يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


الدين أحد القوى المنظمة للمجتمع. وقد كان التنوير في أوروبا رد فعل على الفساد الذي أدى إلى استخدام الدين كأداة سياسية. وخرجت العلمانية في تركيا من رحم السياق ذاته الذي استخدم فيه المسؤولون في الدولة العثمانية الدين للتستر على الفساد، والآن، وبعد مرور نحن قرن من الزمان، صار لتركيا حاكم يروج لنفسه بأنه من الإسلاميين، ومن جديد، صار الدين وعاءً محتملاً للفساد السياسي.

تيار العثمانيين الجدد في تركيا سعى منذ بروزه للعلن في عهد نجم الدين أربكان في تسعينيات القرن الماضي، أن ينفي عن نفسه صفة الديني بشكل قاطع، إلا أن الطبيعة البراجماتية لهذا التيار، خصوصا نسخته المعدلة تحت مسمى "العدالة والتنمية" برئاسة رجب إردوغان، ونظيره الأيديولوجي "خدمة" التي يتزعمها فتح الله جولن، لم تفلح في التغطية على طابعهما الديني.

الأرجح أن جولن وإردوغان نجحاً في تطويع التعليم، كل على طريقته، لتحقيق رؤيته الخاصة التي ترتكز على بناء جيل تقي، تراه "خدمة" ضروريا للوصول إلى قلب السلطة من وراء ستار وترسيخ "الإسلام الروحي"، بينما استهدف رجب من خلال الهيمنة على منظومة التعليم بناء جيل أقل انسجاما مع القيم العلمانية الأساسية لجمهورية كمال أتاتورك، وأكثر اتساقا مع القيم الدينية للدولة العثمانية السابقة.

إردوغان من جانبه، يحاول الحفاظ على قناع تيار الإسلام السياسي الذي يتخفى خلفه، ليظهر أمام الرأي العام في الشارع التركي وأمام الدول الإسلامية على أنه منقذ الإسلام ومحرر القدس ومخلص العالم الإسلامي، إلا أن أقنعته تتساقط واحدا تلو الآخر ليظهر أمام الجميع بوجهه الحقيقي.

ربط الكثير من الواهمين أحلامهم بإعادة إحياء دولة الخلافة، بالرئيس التركي المنحدر من التيار الإسلامي السياسي إردوغان، إلا أن مواقفه المتعلقة بالإسلام والقضايا الإسلامية شهدت الكثير من النفاق والتحول في المواقف.

إردوغان يعارض العلمانية
في تسعينيات القرن الماضي، وخلال تولي إردوغان منصب رئيس بلدية إسطنبول، مرشحًا عن حزب الرفاة الذي يتزعمه أربكان زعيم تيار الإسلام السياسي في تركيا، قال إردوغان في مؤتمر جماهيري له: "أكثر من 99% من سكان هذا البلد من المسلمين. لا يمكن أن يكون في البلد مسلمون وعلمانيون. إما أن تكون مسلمًا أو أن تكون علمانيًا. لا يمكن أن يجتمع الاثنان معًا"، معترضًا على إدارة البلاد بالدستور العلماني.

حملة حزب العدالة والتنمية قبيل انتخابات المحليات التي أجريت في مارس الماضي، حرص إردوغان على استقطاب التيار الديني والطبقة المحافظة من المواطنين، من خلال خطاباتها التي طغى عليها الطابع الديني، 16 فبراير الماضي، قال إردوغان في كلمة له خلال مؤتمر جماهيري: "لقد جاء الوقت كي تتخلص تركيا من استغلال العلمانية". 

إردوغان يتحول
في يونيو 2009، قال النائب العام بالمحكمة العليا التركية عبدالرحمن يالتشين كايا: "مع تحقيق المزيد من النمو الاقتصاد لاحظنا أنه لم يعد هناك حديث عن العلمانية كما كان من قبل"، ليكون الرد سريعًا من إردوغان، قائلًا: "واجهنا ارتفاع أسعار الفائدة، وكذلك واجهنا الفساد. وخلال اهتمامنا بالاقتصاد، لم نغفل أننا دولة ديمقراطية وعلمانية واجتماعية"، مدافعًا عن علمانية الدولة.

إردوغان حاول سريعًا استغلال أحداث الربيع العربي في 2011، ومساعدة رجاله في تنظيم الإخوان المنتشرين في عدد من الدول العربية للتغلغل إلى السلطة، واختار حينها الدفاع عن العلمانية، وقال خلال زيارته لمصر حينها: "أدعو لمصر لأن يكون لها دستور علماني، فأنا رئيس وزراء دولة علمانية ولكني مسلم ولست علمانيا. لا تخافوا من العلمانية. أتمنى أن يكون النظام الجديد في مصر علمانيا".

بعدها انتقل إردوغان إلى تونس في 15 سبتمبر 2011، عقب أحداث الربيع العربي، وكرر نفس الكلام قائلا: "نحن دولة ديمقراطية وعلمانية واجتماعية. ولكننا لسنا علمانيين بالمفهوم الغربي. الشخص لا يمكن أن يكون علمانيا. ولكن الدولة لا مشكلة أن تكون علمانية. فالمسلم يمكنه أن يدير دولة علمانية بنجاح"، ليدافع مرة أخرى عن العلمانية.

ثم توجه إردوغان إلى ليبيا، وفي كلمة له هناك، قال: "أنا لا أرى العلمانية، أنها إلحاد، الشخص لا يمكن أن يكون علمانيا. ولكن الدولة لا مشكلة أن تكون علمانية"، ليكرر دفاعه عن العلمانية وأهميتها للدولة، بعد أن كان معارضًا لها بشدة، ومشددًا على أن العلمانيين والمسلمين لا يمكن أن يكونوا معًا في دولة واحدة. 

في عام 2016 عاد إردوغان ليدافع عن العلمانية، مرة أخرى، قائلًا في تعليقات تلفزيونية خلال زيارة إلى زغرب عاصمة كرواتيا: إن رئيس البرلمان إسماعيل كهرمان كان يعبر عن آرائه الشخصية عندما قال إن تركيا تحتاج لدستور ديني. ويتعارض الاقتراح مع المبادئ المؤسسة للجمهورية التركية وهي بلد علماني يغلب المسلمون على سكانه".

كما قال إردوغان في حوار على قناة العربية: "العلمانية هي فقط أن تضمن الدولة الحريات لكافة المعتقدات وأيضا أن تقف بنفس المسافة حيالها وهذا هو مفهوم العلمانية عندنا هذا التعريف ينطبق عليهم أيضًا ولهم أيضا وأنا أقول نحن لا نعتبر العلمانية معاداة للدين أو عدم وجود الدين وقلت الفرد لا يمكن أن يكون علمانيا والعلمانية ليست ديانة الدولة هي التي يمكن أن تكون علمانية والعلمانية هي ضمان فقط حريات كافة الأديان والمعتقدات يعني العلمانية توفر الأرضية الملائمة لممارسة كافة الأديان ممارسة شعائرها الدينية بكل حرية حتى الملحدين".

كذلك دافع إردوغان مرة أخرى عن العلمانية، ولكن هذه المرة داخل البرلمان في كلمة له أمام نواب حزبه في أكتوبر 2017، إذ قال: "إن كان هناك أي تفسير أو إدراك خاطئ لمفهوم العلمانية في تركيا، فإن السبب الأكبر في ذلك هو حزب المعارضة الرئيس (حزب الشعب الجمهوري) منذ أن كان الحزب الوحيد في السلطة… إنه الجهل".

بدأت تركيا تطبيق العلمانية من خلال التعديلات الدستورية التي أجريت في عام 1924، حيث تم حذف الجزء الخاص بدين الدولة.
ينص الدستور التركي صراحة في المادة الثانية منه، قائلًا: "الجمهورية التركية جمهورية ديمقراطية علمانية اجتماعية، تقوم على سيادة القانون، في حدود مفاهيم السلم والعلم والتضامن الوطني والعدالة، مع احترام حقوق الإنسان، والولاء لقومية أتاتورك، وتقوم أيضًا على المبادئ الأساسية الواردة في الديباجة".

تغيير النمط التركي
في طريقه لتغيير النمط التركي، من علمانية أتاتورك إلى إسلامية العدالة والتنمية، صرح إردوغان بأنه يرغب في تشكيل جيل متدين في البلاد يؤمن بالثقافة العثمانية ويتغلب على الأفكار الغربية. ومن سياسات إردوغان في هذا الاتجاه تقوية مدارس الإمام الخطيب، التي سبق أن درس فيها بدوره، ويتعلق الأمر بمدارس إسلامية للتعليم الثانوي، استفادت خلال السنوات الماضية من دعم حكومي واسع، ومن المقرّر أن ترتفع الميزانية المخصصة لها لاحقاً. وسبق لمجلس شورى التعليم بالفعل أن صادق عام 2014 على إلزامية دروس التربية الدينية حتى الصف الثالث الابتدائي وإدراج اللغة التركية العثمانية في المناهج الدراسية كمادة إلزامية، فيما جرى إلغاء درس حقوق الإنسان وإدراج محتواه مع درس العلوم الاجتماعية.
ومن أكبر القرارات المتعلقة بحرية الأفراد الدينية، رفع حظر الحجاب في مؤسسات الدولة بشكل كامل عام 2013، وهو إجراء، وإن كان يخدم تصوّر إردوغان، فهو يأتي كذلك نتيجة ضغط الكثير من الفعاليات النسائية داخل البلد وخارجه، خاصة أن بلدانا علمانية كثيرة لا تمنع النساء من العمل أو الدراسة وهن يرتدين الحجاب. كما منعت الحكومة بيع الكحول قرب المساجد والمدارس منذ العام ذاته، ومنعت كذلك مرور أيّ إعلانات أو ملصقات تروّج للكحول.

علاوة على الشأن الداخلي، عُرف إردوغان بتضامنه المستمر مع القضايا الإسلامية، إذ وقف بقوة ضد قرار ترامب إعلان القدس عاصمة لإسرائيل، وأرسل مساعدات عاجلة لأقلية الروهينغا في ميانمار، كما دافع بقوة عن حركات الإسلام السياسي، خاصة في مصر، بشكل جعل بعض التقارير الإعلامية تربط بين هذه التحركات وبين رغبة "السلطان" في البحث عن زعامة للعالم الإسلامي.
ولا تزال الكثير من التحليلات تربط بين إردوغان وبين ماضيه الإسلامي الذي كان أقلّ تعايشا مع مبادئ العلمانية التركية، إذ سبق أن حُكم عليه عام 1997 بعشرة أشهر بسبب إلقائه قصيدة للسياسي التركي ضياء كوك ألب، تضمنت أبياتا غير موجودة في النص الأصلي، هي "المساجد ثكناتنا، القباب خوذاتنا، والمآذن حرابنا"، ممّا تسبب في تركه منصب عمدة إسطنبول. غير أن تطوّر الفكر السياسي لغالبية حركات الإسلام السياسي يلعب لصالح إردوغان، خاصة أن عدة أحزاب تنتمي لمثل هذه التيار، تبّنت مراجعات كبيرة وأكدت إيمانها بالدولة المدنية في مقابل ابتعادها عن الدولة الدينية.

إردوغان والإرهاب
دعم إردوغان، لتنظيم داعش الإرهابي، لم يعد مجرد شكوك واتهامات، بل ثبت ذلك بالأدولة في الكثير من التقارير، ما يؤكد أن الرئيس التركي يحاول أن يظهر أمام المجتمع الدولي خصوصًا الأوروبي، أنه رئيس بثوب علماني ذو طابع إسلامي، إلا أن الحقيقة، أن ميوله الأساسية تؤكد عدوانيته وتطرفه.
تقرير نشرته الصحيفة الاستقصائية البريطانية "ذا إنڤستيجيتيڤ چورنال The Investigative Journal"، كشف بالأدلة والصور والوثائق العلاقة بين النظام التركي وتنظيم داعش الإرهابي وغيره من الجماعات الجهادية المسلحة.
وكشف التقريرعن كيفية تواطؤ الحكومة التركية مع داعش ضد الشعب التركي نفسه وضد النظام والشعب السوريين وذلك في محاولة لنشر الأفكار المتطرفة والحصول على مكاسب سياسية واقتصادية.
وتضمن التقرير 19 صفحة عن الدور التركي في تسهيل دخول الإرهابيين حول العالم إلى داخل سورية عبر الحدود البرية بين الدولتين.
وقام التقرير الذي أعده الصحافي الاستقصائي عبد الله بوزكرت بمراجعة المئات من التسجيلات السرية للاتصالات التي حصل عليها من خلال مصادر خاصة في العاصمة التركية أنقرة، وفضحت هذه التسجيلات الدور الذي تلعبه الحكومة التركية الإسلامية بقيادة إردوغان في تمكين، بل وتسهيل حركة المسلحين الأتراك والأجانب عبر الحدود التركية إلى سورية ليحاربوا إلى جانب الجهاديين التابعين للدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش).

Qatalah