يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


جميلة إلى حد الفتنة، وقاسية إلى حد شرب الدماء الساخنة من جثث ضحاياها وأعدائها دون ارتواء، ربما أوقعك مسلسل "حريم السلطان" التركي في غرام السلطانة "هويام"، كما وقع في هواها سلاطين وأمراء ورجال دولة وسفاحون، لكن المؤكد أنك ستهرب بجلدك من مجرد ذكر اسم صاحبة الوجه النابض بالفتنة والقلب المغروس بالموت، كما حاول كل هؤلاء في حياتها، لكن بعد فوات الأوان.
 
الجارية الجميلة التي دخلت قصر الحكم، وخطفت قلب السلطان سليمان كانت بمثابة آلة قتل متحركة على الأرض، من دون أن تترك أثرا واحدا يدل عليها في كل جرائمها، كل من وقف في طريق طموحها اللا محدود ذهب سريعا إلى القبر، فقد احترفت تدبير المؤامرات، وأقنعت السلطان العاشق بقتل صديق طفولته وابنه،  على يد ابنها الذي كتم أنفاسها ليتوقف قلبها عن بث الأحقاد.
 
امرأة بـ5 أسماء
دعنا نتفق في البداية أن "هويام" هو اسم لا وجود له في قصة الجارية الشرسة التي انتزعت قلب زوجها ووضعت بدلا منه حجرا ليستمتع بمشاهدة ابنه وولي عهده مصطفى وهو يقتل أمام عينيه.
روكسانا أو إلكسندرا هو الاسم الأوروبي الذي دخلت به القصر، لكن السلطانة الأم حفصة اختارت لها اسم خرم الذي يعني بالتركية "الضاحكة" أو "الباسمة"، أما اسمها في سجلات الحريم فكان "حوريم" بينما أطلقت عليها المصادر العربية اسم "كريمة".
 
هدية ملغومة في سوق العبيد
في مدينة روهاتين بشرق أوكرانيا، الروسية في ذلك الوقت، ولدت روكسانا التي كانت ابنة واحد من عامة الناس، لكن ملامحها الساحرة جعلت من يراها يخطئ في الحكم عليها ويعتقد أنها ابنة أحد النبلاء، وأثناء هجمات تتار القرم على البلقان شاهدها الجنود، وفتنتهم بجمالها فتسابقوا نحوها، لتجد نفسها أسيرة بين أيديهم التي راحت تتفحصها باعتبارها قطعة ثمينة باستطاعتهم أن يحصلوا في مقابل بيعها على ثروة كبيرة.
 
وفي سوق العبيد شاهدها أحد رجال الدولة العثمانية فقرر الحصول عليها بأي ثمن ليقدمها هدية إلى القصر، وعندما طالعت السلطانة الأم حفصة وجهها الصبوح وابتسامتها الآسرة وعودها الملفوف شكرته على الهدية وهي لا تعلم أنها بعد سنوات قليلة ستنفجر فيها وتسحب البساط من تحت قدميها وتتفن في إذلالها قبل أن تغتالها. 
 
البراءة المزيفة تخدع السلطانة
وجدت السلطانة الأم في الجارية الجديدة وسيلة لتحجيم نفوذ ماه دوران زوجة ابنها السلطان سليمان وأم ولي عهده بعد أن خرجت عن طوعها ووسعت من سلطاتها، وأصبحت المرأة المفضلة لدى السلطان.
 
رحبت حفصة بالجارية الجديدة التي تصنعت الحياء والبراءة أمامها، وظهرت كصفحة بيضاء تستطيع أم السلطان أن تملأها بما تشاء، فاحتضنتها وأعدتها لتشارك السلطان فراشه وتنسيه زوجته.
أوقعت السلطانة الأم بين سليمان وزوجته ماه دوران وملأت صدره بكراهيتها، وفي اللحظة المناسبة أرسلت إلى حجرته الجارية خرم لتحط نفوذ الزوجة بنظرة واحدة، فما إن شاهدها السلطان حتى مد يديه ووضع وجهها القمري بين كفيه ليتسرب إليه العشق ويملأ قلبه ويسيطر على عقله طيلة حياته، ولم يمض عام على دخولها القصر حتى أنجبت له ابنه محمد.
 
زواج شرعي بعد 100 عام
احتلت خرم المكانة الأولى في قلب السلطان لكنها ظلت في المرتبة الثالثة داخل الحرملك بعد السلطانة الأم حفصة خاتون، والسلطانة ماه دوران، فأحكمت خطتها لتصبح سيدة القصر الأولى دون منازعة.
استطاعت خرم أن تشغل السلطان طيلة الوقت، فقضى الساعات الطويلة معها في حجرته يحادثها في شؤون الدولة، ويتلقى نصائحها ويحولها إلى أوامر مطاعة، واستغلت ولعه بها فطلبت منه أن يعقد عليها رسميا ليكون زواجهما شرعيا وتصبح امرأة حرة رأسها برأس زوجته ماه دوران.
ولم يمانع السلطان سليمان، فأعتقها من العبودية وأعلن زواجه منها في الديوان العام وأمر بنشر الخبر في أرجاء دولته المترامية الأطراف، ليهدم تقليدا لأسلافه في دولة آل عثمان استمر مئة عام منذ مطلع القرن الخامس عشر، أن لايعقدوا زواجا شرعيا أبدا.
 
الاستحواذ على الحرملك
أول ما فعلته خرم بعد زواجها من السلطان هو الاستحواذ على الحرملك، فرضت شروطها، وقربت منها الجواري، الأمر الذي أزعج السلطانة الأم وجعلها تنتبه إلى خطر النمرة المتوحشة التي فوجئت بشراستها وغلظة تصرفاتها.
وصلت خرم إلى الحد الذي لا يمكن السكوت عليه عندما سعت إلى خلع الأمير مصطفى من ولاية العهد لتنصب ابنها محمد بدلا منه، في مخالفة صريحة للقوانين العثمانية التي تفرض خلافة الابن الأكبر سنا ليشتعل الصراع وتندلع النيران داخل القصر.
 
تحالف ثلاثي للخلاص من خرم
لم يكن أمام الأم إلا ردع جاريتها التي تتحدى سلطتها وتضرب بالتقاليد العثمانية عرض الحائط، فسارعت لتحسين علاقتها بماه دوران ، على أن تقفا صفا واحدا ضد أطماع خرم، وانضم إليهما إبراهيم باشا الصديق المقرب لسليمان والذي كان يطمع في الوصول على منصب الصدر الأعظم - الرجل الثاني في الدولة بعد السلطان- واستطاع بالفعل الحصول عليه وهو في الثامنة والعشرين من عمره بمساعدة السلطانة الأم التي دعمت مكانته بتزويجه من الأميرة خديجة أخت السلطان.
 
انتصار غامض
استطاع التحالف الثلاثي تحجيم نفوذ خرم، لكنها ردت بتدبير مجموعة من المكائد والدسائس بطريقة قاتلة محترفة، لتقضي عليهم واحدا تلو الآخر بيديها التي تلطخت بالدماء من أجل أن تنصب ابنها - كما تريد-  وليا للعهد.
بطريقة غامضة ماتت السلطانة الأم في العام 1534، ولم تترك خرم دليلا واحدا خلفها يجعل أحدهم يشير إليها بأصابع الاتهام، وقذفت الرعب في قلب إبراهيم باشا وهي تنظر إليه كلما تقابله بسخرية فأدرك أن الدور قد حان لتصفيته ولكنه لم يكن يعلم كيف وأين.
 
مؤامرة لإعدام الصدر الأعظم
لعبت خرم  على وتر مشاركة إبراهيم باشا للسلطان في العظمة، بعد أن أطلق عليه مسؤولو البندقية لقب "إبراهيم العظيم"، وحذرت سليمان من تعلق الرعية والجند بصدر دولته وحبهم له، ما يشكل خطرا على سلامته وعرشه وملأت قلبه كراهية  وغضبا من صديقه الوفي.
 
عندما اكتشفت خرم أن إبراهيم تزوج سرا بخادمته "محسنة" أسرعت لتبلغ السلطان الذي اعتبر الزواج سبة في حق أخته، ليقوم بإعدامه في العام  1536.
أدركت السلطانة ماه دوران، بعد تنفيذ الإعدام، أن أيامها في الحرملك صارت معدودة، وأن حظوظ ابنها الأمير مصطفى تتقلص، فولي العهد الرسمي أصبح بعيدا عن اهتمامات السلطان الذي لم يعد يرى إلا ابنه محمد، خاصة بعد أن نجحت خرم في تثبيت دعائم سلطانها داخل الحرملك وأقنعت القانوني بتعيين زوج ابنتها رستم باشا في منصب الصدر الأعظم، لتشارك في رسم السياسة العليا للدولة.
 
بدا سليمان عازما على تنصيب محمد ولاية العهد ومهد لذلك بتعيينه واليا على مانيسا القريبة من العاصمة إسطنبول، في حين أبعد ولدها مصطفى إلى أماسيا الأقل شأنا، لترتكب ماه دوران حماقة لم يغفرها السلطان، حين اعتدت بيديها على خرم داخل الحرملك، فغضب سليمان ونفاها إلى مدينة أماسيا.
 
خسارة الابن الشاب
لم تفرح خرم طويلا بإزاحة خصومها، واقتراب موعد إعلان ابنها محمد وليا للعهد فقد أحرقت ماه دوران قلبها عليه بعد أن دبرت مؤامرة من منفاها للتخلص منه، لتدخل خرم على ابنها حجرته وتجده ميتا في العام 1543، وهو في عمر الثالثة والعشرين، فيشتعل قلبها بالحقد والرغبة في الثأر بأبشع طريقة.
 
وسوست خرم للسلطان سليمان بأن ابنه مصطفى يدبر للانقلاب عليه بمعاونة الإنكشارية، لتتوتر العلاقة بين الأب وابنه، ويحتدم الصراع بتعيين السلطان  ولدي خرم الأمير بايزيد واليا على سنجق كوتاهيا القريب من العاصمة، وشقيقه الأمير سليم واليا على مدينة مانيسا، فيرتجف قلب مصطفى وهو يشعر أن السلطانة خُرَّم تدبر للإطاحة به.
استخدمت خرم الصدر الأعظم رستم باشا في ترويج أكاذيبها لدى السلطان، فأقنعه أن الأمير مصطفى جمع حوله فرقا عديدة من الجيش العثماني في الأناضول وقبائل التركمان وينوي الهجوم على العاصمة لخلعه، وزور أوراقا رسمية تتضمن اتفاقا وهميا بين مصطفى والشاه الإيراني طهماسب، تقضي بأن يساعد الشاه الأمير في الوصول إلى العرش، مقابل أن يتزوج مصطفى ابنته ويتنازل له عن أملاك الدولة العثمانية في العراق.
جن جنون سليمان واتخذ قراره بإعدام أكبر أبنائه، وفي العام 1551 أمر بالتجهيز لحملة عسكرية ضخمة للدخول في حرب ضد الدولة الصفوية في إيران، وفي وادي "ايريجلي" ثم استدعى الأمير مصطفى الذي ذهب إلى خيمة والده، فاستوقفه الحرس ونزعوا أسلحته وفقا للتقليد المتبع قبل الدخول إلى خيمة السلطان.
 
رقصة على جثة الأمير
داخل الخيمة السلطانية بحث الأمير عن والده، فلم يجد إلا ستارا مسدلا على العرش منعه الظلام من رؤية من خلفه، وفي لحظات هجم عليه سبعة من العبيد الصم البكم، ودافع الأمير الشاب عن نفسه ببسالة تستحق مشهد الختام، ليطل السلطان بوجهه خلف الستار ويشير إلى عبيده بطرد التردد والانقضاض عليه، فألقوا به أرضا قبل أن يلف أحدهم وتر قوس من حرير منقوع في الزيت على رقبتة ليلفظ أنفاسه الأخيرة أمام والده.
 
وصل الخبر إلى القصر، فرقصت خرم من الفرحة، بعد أن ضمنت ولاية العهد لأحد أولادها، أما السلطانة ماه دوران، فحطمتها حادثة فقد ولدها الوحيد مصطفى، وانتقلت إلى بورصة تعاني ألم الفراق لتجاور قبره الذي دفن فيه.
 
صراع السكير والفارس 
وفقا للتقليد العثماني فإن سليم بوصفه الأكبر سنا كان الأكثر حظا في ولاية العرش ، إلا أن شخصيته السيئة جعلته مرفوضا من قبل الجيش، فالأمير لم تكن لديه أية مهارة عسكرية، فضلا عن إدمانه للشرب وملازمته للخمر، وولعه بالجواري ومطاردته للنساء، عكس بايزيد الابن الأصغر بـ 16 شهرا، والذي امتلك مهارة عسكرية وقدرات إدارية. فجاء قرار السلطان سليمان بتعيين سليم وليا للعهد، صادما للجميع بما فيهم السلطانة خرم، التي كانت ترى أن بايزيد أجدر بالمنصب، إلا أن كأس المؤامرات الذي سقته السلطانة لخصومها دار دورته حتى قدمه ابنها سليم إليها.
 
الخنق في منتصف الليل
 حاولت السلطانة خرم أن تثني زوجها عن قراره لتجد نفسها أمام تحالف لم تتوقعه يتكون من الوزيرين مصطفى باشا ومحمد صوقوللو الذي بدأ نجمه يلمع في سماء إسطنبول بشدة، وكان هدفهم إيصال الأمير الضعيف إلى عرش آل عثمان، طمعا في لعب الدور الأساس بتوجيه سياسة الدولة في ظل وجود سلطان واهن يلقبه العامة بـ"السكير".  
 
فشلت السلطانة في إقصاء سليم من ولاية العهد، ولكنها لم ترفع الراية البيضاء وظلت تحاول من جديد، ما دفع ابنها سليم لاتخاذ قرار التخلص منها بمساعدة الوزير مصطفى باشا الزنبق، فدس عليها من خنقها على فراش نومها، بعد منتصف الليل،  ويتركها جثة هامدة قبل ضوء الفجر، في العام 1558، بعد أن كتبت فصلا من الدماء في بلاط سلاطين آل العثمانيين، وجعلت من سلطنة الحريم ساحة مفتوحة للقتل.

المصادر :


Qatalah