يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"أنقرة غارقة لأذنيها في ليبيا".. هكذا خلص تقرير نشره موقع المونيتور الأمريكي، عن الورطة التركية في البلد العربي، فعلى الرغم من كل الدعم والعتاد والتجهيزات المرسلة لحكومة الوفاق برئاسة فايز السراج، ومن يحارب باسمها في غرب ليبيا بشكل علني، يستمر الجيش الليبي الوطني في التقدم لاستعادة السيطرة على طرابلس ومصراتة وسرت غرب البلاد.

تعهد الرئيس التركي رجب إردوغان بعد اشتعال الصراع غرب ليبيا بالوقوف مع حكومة الوفاق وتسخير كل السبل المتاحة لإحباط حملة الجيش لاستعادة طرابلس ولو كان المقابل أن "تخسر تركيا كل إمكانياتها"، بحجة وجود ما وصفها بـ "سيناريوهات قاتمة تحاك ضد الديمقراطية".

وبعد يوم من المكالمة الهاتفية مع السراج، زار وزير الداخلية بحكومة الوفاق الوطني فتحي باشاغا،  أنقرة لمناقشة تفاصيل التعاون الثنائي والاستفادة من اتفاقيات الدفاع والأمن الثنائية، و في 19 أبريل الماضي، استقبل إردوغان رئيس المجلس الأعلى للدولة (ومقره طرابلس) خالد المشري.

موقع المونيتور الأمريكي أكد أن أنقرة تمر بأزمة إقليمية كبيرة، تتعلق بالملف الليبي، حيث عادت تركيا مجددا إلى الأضواء في الصراع الليبي بعد أن شن قائد الجيش الوطني المشير خليفة حفتر هجوما على العاصمة طرابلس في 4 من أبريل الماضي لاستعادتها من يد الميليشيات الإرهابية المتمركزة بالعاصمة.

وقال الموقع الأمريكي: "لا يُعد الوقت الحالي مناسبا للمغامرات الجيوستراتيجية التركية، فحالة الفوضى التي يتصف بها الحكم في البلاد في أعقاب الانتقال لنظام الحكم الرئاسي التنفيذي فضلا عن تفاقم الركود الاقتصادي وتنامي التوترات السياسية منذ الانتخابات البلدية في 31 من مارس الماضي، جميعها أمور تتطلب أن تركز تركيا على الداخل".

كما أشار إلى أن حكومة الوفاق الوطني التي تتخذ من طرابلس مقراً لها، برئاسة فايز السراج وبدعم من جماعة الإخوان المسلمين وغيرها من الجماعات الإسلامية تعلق آمالاً كبيرة على تركيا، وطلب السراج الذي شن حملة مضادة للدفاع عن طرابلس، الدعم من تركيا في مكالمة هاتفية نهاية أبريل مع الرئيس إردوغان.

سيناريوهات إردوغان
الرئيس التركي الذي يتحدث عن سيناريوهات تحاك في ليبيا، لا يعترف أن تركيا جزء من تلك السيناريوهات منذ بداية الثورة الليبية في العام 2011.
وأشار "المونيتور" إلى أن أقوى ورقة لتركيا داخل ليبيا هي اعتراف الأمم المتحدة بحكومة الوفاق الوطني، لكن الاتهامات التي تواجهها أنقرة تقوض حجة شرعية الحكومة، حيث اتهمت قوات حفتر وحكومة طبرق، تركيا، مرارا بنقل أسلحة إلى ليبيا. 

في يناير عام 2013، عُثِر على أسلحة على متن سفينة كانت في طريقها من تركيا إلى ليبيا بعد أن أجبرتها الأحوال الجوية السيئة على الرسو في اليونان. 

وفي ديسمبر عام 2014، اعترضت مصر سفينة أخرى كانت تحمل أسلحة، وسفينة كورية وصلت إلى مرفأ مصراتة بليبيا تبين أنها تحتوي على أسلحة محملة من تركيا. وفي أغسطس من العام نفسه، أمر حفتر قواته باستهداف سفينة قادمة إلى درنة من تركيا بسبب حملها لأسلحة، وفي سبتمبر عام 2015 أيضا ضبطت اليونان سفينة كانت تحمل على متنها شحنة ذخائر من ميناء إسكندرون التركي.

كما اتُهمت تركيا بنقل أسلحة عبر السودان في نوفمبر 2017، حيث تم إيقاف سفينة انطلقت من ميناء مرسين التركي في بورسعيد المصرية، محملة بـ 29 حاوية من الذخيرة، ومؤخرا في 18 من ديسمبر الماضي، تم ضبط سفينة محملة بالأسلحة في الخُمس الواقعة على مسافة 100 كيلومتر شرق طرابلس.

وطبقًا لمسؤولي الجمارك، كانت الشحنة تحتوي على 3000 مسدس تركي الصنع بالإضافة إلى بنادق صيد ومتفجرات. جاء هذا الحادث بعد اكتشاف 2.5 مليون رصاصة تركية الصنع على سفينة تم ضبطها في نفس الميناء في اليوم السابق.

وخلال زيارة بعد ذلك بعدة أيام إلى طرابلس، وافق وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو على إجراء تحقيق مشترك في شحنات الأسلحة التي قال إنها "لا تعبر عن سياسة أو توجه الدولة التركية".

و في تقرير لمجلس الأمن الأممي في سبتمبر الماضي، أكدت اللجنة المشرفة على حظر شحن الأسلحة إلى ليبيا من تركيا.

وفي مجموعة من التغريدات جاء بعضها باللغة التركية، اتهم المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي أحمد المسماري تركيا بالاستمرار في تقديم الأسلحة إلى الإرهابيين في ليبيا، وأكد وجود  وثائق وأدلة أخرى تثبت دعم أنقرة لتنظيم "داعش" الإرهابي.
 
فرصة ضعيفة
وعما قد تسفر عنه الحرب في طرابلس قال "المونيتور": "على الرغم من أن القوات، التي تدعمها تركيا، قد نجحت في السيطرة على طرابلس ومصراتة، فإن سيناريو نجاح تلك القوات في دحر حفتر إلى طبرق وبنغازي يبدو ضعيفا للغاية الآن. وأبرم حفتر اتفاقات مع القبائل في المناطق الشرقية والجنوبية الغنية بالنفط واستقطب الجنود الليبيين للوقوف في صفه بعد تفكك الجيش النظامي في العام 2011".

تابع: "إذا حققت قوات حفتر السيادة والسيطرة على طرابلس، فإن تكلفة التحيز بالنسبة لتركيا قد تعني نسيان ليبيا تمامًا، وهو ما يثير غضب المقاولين الأتراك الذين هجروا مشاريع بقيمة 19 مليار دولار في ليبيا في عام 2011 وكانوا يأملون في العودة بضجة كبيرة".

خسائر مدوية
 عادة ما تنتهي حرب العصابات بانتصار الجيوش والدولة المنظمة على العصابات والميليشيات، وفي طرابلس يكتب الجيش الليبي فصلا جديداً في دحر الإرهاب وهزيمة المتطرفين، حيث تخسر ميليشيات الإرهاب في طرابلس أهم مواقعها التي كانت تتمركز بها طيلة السنوات الماضية، وأسلحة تركيا التي ترسلها برا وبحرا وجواً تقع في أيدي قوات الجيش الوطني بعد اقتحامه البلدان والقرى غرب ليبيا واحدة تلو الأخرى. 

ونشرت شعبة الإعلام الحربي التابع للقيادة العامة للجيش الليبي فيديو يظهر مصادرة قوات الجيش لآليات و أسلحة قادمة من تركيا، وقالت شعبة الإعلام إنه ورغم الحظر المفروض على الجيش الليبي فإن قوات الجيش صادرت العديد من الأسلحة، وأحرزت من خلال الأسلحة المصادرة تقدما في مختلف محاور القتال.

من جانب آخر، كشف الجيش الليبي عن معلومات استخباراتية، وصفها بالخطيرة، تتعلّق بعدد من العناصر الإرهابية التي تقاتل في صفوف القوات الموالية لحكومة الوفاق الإخوانية.

وقال المتحدث باسم غرفة عملية الكرامة العميد خالد المحجوب، في بيان: "إن غرفة عمليات المنطقة الغربية، بقيادة اللواء عبدالسلام الحاسي، حصلت على معلومات استخباراتية مؤكدة، من قلب مدينة مصراتة، تفيد بأن عددًا من العناصر الإرهابية المطلوبة دوليًّا، ومن بينهم عناصر تنظيم داعش الإرهابي، يتلقّون العلاج في المشفى الإيطالي بمدينة مصراتة، وأنهم يقاتلون مع التنظيم الإرهابي للإخوان المسلمين في ليبيا".

راعي الإرهاب
الدكتور إبراهيم بشير الغويل، أستاذ القانون الدولي والمحلل السياسي الذي مثل ليبيا في محافل دولية كثيرة، أوضح أن ليبيا تشتعل بنيران الاختلاف والحرب الأهلية التي تديرها تركيا ودول أخرى وتريد إطالة أمدها.

أضاف لـ"عثمانلي"، أن ليبيا عاشت سبع سنين عجاف وأملي أن يكون هذا العام الذي يغاث فيه الناس وفيه يعصرون، وأرجو أن يصر الشعب الليبي في 20 أكتوبر 2019 المقبل على وحدة الدولة وليس نظاماً فيدرالياً تحت قيادة جيش واحد، وأرجو أن تصبح ليبيا بلا إرهابيين مسيطرين على مناطق من المفترض أن تتواجد الدولة بها لا الميليشيات.

وأشار إلى أن الصراع في طرابلس الذي اشتعل في الشهر الماضي ستكون نتائجه  مهمة جداً وسيقرر شكل ليبيا بالكامل، فإما دولة واحدة مركزية كما نأمل وكما كانت، أو دويلات فيدرالية تشتعل بينها الصراعات بين الفينة والأخرى، ولا يمكن أن تتحقق وحدة ليبيا وسيادتها في ظل سقوطها بيد التيارات المتأسلمة، ومن هنا فإن مستقبل ليبيا الآن ضبابي.

صومال جديدة
أضاف: "طرابلس كعاصمة مزدحمة ولا يجوز أن يجري بها ما جرى في بنغازي، ولكن الميليشيات تركزت في العاصمة الليبية ولكن بالإمكان إنقاذ البلد بترك التعاون مع الخارج وتجنيب البلاد قتل مئات الآلاف والدمار والخراب"، مشيرا إلى أن تدخلات الدول مثل إيطاليا وتركيا وغيرها، يضر بسلامة وأمن البلد.

وعن لجوء السراج إلى الخارج،  قال الغويل إن: الخارج لا يريد إلا مصلحته ويوصلنا إلى مشاكل عويصة، وما يفعله السراج سيحول ليبيا إلى صومال جديدة، فيجب أن يتم الإقرار على سيادة ووحدة ليبيا، لا تسليم مفاتيحها  إلى دول أخرى، كل هذا سيكتب في التاريخ الذي لا يرحم أحداً.

ودعا الغويل إلى رفض التدخلات الأجنبية التي وصفها بـ"الباطلة بطلانا مطلقا"، وأضاف: " لابد من التعامل مع الليبيين وليس الاستقواء بدول أخرى، وندفع لتكتمل السلطة التشريعية، ونختار معا سلطة تنفيذية توافقية تمثلنا جميعا، ونوحد قواتنا المسلحة، ليعود الأمن و الأمان للبلاد".

Qatalah