يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


هو شاعر، كما يراه البعض، بينما يعتبره آخرون "داعية إسلاميا"، ووصل الأمر بالبعض إلى وصفه بالعالم والعلامة الإسلامي، لكنه اشتهر في تركيا بلقب "هوجا أفندي" وهو لقب يمنح للشيوخ والدعاة الإسلاميين البارزين.. إنه علي علوي كوروجو.

كل هذه الألقاب التي حصل عليها كوروجو، لا تخفي أنه أحد الدعاة الأوائل لعودة الدولة العثمانية التي سقطت نهائيا على يد مصطفى كمال أتاتورك، لكن الفصل الأكثر إثارة في حياة كوروجو هو علاقته القوية بحسن البنا.

كوروجو ولد عام 1922، في مدينة "قونية" التي تعتبر معقل التيار المحافظ في تركيا، حفظ القرآن الكريم وتعلم النحو والصرف على يد والده في سن الطفولة، ثم هاجر إلى المدينة المنورة مع عائلته في عام 1939، ثم هاجر إلى القاهرة للدراسة في الأزهر الشريف، حيث مكث في العاصمة المصرية لمدة 6 سنوات، تعرف خلالها على حسن البنا ولازمه طوال فترة بقائه في القاهرة.

بعدها انتقل كوروجو إلى المدينة المنورة، وعمل مديرًا لمكتبة "عارف حكمت" حتى عام 1985. خلال هذه الفترة أصدر العديد من المؤلفات باللغات التركية والعربية والفارسية، إلى أن توفي في 3 فبراير 2002.

مذكرات علي علوي كوروجو نشرت للمرة الأولى في عام 2007، من قبل أحد دور النشر التركية (Kaynak Kitaplığı)، لتثير جدلا كبيرا، حيث روى فيها حكاياته مع مؤسس تنظيم جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا، في شاهد جديد على التداخل الفكري بين تيار العثمانيين الجدد والإخوان، وكلاهما ينهل من نبع أفكار الخلافة الوهمية واحتكار الحديث باسم الإسلام وفرض أيديولوجيتهما على الجميع بالقوة والإكراه.

كوروجو في بداية سرده لتعرفه بحسن البنا كان يمدح فيه، ويصفه بأنه "كان مفعمًا بالنشاط والحيوية"، كما يقول في كتابه: "في يوم من الأيام خرجت من درس الشيخ إحسان أفندي (والد أكمل الدين إحسان أوغلو - مرشح رئاسة الجمهورية التركية في انتخابات 2014 والرئيس السابق لمنظمة التعاون الإسلامي)، كان هذا في عام 1942، مر أمامنا شخص معمم ملتحٍ يرتدي عباءة، وبجواره أربعة أو خمسة أشخاص، ولكنه كان أكثر منهم حيوية ونشاطًا رغم أن سنة كان بين 35-40 عاما. هنا صاح أحد الأصدقاء قائلًا: هذا حسن البنا المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين. ولكن كان حسن البنا شديد الذكاء والحساسية، فعاد لنا وألقى علينا السلام بابتسامة بشوشة وتعرف علينا بتواضع كبير".

هكذا كانت بداية التعارف بين كوروجو والبنا، حيث دعاهم الأخير لحضور دروسه التي كانت تنعقد  بين صلاتي المغرب والعشاء، واصفًا البنا بأنه صاحب روح عالية وأنه كان يتصرف مثل "النبي" ولا يفرق بين أحد، سواء كان مصريا أو تركيا أو باكستانيا. بمثل هذه الأوضاف حول كورجو زعيم جماعة الدم إلى أحد الأنبياء، فهو من وجهة نظر كوروجو أحد الرجال المخلصين الذين يسعون لإعادة الدولة العثمانية للحياة.

تأثر كوروجو بحسن البنا، جعله يخصص 50 صفحة من كتابه للحديث عنه، الكتابة عن البنا تحولت على يد كوروجو إلى حديث عن الهدف الأسمى وهو استعادة الخلافة المتوهمة، كانت الإخوان بحسب كوروجو والعثمانيين الجدد أداة جيدة لنشر أفكارهم في العالم العربي تحت ستار الخلافة، فالتوافق بين أحلام العثمانيين والإخوان جعل من وحدة أهدافهم ومشروعهم واقعا على يد رجب إردوغان الذي يعد حاليا الممثل الحقيقي لأفكار العثمانيين الجدد والإخوان معا.

كوروجو تحدث في كتابه المكون من أربعة مجلدات أنه كان ذاهبًا للحج على متن سفينة تسمى "زمزم"، في عام 1946، وكان من بين الحجاج المصريين على متن السفينة وزير الشؤون الاجتماعية ووكيل الحزب الحاكم في مصر "مصطفى النحاس باشا، وفؤاد سراج الذي أصبح بعد ذلك وزيرًا للداخلية، وكانوا محاطين بالحراسة ورجال الأمن، أما البنا فقد كان محاطًا بالشباب المحبين له"، على حد تعبيره.

من وجهة نظر البنا، التي ينقلها عنه كوروجو، كان الغرض الوحيد من وراء الحرب العالمية الأولى هو محو الخلافة العثمانية، وتشتيت العالم الإسلامي، وهي قراءة خاطئة بالكامل لأن العالم الإسلامي سقط منذ عقود تحت نير الاستعمار الأوروبي في ظل صمت من الدولة العثمانية بل بتواطؤ منها في بعض الأحيان، وكان دخول الأخيرة للحرب استجابة للضغوط الألمانية وليس انتصارا للإسلام بأي حال من الأحوال.

كوروجو ذكر في البداية أنه ذهب للحج مع حسن البنا في عام 1946، ولكنه في الجزء المتبقي من حديثه عن حسبن البنا ذكر أنهم جلسوا في مزرعة بالقرب من مسجد قباء وتحدث فيها البنا عن دور السلطان عبد الحميد في الحفاظ على فلسطين وفرماناته بمنع بيع العقارات والممتلكات لليهود في محيط المسجد الأقصى، مشيرًا إلى أن اللقاء كان في نهاية عام 1948(!) وبالتحديد قبل وفاته بأربعة أشهر، حيث توفي في فبراير 1949، قائلًا: "لقد استشهد على يد أعداء الإسلام وخونة الأمة".

كوروجو أوضح في كتابه أنه رأى البنا في منامه، قائلًا: "رأيت في تلك الليلة رؤيا أني في المحشر، وكانت هناك حشود وضيق من الازدحام الذي يمكنني وصفه، وفجأة وصل القطار، ووجدت نفسي على محطة القطار، وكنت أتساءل كيف يمكنني أن أركب القطار في ظل هذا الازدحام الشديد؟ فإذا بحسن البنا يظهر داخل القطار معمما وله لحية سوداء، ويرتدي عباءة بنية اللون من صوف الجمال، ومد لي يده ورفعني إلى جانبه وذهبنا مع بعضنا البعض"، وهو حديث دروشة يكشف طبيعة الأفكار التي تدور في رأس دعاة العثمانية الجديدة.

كوروجو الذي يعد أحد همزات الوصل القديمة بين العثمانية الجديدة والإخوان، أصبح محل تبجيل من الرئيس التركي رجب إردوغان، الذي استشهد بأبيات من شعره، خلال حملته الانتخابية في أغسطس 2014، لرئاسة الجمهورية بمدينة قونية مسقط رأس كوروجو.

سارة كوروجو، ابنة علي علوي كوروجو، كانت من بين الحاضرين في حفل زفاف شقيق ريحان أوزون آر، زوجة بلال إردوغان، وكانت أسرة إردوغان متواجدة بأكلمها في الزفاف، وقد جاءت من المدينة المنورة إلى تركيا لحضور الحفل. كانت أمينة زوجة إردوغان تعرف سارة كوروجو جيدًا، حتى إنها عرفتها على ابنتها سمية التي سارعت بتقبيل يدها، حسب مقال للكاتبة الصحافية سيبال أر أسلان، في جريدة "ستار التركية" في عام 2015.

Qatalah