يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


عرفوا الإسلام متأخرين، فلم يلمسوا منه روحا ولا حياة، ولم يحفظوه آيات تقدس البشر والسلام، لم يغرهم فيه إلا أنه سلطة تحكم العالم من بغداد ودمشق والقاهرة إلى مدريد وسواحل المحيط الأطلسي. 
وعندما حكمت الأقدار بسقوط خلفاء الدولة العباسية، وانهيار دولة المماليك القوية، وجد شيوخ قبائل الرعاة، الذين تدفقوا على مقربة من حدود دولة الإسلام العربية مترامية الأطراف، الفرصة سانحة لابتلاع ميراث تلك الدولة، والانقضاض على شعوبها واحتلالهم وابتزاز ثرواتهم، لكنها كانت خطة محفوفة بالمخاطر، بسبب الشراكة في الدين، فكان ولابد من التنقيب عن ذريعة، وجدها شياطينهم في ادعاء الحق في وراثة "الخلافة".
لم تكن الخلافة الإسلامية ذات أهمية تذكر لدى حكام آل عثمان، الذين عشقوا الملك والسلطنة، وأحبوا لقب السلطان أكثر مما سواه، لكنها الحيلة التي روجها جواسيسهم وعملاؤهم في الشرق، تمهيدا لاجتياحه بجيوش لا تعرف الرحمة، خربت أكثر مما داست، في بيوت الأمة المسلمة. 
لذا لم يظهر لقب "الخليفة" في وثائق الدولة العثمانية منذ عصر سليم الأول أوائل القرن السادس عشر حتى عام 1774، عندما وافق السلطان عبدالحميد الأول على إملاءات الروس ووقع معاهدة كوتشوك قاينارجه مع إمبراطورة روسيا القيصرية كاثرين العظمى، والتي تضمنت العديد من التنازلات بعد سلسلة من الهزائم في البحر والبر، حيث استسمح الإمبراطورة في استمرار تبعية مسلمي القرم روحيا لـ  "الخليفة والسلطان العثماني".
وهكذا كانت سيرة السلاطين، الذين لم يشموا من الخلافة الزائلة سوى محاولات يائسة لسرقة اللقب طوال  خمسة قرون، باءت كلها بالفشل، ودعم فشلها بعد السلاطين أنفسهم عن الإسلام، فها هو محمود الثاني يبدي رغبته لقناصل أوروبا في تحديث دولته وفقا للنمط الغربي ونبذ الشريعة والمحاكم الإسلامية، فيما كانت نداءات إحياء الخلافة في عصر عبد الحميد الثاني تأتي من الجانب الأجنبي غير المسلم أصلا، لخدمة أجندة العملاق الصاعد في السياسة العالمية وقتها: ألمانيا الرايخ الثاني، التي بدأت في البحث عن مدخل لاستعمار الشرق بعدما دخلت السباق متأخرة إلى جانب بريطانيا وفرنسا، فلم تجد مطية أفضل من خلفاء إسطنبول المزيفين لتحقيق أطماعها، بإحياء "دعوى الخلافة" مجددا.
وقد تصدى لهذا الوهم كتاب ومفكرون وفقهاء عرب، كانوا صخرة تحطمت عليها دعوات ستر عورات الاحتلال العثماني بغطاء الخلافة الإسلامية، الأمر الذي أصاب محاولات إسطنبول بالفشل الذريع، ومضى الفقهاء العرب في تأكيد أن الخلافة لم تصح في يوم من أيام لآل عثمان، فشروط الخلافة النبوية الثابتة على رأسها الانتماء إلى قريش، ما لا يتوافر في العثمانيين الذين ينتمون إلى قبائل تركية رعوية مجهولة الأصل، بينما انتشرت آراء المفكرين العرب في العالم الإسلامي كالنار في الهشيم، لتسقط محاولات عبد الحميد ادعاء الخلافة، وتكللت الجهود بثورة كبرى أشعلها العرب بدايات القرن الماضي لانتزاع الحرية من المحتل التركي، وإسقاط وهم الخلافة للأبد.
واليوم، يتلاعب العثمانيون الجدد وعملاؤهم في العواصم العربية من أجل اختطاف "الخلافة" مجددا في أنقرة، حيث يجلس طاغية انتهازي صرح علنا بأنه لن يتخلى عن العلمانية وأنه خلع رداء المبادئ "الراديكالية" أمام شعبه، لتمهد له أوهام عودة "العثمانية" و"السلطنة" معا، على جثث العرب والمسلمين في العراق وسورية ومصر واليمن، ولو بتكرار اللعبة القديمة المتجددة.. لعبة الخلافة المخطوفة.
 
 
"الخلافة العثمانية"..خرافة شرعية وخديعة سياسية
يتماثل خطاب العثمانيين الجدد مع الأدبيات السلفية المعاصرة في التأريخ للسلطنة العثمانية باعتبارها "الخلافة الإسلامية الشرعية الأخيرة"، والتي يستلزم الاحتفاء بها وتمجيدها إلى حد التقديس، بل والعمل على إحيائها إن توفرت السبل، تلك الطروحات المزعومة لم ولن تثبت أمام البحث التاريخي الجاد، والذي ينتهي إلى ما هو أبعد من نزع صفة "الخلافة" عن الدولة العثمانية، كدولة تقوم على مخالفة الشريعة وممارسة القهر على الشعوب المحتلة، بإثبات أنها هي نفسها التي ألغت الشكل السني التقليدي لتلك الخلافة، وغيبتها بعد تسعة قرون كاملة من الوجود، وتاجرت بها لتحقيق مكاسب سياسية على حساب شعوب الشرق المسلم التي خضعت لنير الاحتلال التركي الغاشم لقرون.
فتاريخ العثمانيين مع الخلافة الإسلامية هو في الحقيقة محاولة واضحة النية لتغييب المؤسسة الجامعة للشعوب الإسلامية إلى الأبد، فسلاطين الأتراك اعتمدوا على القوة والعسف والظلم كأركان ثلاثة لدعم سلطتهم الممتدة على الشعوب الإسلامية، فغيبوا الشريعة وأنكروا قواعد الشرع الحنيف، وأهانوا العرب الذين تحولوا إلى رعايا من الدرجة الثالثة، فلما كانت الخلافة وليدة المنظومة العربية، لأن "الأئمة من قريش" بنص الحديث النبوي الصحيح، قرر الأتراك العثمانيون أن يدهسوا هذه المؤسسة تحت سنابك شبقهم للسلطة المطلقة
للمزيد  
 
 
 
سليم الأول يرسب في "امتحان الخلافة"
على وجه الذئب تجري دموع التماسيح، يتباكى رجب إردوغان على انهيار دولة الخلافة التي قضى عليها أجداده، سحقتها خيول سليم الأول في مصر، بعد أن قبض السلطان الهمجي على المتوكل - آخر خلفاء الدولة العباسية- وأرسله أسيرا إلى إسطنبول، ظنا أن باستطاعته ملء المكان الشاغر، لكن الشروط السبعة التي يجب أن تتوافر في الخليفة لم يكن سليم يمتلك منها سوى شرطين فقط، فيما رفضت الدماء القرشية الاعتراف به.
قاد سليم الأول انقلابا في سياسة الدولة العثمانية مع بدايات القرن السادس عشر، تمثل في تحويل العمليات العسكرية من الجبهة الأوروبية إلى المشرق الإسلامي، أشهر السلطان سيفه في وجه إخوانه المسلمين مصر والشام، بعد أن انتزع من شيوخه فتوى تبيح له قتال المماليك وغزو أراضيهم وإهدار دمائهم
للمزيد
 
 
كوتشوك قاينارجه.. عندما ركع "الخليفة الوهمي" أمام كاثرين العظمى
لم يظهر لقب "الخليفة" في وثائق الدولة العثمانية منذ عصر سليم الأول في أوائل القرن السادس عشر وحتى عام 1774، عندما وافق السلطان عبدالحميد الأول على إملاءات الروس ووقع معاهدة كوتشوك قاينارجه مع إمبراطورة روسيا القيصرية كاثرين العظمى.
تضمنت المعاهدة العديد من التنازلات العثمانية، بعد سلسلة من الهزائم العسكرية التي منيت بها قواتهم في البحر والبر، وحاول عبدالحميد الأول حفظ ماء وجهه، واستسمح الإمبراطورة أن تتضمن المعاهدة استمرار تبعية مسلمي القرم روحيا لـ "الخليفة والسلطان العثماني".
لم تقبل الرعية المسلمة في إسطنبول وجميع الولايات العثمانية منح سلطان الهزيمة لقب الخليفة، وفي الولايات العربية كانت مطالب الاستقلال والتحرر من النير التركي على أشدها، ولم يلتفت أحد إلى الخليفة النكرة الذي وافق على دفع الجزية إلى الروس صاغرا
للمزيد
 
 
محمود الثاني.. "الخليفة أبو برنيطة" يحكم من قلاع أوروبا المسيحية
التغييب العثماني المتعمد لمؤسسة الخلافة الإسلامية استمر لثلاثة قرون كاملة، جرت خلالها مياه كثيرة، وتبدلت فيها أوضاع الدولة العثمانية بعنف، حيث تخلفت حضاريا عن أوروبا، وتوالت عليها الهزائم العسكرية الفادحة، واستقل الباشوات بولاياتهم بعيدا عن الاستبداد العثماني، وثارت القوميات بحثا عن الحرية من النير التركي، حتى غدت الألقاب الفخمة التي تسبق اسم السلطان مثل الغازي والخاقان والباب العالي مدعاة للسخرية والتهكم، فيما هرول السلطان محمود الثاني إلى دول أوروبا لحماية دولته المنهارة.
أمام ذلك التأخر الواضح، والانهيار الذي لاح في الأفق للدولة، طرح العثمانيون شرعية حكمهم لإعادة النظر، فالسيف انثنى، وأصبح الدين ملاذ إسطنبول الأخير للنجاة من السقوط، فيما تربع السلطان محمود الثاني على العرش عام 1808 عشية هزائم مذلة أمام روسيا القيصرية، فاقترح الصدر الأعظم مصطفى باشا العلمدار على السلطان الجديد إحياء منصب الخلافة سعيا لإنشاء أرضية دينية لحكمه تضمن له السمع والطاعة من المسلمين، وتسوغ له إعلان الجهاد الإسلامي ضد خصومها
للمزيد
 
 
عبد الحميد الثاني.. خلافة عثمانلية على الطريقة الألمانية
الربع الأخير من القرن التاسع عشر شهد محاولة عثمانية أخيرة للاستيلاء على لقب الخلافة الإسلامية، الذي طاردوه كثيرا منذ سقوط الدولة العباسية دون جدوى أو اعتراف بشرعية هذه الخلافة المزعومة. 
بطل المحاولة الأخيرة هو السلطان عبد الحميد الثاني الذي حكم لثلاثة عقود تقريبا، بين عامي 1876و 1908، الذي احتل موقعا مركزيا لدى الجماعات السلفية، التي تعلقت بشماعة الخلافة من بعد سقوط دولة إسطنبول، وعاد ليظهر في كتابات العثمانيين الجدد، بعدما تم نسج هالة زائفة حوله باعتباره الخليفة الأخير، فيما لم يكن إلا ألعوبة في يد الألمان وقادة الحركة الصهيونية الذين استخدموه كأداة لتنفيذ أجندات غزو الشرق العربي
للمزيد
 
 
الخلافة العثمانية.. خرافة تحطمت على صخرة الشيوخ العرب
مع دخول الدولة العثمانية النزع الأخير في نهاية القرن التاسع عشر، حاولت دعاية إسطنبول الترويج لأفكار الخلافة العثمانية من أجل حشد المسلمين والدفع بهم إلى ساحات المعارك للدفاع عن ملك العثمانيين المنهار، وهي الخطوة التي روج لها السلطان عبد الحميد، لكن محاولته تحطمت على صخرة مجموعة من المفكرين العرب الذين رفضوا استمرار الطغيان التركي بما يمثله من أداة لقمع شعوبهم على مدار قرون، وألفوا الكتب التي فندت وفضحت المزاعم العثمانلية، فأفشلوا المخطط التركي ومنحوا العرب قبلة الحياة لنيل استقلالهم.
شكلت الكتابات العربية صخرة تحطمت عليها دعوات ستر عورات الاحتلال العثماني بغطاء الخلافة الإسلامية، الأمر الذي أصاب محاولات إسطنبول بالفشل الذريع، فعلى الصعيد الفكري انتشرت آراء المفكرين العرب في العالم الإسلامي انتشار النار في الهشيم، لتسقط محاولات السلطان عبد الحميد في ادعاء الخلافة، وعلى الصعيد السياسي تكللت جهود شعوب المنطقة في صورة الاحتفاء بالثورة العربية الكبرى التي قادها الشريف حسين حاكم مكة الذي أصبح بطل العرب للحصول على الحرية من المحتل التركي
للمزيد 
 
 
العثمانيون الجدد يواصلون النفخ.. رجب في بالون الخلافة
اختفت صرخات ضحايا المذابح التي نفذها العثمانيون بدم بارد في الدول التي احتلوها، تحولت على يد كتيبة حزب "العدالة والتنمية" الحكام في أنقرة إلى مسلسلات رومانسية يدافع فيها السلطان عن الشعوب الإسلامية بوصفه "السلطان العثماني" لا رئيس الدولة، كما يروج العثمانيون الجدد عبرها لوهم عودة "الخلافة"، التي تكاد تتحول إلى بالون كبير يتم نفخه ليل نهار، لينفجر في النهاية في وجوههم، ووجه "الخليفة المنتظر" رجب إردوغان، الحالم بالجلوس على العرش واختطاف "شرعية زائفة" لنهب ثروات الشرق العربي وإعادة السيطرة على المنطقة من جديد.
يروق لإردوغان وصف "خليفة المسلمين" الذي يطلقه عليه كاهن جماعة الإخوان المسلمين يوسف القرضاوي، فالرئيس التركي يحلم بالمنصب الروحي الذي سعى إليه من قبل سلاطين الدولة العثمانية فيما لم يتمكن أحدهم من الحصول عليه، ويتوهم من داخل قصره الأبيض أنه يقف على رأس إمبراطورية مترامية الأطراف تضم دول الشرق الأوسط، في حين كشف عن أطماعه في التوسع جنوبا على حساب سورية والعراق، وغربا بالتهام أجزاء من قبرص واليونان
للمزيد
 

Qatalah