة إمام خطيب في الأناضول، في ذكرى وفاة مؤسس الجمهورية مصطفى كمال في 6 نوفمبر الماضى، وضع طلاب الصف العاشر صور أتاتورك على الحوائط، ما أثارت غضب وكيل المدرسة ومعلم الفقه هوران كي، الذي دخل إلى الفصل وصاح "أنزلوا هذه، خائن خائن..إنه ينظر إلي، إنني خائف من الصورة".

سرقة رسمية
باعتباره "هدية من الله" استغل إردوغان مسرحية الانقلاب قبل عامين، لتصفية مدارس حركة الخدمة "فاتح وصمان يولو ويامانلر" التابعة للداعية المعارض فتح الله غولن، وتحويلها إلى مدارس أئمة، أطلق عليها أسماء قتلى الانقلاب المزعوم من مؤيديه.
بعد سنه من الانقلاب المزعوم، ألحقت الحكومة 27 مدرسة تابعة لحركة الخدمة في إسطنبول وأنقرة بمدارس الأئمة والخطباء في أغسطس 2016، حسب صحيفة جمهورييت، حيث حولت إحدى المدارس المغلقة في أنقرة إلى ثانوية شهداء القوات الخاصة في شانكايا للأئمة، بينما بدل اسم أخرى إلى ثانوية الإرادة الوطنية للخطباء.

هروب الطلاب
رغم الحملات التشجيعية التي يقودها رجب إردوغان، إلا أن أعداد طلاب مدارس الأئمة والخطباء تراجعت بنسبة 10% خلال العامين الماضيين. وفيما قالت وزارة التعليم القومي في تقرير نشر في فبراير 2017، إن عدد المدارس ارتفع بنسبة 26 %، إلى 1452 منشأة، إلا أنها اعترفت بتراجع أعداد الطلاب بنسبة 9.43%.
صحيفة أفرنسال أشارت في رسم بياني إلى انخفاض عدد طلاب مدارس الأئمة من 555 ألفا و870 طالبا، في 2016، إلى517 ألفا و81 طالبا في 2017، ثم تواصل الانخفاض إلى 503 آلاف و978 في العام الجاري.
نائب حزب الشعب الجمهوري أنجين ألطاي، أوضح أن التراجع يكشف أن هذه المؤسسات التعليمية تشهد انتكاسة، حيث إن متوسط النجاح في اختبارات الانتقال إلى الجامعات منها وصل إلى 180 درجة من إجمالي 500، بينما في المدارس الخاصة 241 درجة، وفي مدارس الأناضول 234، وفي مدارس التعليم الفني الصحي 199.
سبب آخر أشار إليه ألطاي هو تسييس الدين، حيث إن حزب العدالة والتنمية يحاول استغلال هذه المدارس لتحقيق أهدافه السياسية، مطالبا إياه بمراجعة نفسه واعتبار ما يحدث بمثابة الدرس.

Qatalah