يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


التركي الذي اعتاد أن يأكل مع الذئب ويبكي مع الراعي، يزعم اليوم تأييده العلني لتحالف دعم الشرعية في بلاد سبأ، في الوقت الذي يلعب فيه دور الشيطان لتمزيق وحدة الفرقاء، بهدف تعميق أزمة اليمن، لإفساح الطريق أمام عملائه للوصول للحكم، وتنفيذ المخطط العثمانلي الذي سبق أن صرح به الرئيس التركي، رجب إردوغان، في سبتمبر 2011، حينما أعلن عن نيته للسيطرة على البحر الأحمر من قناة السويس حتى البحار المجاورة له. 

دول التحالف العربي (مصر والسعودية والإمارات) تعد الحائل الوحيد حاليًا أمام الأطماع التركية العثمانلية في المنطقة العربية، لذا يبذل الأتراك النفس والنفيس في سبيل شق هذا الصف، أو خلخلته على الأقل، من خلال الدعاية السوداء في تغطية الملفات الساخنة في المنطقة، لترويج الأكاذيب والإشاعات المغرضة.

حاول العثمانلي الوقيعة بين مصر والسعودية في الأزمة السورية، غير أن محاولاته باءت بالفشل الذريع، نظرا لرسوخ ومتانة العلاقات بين القاهرة والرياض، واليوم تحاول أنقرة أن تجدد ألاعيبها الخبيثة لمحاولة تلغيم العلاقات الراسخة بين السعودية والإمارات، فيما يخص أزمة اليمن، الذي كان بلاد العرب السعيدة حتى نزل به وباء الفرس والعثمانيين.

دق الأسافين
أنقرة استغلت سيطرة قوات "الحزام الأمني" في اليمن، يوم السبت، على قصر المعاشيق الرئاسي في مدينة عدن، العاصمة المؤقتة للحكومة اليمنية الشرعية التي تتخذ من الرياض مقرا لها، لإحداث شقاق بين الرياض وأبو ظبي.

وسائل الإعلام التركية تروج لفكرة أن ما شهدته مدينة عدن هو بمنزلة "انقلاب" تقوده "ميليشيات" تدعمها دولة الإمارات العربية المتحدة ضد "قوات الحماية الرئاسية" الموالية للحكومة اليمنية والرئيس اليمني عبد ربه منصور، المقيم في الرياض، رغم أن الأخيرة لم تستخدم أيًّا من هذه الألفاظ.

بينما الواقع أن سيطرة قوات الحزام الأمني التي تعمل مع قوات الحماية الرئاسية في مواجهة ميليشيات الحوثيين في اليمن، جاءت بعد مفاوضات مع حرس القصر من الضباط والجنود، بعد مناوشات بينهما.

وكانت قوات "الحزام الأمني" قد نجحت في بسط سيطرتها على المعسكر التابع للواء الثالث حماية رئاسية، بعد السيطرة على معسكر اللواء الرابع حماية رئاسية في مدينة عدن، العاصمة المؤقتة لليمن.

وفي الوقت الذي تطابقت فيه البيانات الرسمية السعودية والإماراتية تقريبا فيما يخص ضرورة توحيد الصف، وتنسيق الجهود، في سبيل مواجهة العدو الوحيد للشعب اليمني وهو ميليشيات "الحوثيين" المدعومة من إيران، سرعان ما استغلت وكالة أنباء "الأناضول" التركية الحكومية تطورات الأحداث في عدن، لتصوير الأمر على أنه صراع سعودي إماراتي، في محاولة من أنقرة لبث روح الفرقة والشقاق بين الأشقاء.

يوم الأحد الماضي لفقت وكالة أنباء "أناضول" التركية الحكومية تصريحات على لسان الملك سلمان بن عبد العزيز، حيث نسبت للملك زورا وبهتانا قوله إنه يرفض "انقلاب المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات على الحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن" وهو التصريح الذي لم يصدر عن أية جهة رسمية أو غير رسمية في الرياض.

 تعمدت الوكالة التركية اختلاق مثل هذه التصريحات المزورة،بهدف زعزعة العلاقات بين السعودية والإمارات، بيد أن مثل هذه الألاعيب الإعلامية التركية الدنيئة لم تعد تنطلي على الشعوب العربية، فضلا عن عدم نيلها من متانة العلاقات بين البلدين الشقيقين.

فشل الوقيعة
وفي محاولة منها لإفساد محاولات الوقيعة، أعلنت أبو ظبي في اليوم ذاته التي سيطرت فيه قوات "الحزام الأمني" التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، على العاصمة المؤقتة عدن، عن بالغ قلقها إزاء استمرار المواجهات المسلحة التي تجري في عدن، داعية إلى التهدئة وعدم التصعيد من أجل ضمان أمن وسلامة الأشقاء في اليمن.

كما شدد وزير الخارجية والتعاون الدولي، الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، على أهمية توحيد الجهود لدحر العدو الأساسي والوحيد في اليمن وهو ميليشيات الحوثي الانقلابية وغيرها من الجماعات الإرهابية الأخرى من أجل عودة الاستقرار لليمن مرة أخرى.

وكالة الأنباء الإماراتية "وام" نقلت على لسان الوزير الإماراتي دعوته لضرورة إجراء حوار مسؤول وجاد من أجل العمل على وحدة الصف في هذه المرحلة الدقيقة والحفاظ على الأمن والاستقرار في البلد العربي الذي يعاني من التدخلات الإيرانية والعثمانلية فيه.

زيارة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبو ظبي، للملكة العربية السعودية أمس الاثنين، جاءت لتخرس مزاعم منصات التحريض التركية وعملائها، التي ما تفتأ تتحدث عن شقاق سعودي إماراتي، وقد تزامن مع زيارة ولي عهد أبو ظبي للرياض، بيان أصدره المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن رحب فيه بجهود الرياض لرعاية حوار بناء بشأن الأزمة اليمنية، معربا عن استعداده للمشاركة في أية محادثات في هذا الصدد.

البيان جاء بعد يوم من تصريحات رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزبيدي، الذي أكد فيها على استعداده للعمل مع الرياض لإدارة الأزمة الحالية في عدن وتبعاتها، مشددا على وقوفه إلى جانب قوات التحالف العربي ضد أذناب طهران الذين يعبثون باليمن، في إشارة لميليشيات "الحوثيين".

الدور التركي
على الرغم من حرص الأتراك على إخفاء آثار أقدامهم في اليمن، غير أن بصمات أصابعهم التي تعبث بالوضع اليمني المتأزم، أجلى من محاولات إخفائها خلف ستار المعونات الإنسانية، والمساعدات الاقتصادية بين حين وآخر، حيث يتبنى العثمانلي ثلاثة خطابات مختلفة للتعامل مع الأزمة اليمنية، خطاب رسمي موجه للقيادة السعودية، وخطاب إعلامي شعبي للشعب اليمني، وخطاب دبلوماسي سري لطهران.

في العلن يدعي إردوغان منذ 2015 أنه يؤيد عمليات تحالف دعم الشرعية في اليمن، في الوقت الذي يكيد فيه من خلال آلته الدعائية لتصوير الأزمة اليمنية وكأنها نتاج تدخل هذه القوات، ولا يفوت فرصة للوقيعة بين الرياض وأبو ظبي في هذا الملف، إذ يحاول إردوغان أن يظهر أنه منحاز لوجهة النظر السعودية في محاولة منه لشيطنة وجهة النظر الإماراتية، لا لسبب سوى خلخلة صف الشقيقين الحليفين.

موقع قناة "تي آر تي" التركية في نسخته الإنجليزية نشر تقريرا تحت عنوان "التأثير التركي في اليمن" في غرة مايو 2018، اعترف فيه محرره المحلل السياسي التركي، علي باكير، المقرب من الدائرة الحاكمة في أنقرة، أن تركيا تستخدم قواها الناعمة في اليمن من خلال المساعدات الإنسانية.

العثمانلي - على صعيد آخر - يقدم نفسه للشعب اليمني بوصفه حمامة السلام، ويحاول عبر ترسانة الحرب الإعلامية التي يملكها أن يصور نفسه بوصفه المهدي المنتظر الذي يخلص الشعب اليمني من آثار وويلات الحرب التي أثارها الإيرانيون والسعوديون والإماراتيون، وهو هنا يبكي مع الراعي.

وعلى صعيد ثالث يأكل إردوغان مع الذئب، حيث يعمل إردوغان على دعم طهران، الخصم الرئيس للأشقاء في اليمن، والمسؤولة الأولى عن تدهور الأوضاع في بلاد سبأ، من خلال ميليشياتها الإرهابية، وليس أدل على ذلك من وقوف أنقرة المستميت لدعم الاقتصاد الإيراني في تحد لقرار حظر شراء النفط الإيراني الذي أصدرته الولايات المتحدة، حليفها في الناتو، إذ تعد تركيا الدولة الوحيدة التي خرقت حظر شراء النفط الذي فرضته واشنطن التي تحاول ردع طهران عن سياستها العدوانية تجاه الأشقاء في المنطقة العربية.

محور الشر
ثمة هدف مشترك يجمع تركيا وإيران، وهو السيطرة على المنطقة العربية، فكلاهما تسعيان لفرض سيطرتهما على الدول العربية، ورغم تباين وجهات نظرهما فيما يتعلق بالأزمة السورية، لكن القواسم المشتركة بينهما أكبر بكثير. 

تركيا تحاول الالتفاف على العقوبات الأمريكية على إيران، وتقدم لها يد المساعدة من خلال خرق العقوبات التي فرضتها واشنطن على طهران، كذلك ثمة تنسيق كبير بين أنقرة وطهران في العدوان العسكري على العراق، تحت ذريعة مواجهة حزب العمال الكردستاني، عدوهما المشترك، الذي يساعد في تقاربهما سياسيا.
 
في 24 يوليو الماضي توجه كبار المسؤولين الأتراك، وفي مقدمتهم وزير الاقتصاد والمالية التركي، وصهر الرئيس رجب إردوغان، بيرات آلبيراق، لمطار إسطنبول حيث استقبلوا باحتفاء شديد، محمد خاقان آتيلا، نائب مدير "خلق بنك" التركي بعد عودته من الولايات المتحدة، بعد أيام من إطلاق سراحه من سجن نيويوك، إذ كانت محكمة نيويورك قد أصدرت حكما ضده بالسجن 32 شهراً بتهمة الالتفاف على عقوبات واشنطن على طهران "وخداع الولايات المتحدة وبنوكها والمشاركة في غسل الأموال".

وكان قاضي محكمة نيويورك، ريتشارد بيرمان، قد دان في القضية ذاتها رجل الأعمال وتاجر الذهب التركي الإيراني رضا ضراب، القابع في أحد السجون الأمريكية، بعد اعترافه أثناء محاكمته بأنه قام بتنفيذ معاملات مصرفية غير قانونية لفائدة إيران بمعرفة ودعم الرئيس التركي، رجب إردوغان، وأنه رشا بعض الأشخاص مثل محمد خاقان آتيلا، وقد استفاد من تعاون ثلاثة بنوك تركية معه بهذا الخصوص.

ووفقاً لضراب فإنه قام بين عامي 2011 و 2015، بشراء سبائك ذهب من "خلق بنك" التركي بالاستفادة من عائدات بيع النفط والغاز الإيراني، وقام بإرسالها من تركيا إلى الخارج بغية تحويلها إلى أموال نقدية، برعاية حكومة إردوغان.

Qatalah