يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


كثيرا ما لجأ الرئيس التركي رجب إردوغان إلى حملات ترويج زائفة بين مواطنيه عن مشروعاته الكبرى، بهدف محو آثار الكارثة الاقتصادية التي أوقع فيها تركيا بعد تدهور سعر الليرة، مشروع مطار إسطنبول الجديد واحد من هذه المشروعات، الذي روجت له الحكومة التركية بأنه أكبر مطار في العالم، وأعلنت أن تكاليفه المبدئية تجاوزت 23 مليارا و399 مليون يورو، منها 10 مليارات و247 مليون يورو، تكلفة إنشاء دون تشغيل، وأصبح المشروع أمام أزمات متلاحقة تهدد بدخوله النفق المظلم أسوة بسابقيه، والتحول إلى وهم جديد من أوهام إردوغان التي باعها للأتراك.



حملة اعتقالات لإسكات ضحايا حوادث الموت
انضم مشروع مطار إسطنبول الجديد إلى سلسلة وعود إردوغان الكاذبة، بعدما تظاهر آلاف العاملين  أمام المطار  في 13 أغسطس 2018 اعتراضا على حالات الوفاة بسبب سوء التأمين رغبة فى الإسراع لافتتاحه الشهر الجاري، وهاجم العاملون الرئيس التركي بسبب سوء الظروف المعيشية وتدني الرواتب، وبدلا من أن يحل إردوغان أزمة العمال المحتجين أمر بالقبض على المتظاهرين، ولم تسمح سلطات الأمن التركية بدخول محامي العمال للدفاع عنهم.

وأكد المدير العام لاتحاد نقابات العمال التقدمي التركي أوزجور كارابولوت لوكالة رويترز  أن  الشرطة اعتقلت مئات المحتجين على ظروف العمل بمشروع بناء مطار إسطنبول الجديد، وقال إن الاحتجاج بدأ إثر حادث حافلة العاملين داخل الموقع الجمعة الماضي، والذي أسفر عن إصابة 17 عاملا،  مشيرا إلى أن" آلاف العمال شاركوا في المظاهرة التي فرقتها الشرطة ورجال الأمن الذين أطلقوا الغاز المسيل للدموع"، وأوضح كارابولوت " أن الشرطة التركية اقتحمت مخيم العمال وحطموا البوابات وألقوا القبض على حوالي 500 عامل من المحتجين"، مؤكدا أن "أغلب العاملين اضطروا للعمل تحت ضغط وتهديد".

وقال النائب المعارض عن حزب الشعوب الديموقراطي علي بيار،  لـ " رويترز" أثناء فض المظاهرة إن "الجزء المخصص لمبيت العمال يشبه معسكر اعتقال".

ولم تستطع الحكومة التركية إنكار حدوث حالات وفاة بين العمال، وقالت وزارة العمل في فبراير الماضي إن" 27 عاملا لقوا حتفهم داخل المطار منذ بدء المشروع في 2015 بسبب حوادث الموقع أو مشكلات صحية"، وسط تأكيدات من العمال والنقابات بأن حالات الوفيات تجاوزت المئات.

اعتقال العاملين دفع عددا من النشطاء لتنظيم مظاهرة ومسيرة داعمة للضحايا، لكن إردوغان أصدر تعليماته للمرة الثانية بفض تلك التظاهرة والقبض على المشاركين فيها ، فاعتقلت قوات الأمن 27 ناشطا من بينهم ثلاثة صبيان، وكان من بين المعتقلين مراسل وكالة الأنباء الفرنسية ( فرانس برس) أثناء تغطيته للمظاهرات.

أثارت طريقة تعامل إردوغان مع معارضي المشروع غضب النقابات العمالية التركية، حيث أكد الأمين العام لنقابة "ديف يابي-إيس" نهاد ديمير، على هامش تجمع في إسطنبول للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين أن "عمال المطار اعتقلوا لأنهم بكل بساطة دافعوا عن حقوقهم، هذا ليس اعتقالا، إنهم رهائن"، وأضاف: "إذا وقع عامل ومات، تطوق الشرطة المنطقة وتمنع أيا كان من الاقتراب".

وبالرغم من إعلان تركيا افتتاح المشروع في 29 أكتوبر، أكد ديمير  أنه من الصعب افتتاح المشروع في هذا الموعد، معلقا "إذا أصروا على افتتاحه في هذا الموعد سيكون أمرا محفوفا بالمخاطر".

انهيارات أرضية في المشروع الوهمي 
لم تنجح حملات الاعتقال لمعارضي المشروع الوهمي في فضح فشل الرئيس، وتداول نشطاء أتراك صورا  تكشف وجود انهيار أرضي ضخم قرب مدرج الطائرات، فضلا عن تآكل التربة، وأكد أحد العاملين لصحيفة “سول Sol” التركية، أن الصورة لحادث انهيار في التربة، وأن الشركة المنفذة تحاول التستر على الواقعه، وأوضح أن المنطقة نفسها شهدت قبل أيام أعمال ردم، وضغط مواد الردم باستخدام المعدات الثقيلة.

عاملون آخرون أكدوا لموقع “gokyuzuhaberci” وقوع الانهيار خلال أعمال مد طريق في منطقة محطة 1-9، الذي يستخدم بشكل مكثف من قبل العاملين.

اتهامات بالفساد المالي تضرب المشروع
تواصلت فضائح المشروع في اتجاه آخر، وكشف نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض أيقوت أردوغدو عن أن " مناقصات مطار إسطنبول الثالث شهدت وقائع فساد بمبالغ ضخمة"، وقال أردوغدو خلال مؤتمر صحافي له بمقر الحزب  إن " تكلفة الفساد في مناقصات المطار الثالث بلغت 32 مليار ليرة تركية، ما يعادل 5% من الموازنة العامة للبلاد"، مضيفا:  أنها واقعة الفساد الأكبر من حيث القيمة، بعد مناقصة تخصيص شركة تُرك تيلكوم للاتصالات، لافتا إلى  أن القيمة الأعلى في أعمال الإنشاءات تمثلت في أعمال الحفر والردم، وأن المناقصة كانت تتحدث عن رفع حرم المطار إلى 90 مترًا، وهو ما تم تخفيضه إلى 60 مترًا فقط، دون تعديل كراسة الشروط الخاصة بالمناقصة.

وتوعد أردوغدو ، بتقديم بلاغ ضد شركات المقاولات والموظفين الحكوميين ذوي الصلة، مشددا على  أن 5 شركات فازت بمناقصة المطار من خلال نظام بي أو تي ( تشييد – تشغيل – ملكية)، وأوضح  أن الجزء الأكبر من المناقصة يتعلق بأعمال الحفر والردم، وأن تلك الإجراءات قللت من التكلفة بنحو 2.5 مليار يورو، تم سدادها من جيوب المواطنين لصالح الشركات الخمس"، ومؤكدا نقص مستوى التقنيات ما يؤدي إلى تعرض أمن الطيران للخطر و زيادة تكلفة المشروع".

وكشف أردوغدو أن المطار مقام فوق مساحة من المناجم القديمة، وأن الأرض هشة وغير صالحة لمثل هذه الإنشاءات، فضلًا عن عدم ملائمة الظروف المناخية في المنطقة".

إردوغان يحلم بتخليد اسمه في المطار.. ويضحي بالغابات 
يحاول إردوغان أن يمحو التاريخ بهذا المشروع الوهمي ما أثار خلافات مع حزب الشعب الجمهوري، بعد إعلانه أن مطار أتاتورك الدولي سيتم تحويله إلى حديقة عامة عقب افتتاح المطار الثالث، حتى يزيل اسم مؤسس الجمهورية الأول من ذاكرة مشروعات تركيا.

ويطمح إردوغان في وضع اسمه على المشروع وأن يحل "مطار إردوغان" محل "مطار أتاتورك"، ولو بغلق أحد أكبر المطارات التركية، والذي أنشئ العام 1949، ودخل الخدمة في 1953، وكان يسمى مطار إسطنبول الدولي، وفي عام 1980 تمّ تغيير الاسم  إلى مطار أتاتورك الدولي.

من جهة أخرى، يؤكد عدد من علماء البيئة في تركيا تأثير المشروع الجديد على الثروات البيئية في المنطقة، حيث يقع  على حدود البحر الأسود وبحيرة تركوس بالقرب من عدة قرى ما يهدد بتدمير المناطق والأحواض المغطاة بالغابات في شمال المدينة، و يؤثر سلباً على نوعية الهواء وظروف معيشة الناس، فضلا عن التسبب في قطع ما يقرب من 2.5 مليون شجرة مع الانتهاء من مشروع المطار، وستطلق المياه من عشرات القنوات من الأحواض الكبيرة والصغيرة في البحر الأسود، ما يسبب كارثة بيئية في منطقة تراقيا، بالإضافة إلى  تجفيف 70  قطعة من الأراضي الرطبة التي تغذي حوض بحيرة تركوس، وهو موقع حيوي لتلبية احتياجات إسطنبول من المياه.

وقالت مجموعة مراقبة الطيور في إسطنبول  إن المطار يقع على طريق حيوي لهجرة الطيور، وبالتحديد في المنطقة المحيطة ببحيرة تركوس، وهي مكان ترتاده الطيور المهاجرة، مشيرة إلى أن مئات الآلاف من الطيور تهاجر عبر المنطقة في الربيع والخريف، وسط احتمالات اصطدام الطيور بمحركات الطائرات.

وقال ظافر غوني من اتحاد غرف المهندسين التركي لصحيفة أحوا: عندما يتم إنشاء أي مطار، يتم أخذ أحواض المياه وطرق الهجرة والنقل وتقارير تقييم التأثير البيئي في الحسبان والنظر فيما إذا كانت الظروف مناسبة، لكن في مشروع المطار الجديد لم يهتم أحد بذلك لذلك فالعاملون فيه يعبرون عن قلقهم من هذا الأمر.

مختتما: " من المستحيل حل أزمة اقتصادية أو خلق فرص عمل عن طريق استنزاف موارد الأرض والمياه والهواء والغابات. مشروع مطار إسطنبول الجديد يهدد صحة الناس".

Qatalah