يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


في واقع أشبه بمسرح للعبث، وإثارة الفوضى الذهنية، تحولت مناهج التعليم في مدارس تركيا، على يد حزب العدالة والتنمية الحاكم، إلى قنوات لبث سموم التكفير والكراهية، بل والدعوة للانتحار، إلى جانب الاستهانة بالقيم الأخلاقية وأعراض الآخرين، وتداول علاقات جنسية شائنة، لتنشئة جيل مغسول الدماغ، على طريقة حلفائه الدواعش، يصبح رهن إشارة الزعيم الموهوم رجب إردوغان.

"كيف عرفتم" واحد من قنابل التعليم الموقوتة، التي تدرس العلوم الاجتماعية للصف السابع، أي لأطفال في الثالثة عشرة من العمر، ويتناول مقتطفات من الحياة الجنسية لشخصيات تاريخية وفنانين، أمثال مؤسس علم النفس سيجموند فرويد، والممثلة المسرحية الأميركية تالولاه بانكهيد، إضافة إلى السياسي بنجامين فرانكلين أحد كتاب الدستور الأميركي.

صحيفة بيرجون التركية استعرضت الخميس الماضي بعض جرائم الكتاب، الذي احتوى مقتطفات من حياة 68 شهيرا، تطرق فيها إلى هوسهم بالجنس وخداعهم للناس باستخدام هويات مزيفة.
يصف الكتاب الممثلة الأميركية تالولاه بانكهيد، بـ"القصيرة صاحبة الـ500 عشيق"، ويتناول علاقات فرويد الجنسية مع الأطفال "كان فرويد يتحرش بالفتيات الصغيرات، وعندما كان في عمر العامين والنصف عام شاهد أمه عارية، الأمر الذي أيقظ فيه الشهوة رغم صغره".
يسرد الكتاب الذي ألفه الكاتبان البريطانيان جون ميتشينسون وجون لويد وطبع في 2010 بموافقة وزارة التعليم القومي الحياة السرية للشاعر جورج غوردون بايرون قائلا :"إنه يميل إلى زنا المحارم"، وعبر أولياء الأمور عن قلقهم البالغ من تلك المناهج،  متسائلين عن جدوى اطلاع الأطفال على الحياة الشخصية للمشاهير، وعدم التركيز على إنتاجهم العلمي.

دعوة للانتحار 
كتاب "رسائل من الطاحونة" لمؤلفه الفرنسي ألفونس دوديه، المقرر على طلاب الصف الرابع الابتدائي، أحد تلك الجرعات السامة، والذي تتهمه صحيفة "تركيا" بأنه يحرض على الانتحار من خلال بعض العبارات "لم يعد أمامي شيء سوى الموت"، كما يشجع الأطفال على تناول الكحوليات.

استغلت حكومة إردوغان مسرحية الانقلاب عام 2016 في زرع أفكار متطرفة في عقول الطلاب، ما دفع الباحثين التركيين جانان أراتامور تشيمان وسيزان بايهان لعمل دراسة بعنوان "العلمانية والمساواة بين الجنسين في الكتب الدراسية المتغيرة"،  تناولا فيها التغيرات التي طرأت على المقررات الدراسية في المرحلتين الابتدائية والإعدادية عام 2017، مقارنة بالعام السابق.
خلصت الدراسة في أكتوبر الماضي- حسب موقع ديكان- إلى أن المناهج المدرسية عقب مسرحية الانقلاب عززت مفاهيم التوظيف السياسي للدين، ولا سيما التي تعكس أفكار جماعة الإخوان الإرهابية، وباتت تركز على دعوات الاستشهاد وقتال الكفار.
يصف كتاب التاريخ للصف التاسع خروج بعض أنصار الحزب الحاكم ضد دبابات الجيش في يوليو 2016 بأنه "مقاومة شعبية" من أشكال الجهاد المحمود الذي سيجزي الله فاعله خيرا، متجاهلا ما قامت به السلطة في تلك الليلة من أعمال عنف وجرائم قتل عشوائي في الشوارع بزعم مواجهة الانقلاب، في الوقت الذي أصدر فيه إردوغان عفوا رئاسيا عن جميع القتلة.
في يونيو 2017 اعترف وزير التعليم القومي السابق عصمت يلماز بتكريس مفهوم "الجهاد" عمدا في الكتب الدراسية بقوله: تم تجديد 51 منهجا في المراحل الابتدائية والثانوية، والجهاد من بين المصطلحات التي تم تعميمها في المناهج، ولا عيب في ذلك فهو فريضة إسلامية، ولا داعي للانزعاج من تدريسه.

محاربة النساء

دراسة "العلمانية والمساواة" رصدت تعمد إقصاء المرأة وتحقيرها في المجتمع، من خلال حذف الموضوعات التي تظهر النساء صاحبات سلطة وقوة، إضافة إلى النصوص التي تمجد المرأة كما حدث في كتابي التاريخ والمعلومات المقررين على الصفين التاسع والخامس، وشهدا حذف العديد من النصوص التي تؤيد مشاركة المرأة في مجالات الحياة، أما كتاب اللغة التركية للصف الأول فقد بتر الجزء الخاص بعمل المرأة ومثابرتها وقيادتها للرجال في بعض الأحيان.
كتاب "الهيتيت" الذي يضم معارف عامة ساق الحجج على أن دور المرأة ينحصر في كونها زوجة فقط، بعد أن ألغى جزءا عن مكانة الملكات في التاريخ، وشهد كتاب الصف التاسع فضيحة أخرى، إذ جرى حذف حديث شريف للرسول الكريم يتحدث عن أن " النساء شقائق الرجال لهن مثل الذي عليهن بالمعروف" واستبداله إلى "النساء عوان (أسيرات) بأيديكم"، رغبة في إضفاء فهم مشوه للحديث، وسلب المرأة حريتها لصالح الرجل.
حذرت الباحثة التركية هوليا شان من وجود كوارث في المناهج التعليمية بتركيا تعيق إبداع الطفل، مؤكدة أنها لا تصلح للمنافسة العالمية التي تود أنقرة دخول حلبتها، بينما اتهمت نقابة المعلمين الأتراك الحزب الحاكم باستغلال المقررات الدراسية لخدمة أهدافه وسياساته، مشيرة إلى أن الحكومة تتلاعب بمستقبل الأجيال القادمة.

كاريكاتير مسييء
كتاب تعليم قواعد اللغة التركية للصف السادس تضمن كاريكاتيرا
يظهر دبا قطبيا يشير بإصبعه إلى رجل يغرق، في إيحاء مخل، بينما المثير أن السؤال أسفل الصورة طالب التلاميذ شرح الرسم بجملة واحدة.
تسبب الكاريكاتير في ردود فعل غاضبة من الأهالي، ما اضطر صاحب الرسم سلجوق أردام إلى التنصل من المسؤولية على صفحته الرسمية على تويتر قائلا: "عندما تأخذون كاريكاتيرا بدون إذن مني وتضعونه في الكتب الدراسية، هذا ما سيحدث لكم، لو كنتم سألتموني عن رأيي لنصحتكم بعدم وضعه في مناهج الأطفال لأنه ببساطة غير مناسب".

Qatalah