يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


يضيق البسفور بأهله، فيبحث رجال السلطة والمال في أنقرة عن يخوت هادئة لعقد الصفقات، بعيدا عن أعين المتطفلين، ولسر ما تصل بهم رحلة البحث البحرية دائما إلى مالطا.

لا تعشق رموز الحكم في تركيا هذه الجزيرة لأنها مصيف منعش على شاطئ البحر المتوسط، ولا لأنها تضم موانئ اقتصادية هائلة، ولا مزارات للسياحة، بل لسبب آخر تماما.

وفيما تواصل وثائق برادايس المسربة - التي أثارت جنون الرئيس التركي - البوح بأسرارها وفضح فساد الحكم العائلي لتركيا، عثرنا على السر.

تكشف الوثائق في هذه الحلقة عملية استغلال إيركام وبولنت نجلي بن علي يلدريم رئيس الوزراء نفوذهما في امتلاك وإدارة شركات عملاقة في الخارج بمساعدة رجال أعمال نافذين وارتكاب جريمة التهرب من الضرائب، عن طريق اللجوء لملاذات آمنة ضريبيا في الخارج بينها مالطا وبرمودا.

 

8 شركات
أظهرت الوثائق أن عائلة يلدريم، تمتلك 8 شركات منها اثنتان لـ (إيركام وبولنت) في جزيرة مالطا، التي صارت - حسب الوثائق- ملاذا آمنا للمتهربين ضريبيًا، أنشئت إحدى الشركتين في أبريل 2004 وتسمى "Hawke Bay Marine"، وتشير الوثائق إلى أن الشركة تشتغل في مجال النقل، وتدير عددًا من سفن الشحن، أما الأخرى فهي "Black Eagle"، وتأسست في يناير 2007.

تقول الوثائق إن إيركام يلدريم، هو المساهم بالحصة الأعلى في الشركتين، وأنه من يقوم بعملية إدارتهما، وتم إدراج المؤسستين في سجل مالطا للشركات العاملة هناك في أكتوبر 2017.

وتناولت صحيفة "إفرنسل" التركية بعض محتويات هذه الوثائق، وقالت إن نجلي يلدريم يتجاهلان الرد على تلك الاتهامات، والكشف عن حقيقة تأسيسهما للشركتين.

اللافت للانتباه أن الشركتين تم تأسيسهما خلال تولي يلدريم منصب وزير النقل في  حكومة حزب العدالة والتنمية.

30 سفينة
أظهرت الوثائق التي نشرتها صحيفة سودويتش تسايتونج الألمانية بالمشاركة مع الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين "آي سي آي جي" وجود الشركتين (بلاك إيجل مارين) و(هوك باي مارين) المملوكتين لنجلى رئيس الوزراء.

تأسست الشركة الأولى في 7 يناير 2007، ومقرها فاليتا بجزيرة مالطا، وتنشط في أعمال شراء وبيع وإدارة السفن واليخوت وكل أنواع النقل البحري وتأمين القروض للأشخاص من أجل العمل بهذا النشاط.


 

كانت الشركة الثانية تأسست في 1 أبريل 2004، في فاليتا أيضا، وتوضح الوثائق أن نشاطها في مجال النقل البحري استمر حتى أبريل 2007.

وتقدم نائب حزب الشعب الجمهوري سيزغين تانري كولو، في العام 2014 بسؤال في البرلمان التركي لنائب رئيس الوزراء بولنت أرينتش حول مدى صحة امتلاك أرقم يلدريم وحده 30 سفينة.  وتساءل : ما هي أسماء الشركات التي يشارك فيها الوزير السابق بن علي يلدريم وشخصيات أخرى وردت أسماؤهم في تحقيقات الفساد والرشوة في 17 ديسمبر؟ لكن أحدا لم يجب.

تقصي الحقائق
من ناحية أخرى أظهرت الوثائق أسماء ثلاث شركات ترتبط بنجلي يلدريم سبق وكشفتها لجنة تقصي الحقائق الأوروبية، وكانت أسماء هذه الشركات  South Seas Shipping N.V و Nova Warrior Limited و Dertel Shipping Limited.

وبحسب الوثائق، يظهر أن أرقم يلدريم هو الشخص المسؤول عن التوقيعات في شركة South Seas Shipping، وأنه مساهم في الشركتين  Nova Warrior Limited و Dertel Shipping Limited.

تقول وثائق المنظمة البحرية الدولية إن شركة Nova Warrior Limited، التي يساهم بها أرقم يلدريم، تتخذ عنوان شركة أوراس البحرية نفسه في مدينة إسطنبول.


 

وبحسب صحيفة السجل التجاري في تركيا، كان أحمد سعيد أتاسوي وصالح زكي شاكر الصديق المقرب من بن على يلدريم مساهمين في شركة أوراس البحرية حتى يوليو 2006، أما الآن فيساهم في الشركة كل من تشغري جيهان شاكر، ونيهان نور شاكر.

وعلى الرغم من عدم وجود علاقة بين أرقم يلدريم وبولنت يلدريم من جهة وشركة أوراس البحرية من جهة في السجلات الرسمية، إلا أن سجلات مالطا توضح شراكة أكرم يلدريم في "أوراس". 

ووفقا لسجلات المنظمة البحرية الدولية توجد سفينة مقيدة على أنها تابعة لشركة  Nova Warrior Limited ولا تزال تمارس نشاطها حتى اليوم، كما أن مالك هذه السفينة أو مديرها هو شركة Hawke Bay Marine.

شريك يلدريم
صالح زكي شاكر هو الصديق المقرب من بن علي يلدريم، سياسي ورجل أعمال في مجال النقل البحري، وعمل مديرا لفرع تأجير السفن بشركة DB المساهمة للنقل البحري، وعمل مديرا لاتحاد صناع السفن التركي، وكان أحد المساهمين في شركة أوراس البحرية حتى يوليو 2006، وكان شريكا لبن علي يلدريم قبل أن يصبح وزير النقل، وسبق له الفوز بمناقصات حكومية عديدة من الوزارة في عهده، انتخب رئيسا لمجلس غرفة التجارة البحرية في تاريخ 13 أبريل 2018.   

ووفقا لصحيفة "وطن" التركية، اتهم صالح زكي شاكر في العام 2013، بأنه أحد ملاك سفينة Eternal Confidence التي اشتراها  أحمد بوراك إردوغان نجل رئيس الوزراء التركي في ذلك الوقت، رجب طيب إردوغان، بمبلغ 10 ملايين و500 ألف دولا،. علما بأن بوراك هو نفسه صاحب شركة MB للنقل البحري،  فيما نفى شاكر صفقة بيع السفين، وقال "ليس لدي حصة في السفينة التي تم بيعها، ولا توجد علاقة تجارية تجمعني به".

 

وحسب صحيفة "ميلى جازيت" التركية، حصل أرقم يلدريم على مناقصة حكومية بقيمة 7 ملايين دولار قبل 8 أشهر من ظهور أوراق برادايز التي كشفت أسماء الأشخاص المتهربين من الضرائب والشركات التي يديرونها في مالطا بعيدا عن أعين الرقابة والقانون التركي.

وكان بن علي يلدريم قد صرح أن نجليه لم يأخذا أية مناقصة من الدولة، وقال:  "عندما بدأت العمل السياسي أوصيت أبنائي ألا يعملوا في أي وقت باسم الدولة، وألا يستغلوا بنوك الدولة في أي وقت". 

لكن الوثائق فضحت كذب يلدريم، وبحسب هيئة المناقصات الحكومية، فاز أرقم يلدريم بمناقصة من المديرية العامة للتنقيب عن المعادن التابعة لوزارة الطاقة والموارد الطبيعية التركية باسم "خدمة تشغيل سفينة التنقيب تركواز"، وكان ثمن هذه المناقصة 6 ملايين و920 ألف دولار.

تؤكد بيانات هيئة المناقصات على صحة وثائق براديز، وتكشفت أن أرقم يلدريم أخذ المناقصة باسم شركة Nova Warrior، قبل ثمانية أشهر.  

يذكر أن سفينة تركواز هي أول سفينة مسح زلزالي محلي الصنع للتنقيب عن النفط في البحر المتوسط وبحر إيجة، أطلقتها الحكومة التركية بكلفة 300 مليون ليرة، في مارس 2015، وتمدد السفينة كابلات تحت سطح البحر بطول 8 كيلومترات، لجمع البيانات والتقاط صور قاع البحر بواسطة الإشارات الضوئية، ويتم إرسال هذه البيانات إلى المديرية العامة للتنقيب عن المعادن.  

نفوذ يلدريم
زعم يلدريم أن نجليه لم يرتكبا جرما قانونيا، ودعا المنتقدين إلى اللجوء للقضاء. وقال: "من غير المقبول اتهام الأبرياء بارتكاب مخالفات". وعلى الرغم من حماسته وهو يطالب المتضررين بتحريك دعاوى قضائية ضد نجليه، في محاولة منه لدفع التهم عنهما، تدخل مستغلًا نفوذه لحفظ كل القضايا التي تم تحريكها ضدهما، فيما تنص المادة 73 من الدستور على أنه "لا تهاون في التهرب الضريبي والجميع سيدفعها وفقًا لحجم ثروته".

وسارع بن علي برفع دعوى قضائية على جريدة "جمهورييت" التي نشرت تفاصيل "وثائق براديس" وفضحت تورط نجليه في أعمال تربح غير مشروع، على خلفية نفوذه وعلاقاته بكبار رجال السلطة والأعمال.

 

وقدم محامي عائلة يلدريم عريضة لمحكمة الأناضول الابتدائية ذكر فيها الأخبار التي نشرتها الجريدة بشأن نجلي موكله، وذكر أن الأخبار "كانت تتوخى التحقير والتزييف وتكوين انطباع انحيازي خاطئ في المجتمع"، وطالب  بتعويض أدبي قيمته 250 ألف ليرة تركية للوزير ومبلغ مماثل لكل من نجليه أرقم وبولنت. 

تم تأجيل الجلسة الأولى بتاريخ 17 يوليو 2018 في القضية المرفوعة ضد مراسلة "جمهورييت" بيلين أونكر، ورئيس مجلس إدارة الصحيفة أورهان أرينتش، إلى 9 سبتمبر. 

وفي الجلسة الثانية قررت المحكمة تأجيل الحكم في الدعوى لحين النظر في نتيجة القضايا الجنائية المرفوعة ضد شركات نجلي يلدريم، وسحب ملف القضية من الجلسة بمقتضى المادة رقم 165/1 من قانون المحاكم، والتي تنص على أنه إذا كان الحكم في دعوى قضائية يرتبط بدعوى أخرى أو بأدلة المحكمة الإدارية تؤجل المحكمة إصدار الحكم في الدعوى الأولى لحين صدور قرار المحكمة الإدارية أو نتيجة الحكم في القضية الثانية.

وندد المتحدث باسم حزب "الشعب الجمهوري" المعارض بولنت تزجان، بتأسيس أبناء رئيس الوزراء التركي شركات في مالطا للتهرب من دفع الضرائب، مشيرًا إلى أنه ليس عملًا أخلاقيًا، وقال تزجان إن مثل هذه الشركات حرمت تركيا من الكثير من الإيرادات الضريبية التي تحتاجها، وطالب "يلدريم" بالاستقالة في ذلك الوقت، لحفظ ماء الوجه.

Qatalah