يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


يمضي الديكتاتور رجب طيب إردوغان على خطى أسلافه العثمانيين، دمر حلب وبلاد الشام بذراعه الإرهابية، ينقل التجربة من كتاب الغدر العثماني، فإسطنبول في زمن الخلافة المزعومة أرسلت جيوشها يوما لتحرق حلب ودمشق وحماة وحمص، رفعت رايات آل عثمان على أجداث السوريين، فلا يهم من يحكم فالغدر التركي واحد، الوجوه تتغير بين سليمان وعبد الحميد وأتاتورك وإردوغان، لكن سياسة كراهية العرب وعقيدة سفك دمهم تحرك جميع الأتراك.
أرسلت الدولة العثمانية حملات عسكرية متوحشة إلى جيرانها، لتلتهم مساحات شاسعة من الإمبراطورية البيزنطية ومعها جزيرة البلقان، بينما خلع السلاطين النقاب الإسلامي وكشفوا عن أطماعهم التوسعية وهم يهاجمون الإمارات التركمانية المسلمة لتبدأ مرحلة جديدة من المذابح التي راح ضحيتها مئات الآلاف من المسلمين على يد جنود الخلافة الوهمية.
جاء التحول في الفكر الجهادي على يد السلطان سليم الأول الذي ما إن تولى العرش عام 1512 حتى أعلن تحويل مسار العمليات العسكرية في شرق أوروبا إلى الشرق المسلم، وكان مبرره في ذلك وقف الخطر الشاه الصفوي إسماعيل الأول، وهي الحرب التي أراق فيها أرواح التركمان الشيعة الذين يدينون بالولاء للشاه شرق الأناضول، وفي العام 1514 خاض سليم معركة ضد الشاه نفسه في جالديران، حقق خلالها انتصارا منقوصا بعد هروب الشاه الصفوي إلى شرقي إيران.
لكن السلطان لم يجد ما يقوله بعد أن فرغ من قتال الصفويين، وساق جنوده للهجوم على دولة المماليك السنية في مصر والشام، مفتعلا أزمة مع إمارة ذي القادر التركمانية شمال سورية، جعلها مبررا للتحرك نحو حلب ودمشق ومنها إلى القاهرة.
أدار السلطان ظهره لكل من حذره من قتال المسلمين السنة، وضرب بالعلاقات الاقتصادية والسياسية التي تربط الدولة العثمانية بمصر عرض الحائط، استدعى شيخ الإسلام وحصل منه على فتوى تبيح له قتال المسلمين بتهمة كاذبة هي اتصالهم بالدولة الصفوية وتحالفهم ضد آل عثمان.
وفي عام 1516 تدور رحى الحرب بين الفريقين في مرج دابق شمال الشام، ويحقق العثمانيون نصرا خاطفا بفضل خيانة الثنائي، نائب حلب خاير بك، ونائب حماة جان بردي الغزالي، لرفاقهم المماليك، وهي الخيانة التي أصابت  السلطان قانصوه الغوري بسكتة قلبية أفقدته حياته، لتصبح بلاد الشام مفتوحة أمام جيوش سليم الأول، التي أعملت فيها النهب والقتل.


حفلة ماجنة في رمضان
في حلب ظهر الوجه القبيح للعثمانيين، فالمدينة التي سلمها لهم خاير بك دون قتال لم تسلم من وحشيتهم، أعدم سليم الأول 800 شخص من المماليك والأهالي في يوم واحد، وكان من بين الضحايا شيخ الطريقة الصوفية الأحمدية، خليفة القطب أحمد البدوي، كما حرض فرق الإنكشارية على ترويع الآمنين من الأهالي العزل.
بينما كان اختفاء السلطان لأيام داخل خيمته المنصوبة خارج حلب، بمثابة إشارة للجنود لتنفيذ أعمال النهب والقتل العشوائي في ضواحي المدينة العتيقة، وفرصة للمجاهرة بالمعاصي أمام الناس وفق المؤرخ ابن إياس الذي رصد تناولهم للطعام وشرب الخمور وتعاطي الحشيش أثناء نهار رمضان إضافة إلى ممارسة الفحشاء بالصبيان، وفق تقاليد الطريقة البكتاشية التي يعتنقونها، والتي تبيح  للعسكر احتساء النبيذ، وترى في ممارسة الجنس مع الصبيان تقربا إلى الله، فغرقت حلب في دماء العبث العثماني.

مذبحة تحت حوافر الخيول
خضعت مصر والشام للحكم العثماني وتم تعيين الخائنين خاير بك وجان بردي الغزالي نائبين لسليم الأول في البلدين، قنع خاير بك بحكم مصر ولقب نفسه "ملك الأمراء"، بينما تمرد الغزالي الذي امتلك طموحا في إحياء الدولة المملوكية من جديد، وظل يتحين الفرصة حتى سنحت له بعد 3 سنوات حين تلقى نبأ الوفاة المفاجئة لسليم الأول وخلافة ولده سليمان الأول.
أدرك الغزالي أن السلطان الجديد لا يزال في الـ26 من عمره، وهي سن صغيرة لا توفر له الخبرة السياسية والعسكرية لإدارة شؤون الحكم، فأعلن الثورة على الدولة العثمانية ولقب نفسه الملك الأشرف.
رأى سليمان القانوني في ثورة الغزالي فرصة ممتازة لإثبات نفسه كسلطان قوي لا يقل صرامة عن أبيه، فأرسل إليه جيشا للقضاء على حركته، وأجبره على الهرب إلى حماة ومنها إلى دمشق التي وقعت فيها معركة كبيرة هزم فيها الأمير المملوكي، وبعد القبض عليه أرسلت رأسه المقطوع إلى إسطنبول لتعود السلطة العثمانية تلقي بظلالها الثقيلة من جديد على الشام.
في غوطة دمشق ارتكب العثمانيون مذبحة واسعة راح ضحيتها 10 آلاف من المدنيين العزل بينهم المئات من الأطفال، وفق ابن إياس الذي قارن المجزرة العثمانية بسابقتها في المنطقة نفسها قبل 100 عام على يد الغازي الأوزبكي تيمورلنك، قائلا :"فعل "ابن سوار" قائد الجيش العثماني بـ "أهل ضياع الشام أضعاف ما فعله تيمورلنك، من قتل ونهب وسبي وحرق الضياع، وقتل تحت أرجل الخيل ما لا ينحصر".
ربما لو عاد ابن إياس إلى الحياة في يومنا هذا لكتب فصلا جديدا في كتابه "بدائع الزهور في وقائع الدهور"، عنونه بـ "فعل إردوغان"، يسرد فيه وقائع الغزوة التركية الهجمية الجديدة على المدن السورية، يرصد كيف مول الديكتاتور التركي داعش والنصرة وجماعات إرهابية أخرى للقيام بالمهمة القذرة في تدمير سورية، كاشفا عن أن أطماع الطاغية التركي في مدن الشمال السوري أدت لقتل عشرات الآلاف وتدمير دولة كانت على مدار تاريخها قلب الشرق الأوسط.

Qatalah