يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


بوجه متجهم على الدوام يشي بالبلاهة، ومشاهد قتال رديئة، وحشد هائل من الأكاذيب، يطاردك الممثل التركي نجاتي شاشماز وفيلمه "وادي الذئاب: العراق" عبر ساعتين من الخيال المثير للشفقة، وكأنه يقول لك في كل لحظة: "نحن الأتراك لم نتعرض للإهانة على يد الأميركيين في دهوك.. هل اقتنعت بعد؟!" ثم يرمق الجمهور بنظرة بائسة طوال العرض، كأنها من عين أرنب مذعور،  تشي بأنه هو نفسه لا يصدق هذا الخيال العابث.

شهد يوم 3 فبراير 2006، العرض الأول لفيلم المخرج "سردار أكار" الذي اشترك في بطولته مجموعة كبيرة من الممثلين الأتراك والأجانب، وأعلن في ذلك الوقت أن الفيلم صاحب الميزانية الأضخم في السينما التركية تكلف 14 مليون دولار. 

تنبني القصة على أحداث حقيقية وقعت شمال العراق في الرابع من يوليو من العام 2003، عرفت تركيا باسم "عملية القلنسوة"، حين قامت الفرقة 173d من قوات المظلات الأميركية باقتحام مخبأ تركي في قرية دهوك، وقبضت على 11 جنديا من القوات الخاصة التركية، عثر معهم على 15 كيلوجراما من المتفجرات وبنادق قناصة وقنابل وخرائط لمدينة كركوك، تخللها دوائر حمراء تشير لمواقع قريبة من مبنى حاكم المدينة.

بعد اعتقال المجموعة سيقت بإذلال، بعد دس رؤوسها في أقنعة سوداء، للتحقيق والاحتجاز لمدة وصلت إلى ستين ساعة، قبل الإفراج عنهم استجابة لاتصالات ديبلوماسية محمومة من أنقرة، بعد فاصل من الفضائح تولاه الجانب الأميركي، إمعانا في إهانة تركيا، وكشفه أن الكوماندوز التركي كان مكلفا باغتيال الحاكم الكردي الجديد الذي تم انتخابه لرئاسة كركوك، لكنه فشل. 

الثأر بالخيال
بدلا من أن ينتقم الأتراك لكرامتهم المهدرة على الأرض، لجأوا لمحاولة رد أكثر بؤسا من فشل ضباط الاغتيالات الذين أرسلوهم إلى دهوك، عبر خيال مزيف على شاشة السينما.
المؤلف اختلق سيناريو انتقاميا وضع فيه خلاصة الغضب الشعبي من عملية القلنسوة، بينما تكفل المخرج بتحويله إلى مجموعة من المشاهد القتالية الضعيفة التي تذكرك بأفلام الحركة "الأكشن" التي يقدمها نجوم الصف الثاني في هوليوود، فيصبحون مثارا للشفقة والسخرية، لا الإعجاب أو الرفض.

تبدأ أحداث الفيلم بإقدام "سليمان أصلان"، وهو شخصية متخيلة لواحد من الضباط المشاركين في "القلنسوة"، على الانتحار نتيجة شعوره بالعار والمهانة، وقبل انتحاره، يكتب خطابا إلى صديقه ضابط المخابرات السابق "بولات علمدار"، الشخصية الرئيسة في الفيلم، وجسدها نجاتي شاشماز، يخبره بأنه كجندي تركي لا يستطيع العيش بعد ما حدث له على يد الأميركيين. 

هنا تظهر حكاية العملية التركية الفاشلة مبتسرة، فالمؤلف يتجاهل -عمدا- سبب وجود الكوماندوز في العراق من الأساس، والإشارة للمهام التي أنيطوا بها على التحديد، ويركز منذ اللحظات الأولى من الفيلم على توبيخ الصديق الأميركي الذي غدر برفاقه في غزو العراق، وهو ما تركز عليه اهتمام صناع الفيلم، بعبارات من مثل "خانونا بعد ما حاربنا إلى جوارهم كتفا بكتف"، و"أكلوا من خبزنا، وشربوا من شاينا!!"، كأنها صرخات عتاب للكاوبوي الأميركي.

تلك العبارات الافتتاحية من بين أكثر اللمحات غباء في هذا الفيلم، ففي وقت سعى بشتى السبل لإظهار العراقيين بصورة طيبة، يعترف بأن تركيا كانت حليفا ممتازا للولايات المتحدة في الحرب التي شنتها لاحتلال البلد العربي، حيث لم تقدم أنقرة فقط مجالها الجوي وقاعدة أنجرليك في جنوب تركيا طوعا للطائرات المقاتلة الأميركية فحسب، بل عملت على الأرض في شمال العراق وقاتلت جنبا إلى جنب مع الأميركيين ضد الجيش العراقي.


"لماذا تخونوننا ؟!"
تغافل المخرج عن أن تركيا قد قدمت اعتذارا لواشنطن على تصرفها الفردي في دهوك، وبعد أن يقرأ البطل "علمدار" خطاب صديقه، يقرر الذهاب إلى العراق لينتقم لرفيقه من الكولونيل الأميركي "سام ويليام" - شخصية متخيلة أخرى- قائد الكتيبة الأميركية التي أذلت "ضباط القلنسوة"، ويصطحب معه ثلاثة من ضباط المخابرات التركية المدربين بكفاءة فائقة.
في العراق، يفتتح "علمدار" ومجموعته انتقامهم بقتل ثلاثة من ميليشيات البشمركة الكردية، هنا يحرص المخرج على أن تكون بداية الانتقام السينمائي  من عدو الأتراك الكبير: الأكراد، الذين يمكن القضاء عليهم دون عناء، لتسويق التفوق التركي المزعوم على عدوه اللدود. 

بعد فراغه من البشمركة، يقدم علمدار على تفخيخ الفندق الذي يسكنه الكولونيل الأميركي ويهدد بتفجير المكان إذا ما رفض سام ويليام ورجاله ارتداء الأقنعة كما وقع من قبل للضباط الأتراك، لكن القائد يرفض ويستخدم مجموعة من الأطفال العراقيين دروعا بشرية فيضطر "البطل التركي" رضوخا لإنسانيته المفرطة للانسحاب الفوري من المكان حرصا على أرواحهم.  

في وقت لاحق من الفيلم، تتجدد محاولة اغتيال الكولونيل من خلال تفخيخ بيانو تبين - ويا للسخرية- أنه مملوك للرئيس العراقي صدام حسين، لكنه يفشل مرة أخرى، ويعقب ذلك مطاردة بين "الهدف" و"ضابط الاغتيال" تنتهي بدخولهما في اشتباك بالأيدي ينتصر فيه بطبيعة الحال مبعوث الثأر التركي على خصمه الأميركي ويقتله بطعنة من خنجر في قلبه لينتهي الفيلم غير مأسوف عليه.

تسويق أنقرة
ثمة مسار جانبي اتخذه "وادي الذئاب" لتسويق رغبة نظام رجب إردوغان في ضرورة عودة تركيا إلى الأرض العربية بأي ثمن.
يظهر العرب في فيلم وادي الذئاب من خلال شخصيتي الشيخ "عبد الرحمن خالص كركوكي" التي أداها الفنان السوري غسان مسعود، وابنته "ليلى".
الأول تقدره جميع الطوائف في شمال العراق، يبدو حكيما رصينا، مسلما دون تطرف يرفض لجوء المسلمين إلى تفجير أنفسهم للانتقام من الأميركيين، لأن في ذلك "انتحار وكفر"، كما يرفض إعدام المدنيين بقطع الرؤوس تأسيا بالإرهابيين.

أما الابنة فهي جميلة وبريئة، قتل زوجها في ليلة زفافهما برصاص الكولونيل الأميركي نفسه، ثم تموت هي الأخرى في نهاية الفيلم على يديه، ويبكيها بطل الفيلم التركي بحرقة وهي تفظ النفس الأخير بين ذراعيه. 

هكذا أراد الفيلم بذئابه التركية أن يقدم العرب حملا وديعا، إلا أنه يموت في النهاية، على ذراع بطل تركي، لا ينتصر أبدا إلا في الخيال، وعلى شاشات السينما الرديئة.

Qatalah