يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


يتماثل خطاب العثمانيين الجدد مع الأدبيات السلفية المعاصرة في التأريخ للسلطنة العثمانية باعتبارها "الخلافة الإسلامية الشرعية الأخيرة"، والتي يستلزم الاحتفاء بها وتمجيدها إلى حد التقديس، بل والعمل على إحيائها إن توفرت السبل، تلك الطروحات المزعومة لم ولن تثبت أمام البحث التاريخي الجاد، والذي ينتهي إلى ما هو أبعد من نزع صفة "الخلافة" عن الدولة العثمانية، كدولة تقوم على مخالفة الشريعة وممارسة القهر على الشعوب المحتلة، بإثبات أنها هي نفسها التي ألغت الشكل السني التقليدي لتلك الخلافة، وغيبتها بعد تسعة قرون كاملة من الوجود، وتاجرت بها لتحقيق مكاسب سياسية على حساب شعوب الشرق المسلم التي خضعت لنير الاحتلال التركي الغاشم لقرون.

فتاريخ العثمانيين مع الخلافة الإسلامية هو في الحقيقة محاولة واضحة النية لتغييب المؤسسة الجامعة للشعوب الإسلامية إلى الأبد، فسلاطين الأتراك اعتمدوا على القوة والعسف والظلم كأركان ثلاثة لدعم سلطتهم الممتدة على الشعوب الإسلامية، فغيبوا الشريعة وأنكروا قواعد الشرع الحنيف، وأهانوا العرب الذين تحولوا إلى رعايا من الدرجة الثالثة، فلما كانت الخلافة وليدة المنظومة العربية، لأن "الأئمة من قريش" بنص الحديث النبوي الصحيح، قرر الأتراك العثمانيون أن يدهسوا هذه المؤسسة تحت سنابك شبقهم للسلطة المطلقة.

تلاعب العثمانيون الجدد ومن جرى على نهجهم من الإسلاميين من أجل إثبات الخلافة على بني عثمان، لكن الثابت من كتب التاريخ والشريعة الإسلامية أن الخلافة لم تصح في يوم من أيام لهم، فشروط الخلافة التي اتفق عليها فقهاء الإسلام على مدار عقود طويلة، اتفقت على أن شرط الانتماء إلى قريش أحد أهم شروط الخلافة، وهو شرط لا يتوافر في العثمانيين الذين ينتمون إلى قبائل تركية رعوية مجهولة الأصل.

الماوردي أقضى القضاة أهم منظري السياسة الشرعية في تاريخ المسلمين، جمع في كتابه "الأحكام السلطانية والولايات الدينية"  شروط الخلافة، والتي حددها في سبعة غياب أي منها ينزع عن صاحبها حق الولاية، إذ اشترط العدالة والعلم وسلامة الحواس والأعضاء وحُسن الرأي والشجاعة والنسب القرشي، استنادا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المثبت في كتب الحديث الصحيحة، ونصه "الأئمة من قريش".

حاول أنصار العثمانية الجديدة الالتفاف على الحديث النبوي لخدمة أغراض سياسية تخدم أجندة إردوغان الطامح للعب أدوار سياسية في المنطقة العربية بتحالفه مع جماعة الإخوان المؤمنة بدورها بأمجاد الخلافة الوهمية، وزعموا أن الخلافة تصح لكل مسلم طالما استطاع القيام بأداء واجبات الإمامة العظمى عند المسلمين، لكن فات عليهم أن سلطنة العثمانيين كانت سلطنة غلبة وقهر للعباد واستنزاف لثروات الشعوب المحتلة، فضاعت بقية شروط الخلافة عن العثمانيين، فبكل الوجوه الشرعية، لا خلافة للعثمانيين الذين كانوا مثالا للحكم العسكري القائم على البطش وقمع الرعية.

أمر آخر فات على مروجي خلافة العثمانيين، الحديث النبوي الشريف المثبت في جميع كتب الحديث المعتبرة عند عموم المسلمين، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم مُلك بعد ذلك"، وقوله: "سترون بعدي ملكا عضوضا"، والملك العضوض بإجماع الفقهاء هو الاستبداد بالمال وحكم السلطان بما فيه مصلحته ومصلحة حاشيته على حساب جموع المسلمين، وإجبار الرعية على الخضوع لحكم السيف والقهر، والبعد عن الحكم القرآني والنهج النبوي، ولا يجادل أحد في أن العثمانيين كانوا أبعد ما يكونون عن الحكم بشريعة الله، وفي قصورهم الخمور والجواري والغلمان، فالعثمانيون ادعوا كذبا ما لا يجوز دينيا بخلافة المسلمين وإمامة المؤمنين.

الغريب أن المدافعين عن "خلافة العثمانيين" لا يقرأون تاريخ هؤلاء، الذين لم يدعوا في وثائقهم الرسمية الخلافة أبدًا طوال القرنين السادس عشر والسابع عشر، بل إن الدستور العثماني الصادر في العام 1876، ينسف فكرة الخلافة العثمانية من أساسها، إذ نص صراحة على عصمة السلطان وعدم خضوعه للمحاسبة، وهو التشريع الذي يتنافى مع شرط العدالة؛ وهو أحد شروط الخلافة المعتبرة منذ طلب الخليفة الراشد الأول أبو بكر الصديق من المسلمين أن يعزلوه إذا أخطأ، وفعل الخليفة الثاني عمر بن الخطاب الذي كان المسلمون يراجعونه وهو على المنبر، وهو الوضع الذي لم يقبل به سلاطين العثمانيين أبدا، وأقروه في دستورهم الذي يجعل السلطان فوق أية مساءلة أو محاكمة.

سليم وتغييب الخلافة
وإذا ابتعدنا عن كتب الشريعة والحديث التي يدعي تقديسها أنصار تيار العثمانيين الجدد، ولكنهم لا يجدون غضاضة في إنكار الأحاديث النبوية لو تعارضت مع ترويجهم لأكذوبة الخلافة العثمانية، سنجد وقائع التاريخ كاشفة ولكذبهم فاضحة ولدعواهم مفندة، فالسلطان سليم الأول حول العمليات العسكرية لدولته عن أوروبا إلى المشرق الإسلامي، مشرعنا قتال إخوانه في الدين بفتوى تبيح له محاربة المماليك حكام مصر والشام، وغزو أراضيهم وإباحة دمائهم، وفي ساحة الحرب استخدم سليم كل الطرق الملتوية التي مكنته من إلحاق الهزيمة بالمماليك مرتين متتاليتين، الأولى في مرج دابق بشمال الشام العام 1516م، والثانية في الريدانية شمالي القاهرة بمصر العام التالي. 

وفي القاهرة، جرى أول احتكاك تاريخي لآل عثمان بمسألة "الخلافة الإسلامية"، حيث كانت العاصمة المملوكية مستقرا لآخر الخلفاء العباسيين، المتوكل على الله، والذي كان يحظى بإجماع إسلامي يمتد من المغرب إلى الهند شرقا، وبينما توقع المسلمون من سليم الأول الإبقاء على الخلافة العباسية بمدلولاتها الروحية صدمهم هو بإلغائها، والقبض على المتوكل ونفيه إلى إسطنبول كما يقرر ابن إياس في كتابه "بدائع الزهور" ، في جريمة ضد وحدة المسلمين لم تنس أبدًا.

ورغم هذه الجريمة النكراء إلا أن سليم الصارم لم يتلقب رسميا بلقب خليفة المسلمين، لأنه كان يدرك أن شروطها لا تنطبق عليه، خصوصا شرط النسب القرشي، فلم يتمكن سليم الأول من تجاوزها أبدًا أو القفز عليها، لذا اعترف في خطاب مرسل إلى سلطان مصر المملوكي طومان باي، يعترف فيه بأنه تلقى عهد حكمه من الخليفة العباسي، بحسب ما نقل المؤرخ ابن إياس في كتابه "بدائع الزهور في وقائع الدهور"، وهو المؤرخ المعاصر للأحداث، فسليم ذاته كان يعتبر نفسه سلطانا لا خليفة.

وعلى الرغم من فشله فإن سليم أبى إعادة المنصب إلى العباسيين من جديد، وكتب بإصراره الطفولي الفصل الختامي لمؤسسة الخلافة التي عاش المسلمون في ظلالها قرابة التسعمائة عام، ناقلا سلطاتها الدينية كما أشار سيار الجميل، وفي نكاية واضحة، إلى شيخ الإسلام في إسطنبول والذي مثل الجهاز الأيديولوجي الجبار لسلطنة البطش العثماني، يُلبس فساد أسياده لباس الشرع، ويحلل للسلاطين ما حرمه على الناس حتى تساوى معهم في السوءة، وشاركهم الجرم.

وإذا انتقلنا لوثائق وكتب مؤرخي العصر العثماني نجد أن لا أحد منهم يستخدم لقب الخليفة على الإطلاق، وأن أول استخدام للقب الخليفة في الوثائق العثمانية يعود إلى نهاية القرن الثامن عشر، في عهد السلطان عبد الحميد الأول (حكم بين عامي 1774 و1789م)، الذي تعرض لسلسلة مهينة من الهزائم أمام قيصرة روسيا كاترين الثانية، التي استولت على مملكة تتار القرم، وأعلنت أنها وريثة الكرسي البطريركي للروم الأرثوذكس ومن حقها كسليلة لأباطرة بيزنطة أن تفرض حمايتها على جميع المسيحيين في منطقة البلقان الخاضعة للحكم العثماني، وهو ما تقرر في معاهدة كيتشوك كاينارجي.

أمام هذا الذل المصفى اخترع السلطان عبد الحميد الأول فكرة خلافته الوهمية، ليجد ذريعة ليتحدث باسم تتار القرم المسلمين، ويدافع عن نفوذه المتهاوي أمام جيوش القيصرة المتقدمة، لكن مسعاه فشل ولم يتم الاعتراف بخلافته من قبل موسكو التي أجبرته على الخضوع وإقرار هزيمته التاريخية أمام الروس، لذا لم يهتم أي من السلاطين الذين جاءوا بعده بإحياء اللقب إلا في ظروف مشابهة.

سلطان كافر
جرت مياه كثيرة بعد ذلك، وتبدلت فيها أوضاع الدولة العثمانية بعنف، إذ تخلفت الأخيرة حضاريًا عن أوروبا، وتوالت على رأس سلاطينها الهزائم العسكرية الفادحة، واستقل حكام الأقاليم بولاياتهم بعيدا عن الاستبداد العثماني، وثارت القوميات بحثا عن الحرية من النير التركي، حتى غدت الألقاب الفخمة التي تسبق اسم السلطان مثل: الغازي والخاقان والباب العالي والسيد الكبير والباديشاه، مدعاة للسخرية والتهكم بعد الخوف والرهبة. 

أمام ذلك التأخر الواضح، والانهيار الوشيك والمتوقع للإمبراطورية، طرح العثمانيون شرعية حكمهم لإعادة النظر، وبعد أن انثنى السيف، أصبح الدين ملاذ إسطنبول الأخير للنجاة من السقوط، ففي العام 1808م، تربع على العرش السلطان محمود الثاني، واقترح عليه الصدر الأعظم، مصطفى باشا العلمدار، _ كما ذكر سيار الجميل _ إحياء منصب الخلافة شكليًا سعيًا لإنشاء أرضية دينية لحكمه تفرض له السمع والطاعة على المسلمين في دولته، وتسوغ له إعلان الجهاد الإسلامي على الثائرين عليه، حتى وإن كان الثائر مطالبا بحق، أو مناديا برفع ظلم.

وفي يوم بيعة محمود الثاني سلطانًا و"خليفة"، قام الصدر الأعظم بتحليف السلطان أمام رجال الدولة على أن يحكم بالعدل وفقا لشريعة الإسلام، وألا يصادر أملاك الناس أو يقتلهم إلا إذا سمحت أحكام الدين بذلك، أقسم محمود الثاني وحلف، ولم يدرك أنه اعترف بذلك على أسلافه بإقصاء الشريعة وتنحية الإسلام طيلة قرون مضت، حكموا فيها بهواهم لا بهوى الدين، واستبدلوا الطريق المستقيم بالسبل المعوجة، والإصلاح بالفساد، والأهم أنهم لم يكونوا من الخلفاء أبدًا.

وفي السنوات التالية لفشله، تخلى محمود الثاني عن الخلافة، ونكص على عقبيه إلى الأفكار الأوروبية ذات المنزع العلماني لتحديث دولته، وأمام ذلك التحول المتطرف شعر المسلمون بالازدراء تجاه سلطانهم الحائر بغير تدبر بين الإسلام والعلمانية، حتى استحال وضعه في أنظارهم من "خليفة مسلم" إلى "سلطان كافر".

خلافة بنكهة ألمانية
الربع الأخير من القرن التاسع عشر شهد محاولة عثمانية أخيرة لادعاء الخلافة الإسلامية، وصاحبها هو السلطان عبد الحميد الثاني الذي حكم لفترة طويلة امتدت ثلاثة عقود تقريبا بين عامي 1876 و 1908م، ويحتل موقعا مركزيا في الأدبيات العثمانية الحديثة، التي ترسم حوله هالة رومانسية لا يستحقها بسبب حكم التاريخ عليه كسلطان فاشل. 

عبد الحميد أعاد تجربة محمود الثاني وقد لجأ إليها في ظل ظروف أقسى حتى من سابقه، إذ تربع على العرش والقوات العثمانية تتعرض لهزائم مذلة أمام روسيا القيصرية على طول جبهة البلقان، وقوى الغرب الأوروبي _ خاصة فرنسا وإنجلترا _  كانت قد قلبت سياستها الناعمة تجاه الدولة العثمانية إلى تدخلات خشنة وسافرة وصريحة، وتنافست فيما بينها على اقتسام الأملاك العثمانية في الشرق واحتلالها عسكريا، إضافة إلى ذلك، واجه عبدالحميد الثاني في إسطنبول نفسها معارضة قوية من النخبة التركية، والتي طالبته بإصلاح الدولة من خلال التنظيمين الدستوري والنيابي.

بدت الأفكار الإسلامية أمام السلطان ملونة وخصبة وذات أثر فاعل في مواجهة تلك التحديات، والأهم وسيلة مضمونة لحشد الجماهير للتغطية على فشل سياساته، رأى فيها إمكانية مقاومة النزعات الإصلاحية القومية للأتراك في إسطنبول، أو في حشد المسلمين بالأقطار العربية لمقاومة القوات الفرنسية والإنجليزية المحتلة لبلادهم، وكذا استخدامهم في تثبيت عرشه المتهاوي شاغله الشاغل.

وعلى العكس من نبوع فكرة إحياء الخلافة في عهد محمود الثاني من داخل النخب العثمانية نفسها، فإن ذات الفكرة تولدت وانبثقت في عصر عبد الحميد الثاني من معين أجنبي وغير مسلم من الأساس، لقد دخل السلطان في تحالف وثيق العرى مع قيصر ألمانيا غليوم الثاني أوضحه رولف شتاينغر في كتابه "ألمانيا والشرق الأوسط"، واختلفت أغراضهما من ذلك التحالف، فالسلطان يرغب في مساعدات عسكرية ألمانية تعينه على استعادة سيطرته على ممتلكاته في الشرق، والقيصر ينشد استخدام المطية العثمانية لتأسيس إمبراطورية في الشرق المسلم، أي أن عبد الحميد أراد استبدال سيد محتل بآخر. 

ترتب على التحالف العثماني-الألماني اقتحام مجموعة كبيرة من الخبراء العسكريين والديبلوماسيين الألمان لأقاليم الدولة العثمانية، وأبرز هؤلاء جميعا كان الجاسوس الألماني اليهودي، ماكس فون أوبنهايم، الذي عين ملحقًا ديبلوماسيًا في القاهرة، وطاف مدن سورية والعراق في زي عربي، وجمع معلومات بالغة الأهمية عن المجموعات البدوية الساكنة شمال الصحراء العربية، ثم وضع خطة لطرد الإنجليز من الشرق عن طريق استخدام تلك المجموعات.

إلى جانب التخطيط الاستراتيجي، رأى أوبنهايم أن في التراث الإسلامي ما يمكنه من تحقيق طموحاته والقيصر لإنهاء الوجود الفرنسي والإنجليزي في المشرق، ففي العام 1895م، سافر الجاسوس الألماني إلى إسطنبول والتقى السلطان عبد الحميد الثاني بشكل شخصي، وفي اللقاء، دعا أوبنهايم السلطان إلى تعميق فكرة الوحدة الإسلامية والتسمي بالخلافة، والنداء بذلك في سائر أرجاء الدولة، بل وتحول أوبنهايم (اليهودي) نفسه إلى أهم أنصار "الخليفة" عبد الحميد.

 

استغل عبد الحميد الثاني الإسلام كوسيلة لينقذ عرشه، وأراد القيصر استغلال نفس الدين ليلحق بركب الاستعمار الذي سبقته فيه فرنسا وإنجلترا، وفي الأخير لم ينل أي منهما ما أراد، فالسلطان أرسل الخطابات إلى الزعماء الروحيين في العالم الإسلامي ووصف نفسه فيها بالخليفة والإمام فلم يهتم أحد بالرد عليه، ثم انخلع من العرش في 1909 بعد انقلاب جمعية "الاتحاد والترقي". 

وألمانيا بدورها خسرت بخسارة السلطان، لكنها أعادت الكرة وتحالفت مع الحزب الحاكم الجديد في إسطنبول، واستخدما سويا نفس الأيديولوجيا الإسلامية ونداءات الجهاد أثناء الحرب العالمية الأولى، رغم اشتهار أعضاء "الاتحاد والترقي" بالإلحاد والانغماس في الماسونية، وانتهى التحالف الجديد إلى كارثة ألمت بكل أطرافه، فألمانيا انسحقت في أوروبا وذلت أمام قوات الحلفاء، والدولة العثمانية فقدت كل أملاكها خارج الأناضول، ثم انهارت هي نفسها وسقطت إلى الأبد، مخلفة شبحا هزيلا يعيش على أحلام ماض لن يعود، يعرف باسم تركيا.

Qatalah