يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لعبت الدولة العثمانية دور القابلة، على يديها ولد الكيان الصهيوني، ووصلت بفضلها الهجرات اليهودية إلى فلسطين بسلام.. تحالفت مع الإمبراطورية الألمانية من أجل تقديم الأرض العربية على طبق من فضة لآل صهيون، عن طريق إصدار وعد "بلفور عثماني" يمنح اليهود أرض فلسطين، وهو الوعد الذي دشنه السلطان عبدالحميد الثاني أثناء مفاوضاته مع هرتزل واستكملته حكومة الاتحاد والترقي.

الوعد الأول 
مقابل وعد من اليهود بتسديد ديونه لأوروبا، تبنى السلطان عبد الحميد إقامة وطن قومي لليهود، وقدم وعودًا صريحة لصديقه هرتزل بالعمل على إنشاء المستوطنات تحت رعايته شخصيًا، ليجتمع قادة الصهيونية في إسطنبول أثناء زيارة القيصر الألماني فيلهلم الثاني إلى القدس 1898، ويتفقون على المطالبة بالمنطقة الواقعة بين غزة والفرات كوطن لهم، على أن يتمتع الإقليم باستقلال ذاتي عن الدولة العثمانية، وهي الأحداث التي روتها فدوى نصيرات في كتابها دور السلطان عبد الحميد في تسهيل السيطرة الصهيونية على فلسطين.

لعبة المصالح
أدار عبد الحميد الثاني ظهره لكل القيم الإسلامية، وأخذ يتباحث مع القيصر الألماني حول المشروع اليهودي في مراسلات على مدار 8 سنوات حول المشروع الصهيوني، اعتمد فيها على أصدقائه من زعماء الطائفة اليهودية في تمويل خزانة الدولة الخاوية، وتفاوض مع صديقه هرتزل، مهندس مشروع الاستيطان الصهيوني، على بيع فلسطين، ودخل معه في مباحثات للمقايضة على الأرض والعرض مقابل الأموال.

أما القيصر الألماني فقد استقبل أثناء زيارته للشرق تيودور هرتزل مؤسس الصهيونية العالمية ثلاث مرات، طمأنه فيها على مشروعه واطلعه على تفاصيل مباحثاته مع عبدالحميد، قائلا: "لقد أثارت فكرة الوطن القومي لليهود اهتمامي، لقد لامست تعاطفي معها، ووصلت إلى اقتناع بأننا هنا مع مسألة ذات أهمية كبيرة جدا".

التنازل عن السيادة 
تلاعبت حكومة الاتحاد والترقي الصهيونية بالسلطان محمد الخامس، وأجبرته على توقيع اتفاق سري مع ألمانيا في 2 أغسطس 1913، تنازل فيه عن السيادة العثمانية، حيث اشترطت ألمانيا إشراك ضباطها في قيادة الجيش التركي إذا أراد محمد الخامس الحصول على دعمها العسكري، ووافق السلطان الذليل، لتصبح القوات التركية تحت قيادة الجنرالات الألمان، وهو الأمر الذي جعل السلطنة رهينة للسياسة الألمانية تجاه القضية اليهودية، فأعطت إسطنبول لبرلين حق الرعاية على اليهود في جميع الأقاليم التابعة للدولة العثمانية، وتحول القيصر إلى حامٍ للمستوطنات في فلسطين، وهي الواقعة التي رواها رولف شتاينغر في كتابه "ألمانيا والشرق الأوسط".

58 ألف يهودي نصفهم من ألمانيا، والنصف الآخر من روسيا أقاموا في مستوطنات على الأراضي العربية، وعندما مُنع 200 مهاجر يهودي روسي من النزول إلى شواطئ يافا في أغسطس 1914، أصدر السفير الألماني في إسطنبول البارون هانس فون فانغينهايم - بدون الرجوع إلى السلطان- أمرًا إلى القنصل الألماني هناك هاينرش برودي بإتمام عملية النزول، وجاء التفسير من الخارجية الألمانية في برلين بتاريخ 30 أغسطس 1914: "يبدو لنا أن المعاملة اللطيفة لليهود الروس في السلطنة العثمانية، والتي تعود أسبابها إلى الانطباع عن اليهودية العالمية، تصب في المصلحة العثمانية".

 

الوعد الثاني
حاول الباب العالي من خلال المعاملة المتساهلة مع الصهيونية كسب تعاطف اليهودية العالمية، خاصة في أميركا، ليضمن التحالف معها، وهو ما جعله يبذل ما في وسعه لإثبات ذلك، فقدم الصدر الأعظم تقريرا مفصلا عن الجهود التركية للمشروع الصهيوني في نوفمبر من العام 1915، حيث طُلب من الإدارة العثمانية بفلسطين دعم وتشجيع الجهود التي تخدم التطور الاقتصادي والثقافي لليهود، وبشكل خاص الجهود الرامية إلى "تشجيع الهجرة والاستقرار لليهود الأجانب".

وعندما خشي زعماء الحركة الصهيونية على مصير أبناء جلدتهم في فلسطين بعد ظهور الملف الأرمني على الساحة مجددا، وقتل الملايين في المذابح العثمانية ضغطت الرأسمالية اليهودية بألمانيا على القيصر للتدخل واستجلاء الأمر، خشية ارتكاب السلطات العثمانية مجازر مماثلة في حق اليهود، تحت غطاء أجواء الحرب العالمية الأولى.

زار القيصر الألماني إسطنبول في 17 أكتوبر 1917، ودارت مباحثات عثمانية ألمانية مكثفة، وجاء الرد على لسان الصدر الأعظم طلعت باشا مُطمئنا للصهيونية العالمية: "لقد ألحقنا بالأرمن الويلات الكبيرة، أما بالنسبة إلى اليهود فإننا لن نؤذيهم"، وتمادى طلعت باشا في دعمه للصهيونية وقدم وعدا تاريخيا للجانب الألماني قائلا: "سأقوم ولأجل محبتي لكم ببناء وطن قومي لليهود"، كان هذا بمثابة وعد بفلور تركي سبق نظيره الإنجليزي.

 

يذكر ستانفورد شو في كتابه تاريخ الإمبراطورية العثمانية وتركيا الحديثة أن الدولة العثمانية قدمت خدمات مجانية لتكسب ود ألمانيا القيصرية خلال حربها ضد بريطانيا وفرنسا، على أمل أن تستقبل إسطنبول دعم برلين السياسي والمادي في الحرب، من خلال تحقيق رغبة الألمان في بناء دولة مستقلة لليهود في فلسطين، وبمجرد وصول نتائج المباحثات إلى إنجلترا، قرر رئيس الوزراء البريطاني اتخاذ خطوات سريعة وحاسمة على الساحة الدولية، بالحصول على اتفاق مع الجانب اليهودي بالانحياز للحلفاء في الحرب حتى النصر وسحق دول المحور، وبعد مرور 14 يومًا على التصريحات التي أصدرتها وزارة الخارجية العثمانية، أُعلن في 2 نوفمبر موافقة الحكومة البريطانية على دعم اليهود في تأسيس "وطنا قوميا في فلسطين".

 

تسليم القدس 
يقول المؤرخ جون جرينجر في دراسته عن حرب فلسطين، إن القوات العثمانية  خرجت من القدس في 9 ديسمبر العام 1917، ودخلتها القوات البريطانية في اليوم ذاته من دون أية مقاومة، وتم الإعلان عن تسليم مدينة القدس من قبل حاكمها العثماني عزت بك إلى القوات البريطانية في وثيقة قام بتسليمها لرئيس بلدية القدس في 11 ديسمبر 1917، الذي سلمها بدوره لمبعوث بريطانيا عند حدود المدينة، وهو يصطحب معه مجموعة من الأعيان يحملون العلم الأبيض.

وعد بلفور عثماني 
دخول القوات البريطانية للقدس وصدور وعد بلفور لم يرض القيصر الألماني لأن بقية أراضي فلسطين ظلت تحت السيادة التركية، فأراد القيصر إصدار "وعد بلفور عثماني"، وأجرى الصدر الأعظم طلعت باشا، عن طريق السفير بيرنشتورف مقابلة مع يوليوس بيكر مراسل جريدة "بوزيشن"، تحدث فيها عن "ارتياح الحكومة العثمانية من حيث المبدأ حيال عودة اليهود واستيطانهم في فلسطين، وضمان انتقال واستيطان اليهود ضمن الحدود التاريخية للدولة اليهودية، والحق في التطور الاقتصادي والنشاط الحر للثقافة اليهودية، وحق الإدارة المستقلة".

يذكر رولف شتاينغر في كتابه "ألمانيا والشرق الأوسط"، أن الخارجية الألمانية استقبلت وفدا ممثلا عن المنظمات الصهيونية برئاسة أوتو فاربورغ واوتو هانتكي في يناير 1918، وسلمتهم بيان الحكومة العثمانية من أجل نشره بالصحف الأوروبية جاء فيه: "نحن نرحب بالأقلية اليهودية العاملة على تطوير ثقافتها، وندعم أمنيتها في خدمة شخصيتها المستقلة في الدول التي يتمتع فيها اليهود بحياة مستقلة إلى حد كبير، ونبدي تفهمنا العميق لهم، واستعدادنا لدعمهم في مطلبهم هذا، وبخصوص الجهود المبذولة من اليهود ومن الصهيونية بشكل خاص في الاستيطان في فلسطين فإننا نؤكد على نية حكومة السلطنة العثمانية بالمعاملة الحسنة والدائمة للمستوطنات اليهودية الآخذة في الازدهار بفلسطين من خلال ضمان حرية الهجرة، والعمل ضمن حدود القدرة الاستيعابية للبلد، وكذلك الإدارة المستقلة ضمن القوانين السائدة والتطوير الحر لثقافتهم وشخصيتهم".

أما المجلس الوزاري العثماني فأكد في 6 سبتمبر 1918 على "وعد بلفور العثماني"، وأمر برفع الحواجز أمام هجرة اليهود وعملهم، وأوصى بمعاملتهم مثل الآخرين من دون تمييز، لكن هزيمة العثمانيين في الحرب العالمية الأولى بعدها بأشهر قليلة، وانهيار الدولة كلها في غضون عدة أعوام، جعل المهمة النهائية لتأسيس الكيان الصهيوني في فلسطين، تقع على عاتق قوات الاحتلال البريطاني، لكن التاريخ لم ينس يوما أن العثمانيين هم من وضعوا البذرة الأولى لمشروع الدولة الإسرائيلية على جثة الأرض العربية.

Qatalah