يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


2 أكتوبر 2018 وسائل الإعلام التركية تهوي إلى الحضيض بقضية جمهورييت

هل وصلت الصحافة التركية إلى الحضيض؟ ربما.

فما حدث لصحيفة جمهورييت اليومية هو نتيجة حتمية لعملية هدم تسير بخطى بطيئة ولكن مطردة. هدم الصحافة التعددية المستقلة في تركيا لأن الصحيفة البالغ عمرها 94 عاما كانت واحدة من آخر وسائل الإعلام الكبرى التي تنتقد حكومة رجب طيب إردوغان.

ما حدث لأقدم صحيفة في تركيا إما حماقة أو انقلاب مدبر بدهاء. وقد تأسست جمهورييت بتشجيع من مصطفى كمال أتاتورك، الأب الروحي للجمهورية التركية العلمانية.

في ظاهر الأمر، واجهت جمهورييت معركة قانونية شائكة مرتبطة بمجلس إدارتها التنفيذي. هذا المجلس فريد من نوعه في وسائل الإعلام التركية لأن هيكله ذو بنية مؤسساتية مما يعتبر ضمانا للاستقلالية في قطاع يشوبه الفساد.

أقام أعضاء سابقون بمجلس إدارة جمهورييت دعاوى قضائية بعد العام 2013، قالوا فيها إن انتخاب أعضاء آخرين يعتبر "باطلا ولاغيا". والآن، قضت محكمة الاستئناف العليا في تركيا لصالح المدعين أليف كوسكان وشوكت توكوش ومصطفى باموك أوغلو ومصطفى بالباي.

وقد تخوّف المطلعون على بواطن الأمور في وسائل الإعلام من هذه النتيجة، إذ أن الصحيفة عرقلتها معركة أيديولوجية شرسة. وفي وقت تشهد فيه تركيا أزمة شاملة، حيث يُفترض أن تكون استقلالية وسائل الإعلام وحريتها أكثر ما يهم فيها، وقعت جمهورييت في براثن أزمة.

كان لحكم المحكمة تأثير مزلزل. أعلن المدعون المنتصرون أن أتاتورك عاد إلى الصحيفة وأنّ مرحلة جديدة قد بدأت. ثلاثة وعشرون من كبار موظفي الصحيفة قدموا استقالتهم أو أقيلوا من وظائفهم. ومن بين هؤلاء الكثير من كتاب الأعمدة الجديرين بالثقة والصحفيين البارزين، بمن فيهم تشيدام توكر التي تشتهر بأنها أبرز صحفية استقصائية مُتخصّصة في قطاع الأعمال بالبلاد.

ومن فرط مرارة الحدث، رفضت الإدارة التحريرية طباعة بعض أعمدة الوداع. وكانت المفارقة أنّ كثيرا من أولئك الذين اضطروا لمغادرة الصحيفة سجنوا نحو عامين. فقد أدينوا في محاكمة عبثية بتهم دعم ومعاونة منظمة إرهابية، وهي حركة غولن. كانت التهمة سخيفة لأن الكثير من المتهمين، باعتبارهم يساريين ليبراليين، من أشد منتقدي تلك الحركة.

لقد كانت المعركة تدور حول الاختلافات الأيديولوجية. فبالنسبة لمن كسبوا القضية كان الأمر يتعلق بإحياء الأيديولوجية الكمالية التي يقولون إنها أُهملت على مرّ السنين. أما من خسروها فالأمر بالنسبة لهم يمثل نهاية نوع معين من الصحافة. كانت نهاية جهود رامية لجعل الصحيفة صوتا للتعددية التركية من خلال الكشف عن انتهاكات حقوق الإنسان والظلم.

يقول مراد صابونجو رئيس التحرير السابق لصحيفة جمهورييت: "أيا كان من تعرّض للظلم، كنا ننشر على أساس قيم الصحافة العالمية، بغض النظر عن انتماءات ذلك الشخص أو ما إذا كان صديقا أم لا". وأضاف أنه بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في العام 2016، رأت جمهورييت أنّ من واجبها أن تكون صوتا لبلد تمّ إسكاته بالكامل تقريبا.

ليس هناك أدنى شك أن القطاعات اليسارية الليبرالية والكردية في تركيا اعتبرت الاستيلاء على مجلس الإدارة التنفيذي بمثابة انقلاب.

يقول أحمد إنسيل، الأكاديمي البارز وكاتب الأعمدة في جمهورييت الذي تقدم باستقالته، لقناة يورونيوز: "هناك جمهور عريض في تركيا، غير حزب العدالة والتنمية (الحاكم)، ذو نزعة قومية متصلبة ومتعصبة أيضا ولا يمكنه تقبل وجهات النظر الأخرى المختلفة عن وجهة نظره. أحد أسباب بقاء حزب العدالة والتنمية في السلطة.... هو أن القطاعات التي تبدو ضدّه هي في الواقع تشاطره نفس الموقف الاستبدادي".

ما من شك أنّ الإدارة الجديدة لصحيفة جمهورييت، التي تنسب نفسها للتيار الكمالي المتشدد، سوف تستثمر في إعادة بناء صفحات الرأي. فهي تأمل من هذا الاستثمار في أن يشتري القراء الذين يتشاركون نفس العقلية الجريدة لقراءة مقالات الرأي لا الأخبار فحسب.

غير أنّ جوهر المسألة يكمن فيما إذا كانت الصحافة المطبوعة لها مستقبل في تركيا. فالصدع الذي شهدته جمهورييت ذو أهمية رمزية كبيرة للصحافة – تلك المهنة الموضوعة على أجهزة الإعاشة – حتى وإن كان أولئك الصحفيون ذوو الكفاءات العالية الذين اضطروا لمغادرة الصحيفة قد لا يجدون لهم نافذة إعلامية يعملون بها.

ومع ذلك، فإن الإدارة الجديدة واهمة في اعتقادها بأن جمهورييت يمكنها أن تحقق نموا من نحو 30 ألف نسخة ليكون لها تأثير هائل. ففي ظل الأزمة التي تعيشها تركيا، يعتبر قطاع الصحف المعتمد على الاستيراد أكثر القطاعات تضررا. وها هي صحف المعارضة الصغيرة تعاني بشكل مخيف واضطرت لرفع أسعارها.

لذا، توضح قضية جمهورييت الرؤية القصيرة النظر التي يتبناها الكثير من الزملاء في تركيا. فهم ينكرون الواقع العالمي الجديد للصحافة.

نقلا عن موقع "أحوال تركية"

 

Qatalah