يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


ينام رجب إردوغان ويصحو، في مخيلته وهم ضم تركيا إلى النادي النووي، في خطوة مركزية في استراتيجية العثمانيين الجدد لاستعادة أحلام التوسع ونهب خيرات الشعوب الأخرى، فيما لا يدرك وارث همجية سكان الأناضول أنه لا يمكن لمنظومة عمل فاسدة أن تخرج بمشروع ضخم للنور، ما تؤكده الوقائع الأخيرة حول مشروع مفاعل أكويو المتعلقة بفضائح من العيار الثقيل.
طموح إردوغان باقتناء سلاح نووي تحركه دوافع عديدة، منها توهمه أنه يزيد من شعبيته في الدول الإسلامية ويصوره على أنه "الخليفة المنتظر" الذي سيحمي أمته من الأعداء بالقنابل الذرية، كما يعتقد أنه يمنحه لقب "المتحدي والمقاوم للغرب"، إذ ترفض أوروبا وأمريكا دخول دول جديدة النادي النووي غير التسع الحائزة  للسلاح بالفعل (الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين وإسرائيل وكوريا الشمالية والهند وباكستان).
إردوغان يريد تعزيز قدرات نظامه العسكرية، خاصة أن تحالف أنقرة مع واشنطن وعضويتها في حلف شمال الأطلسي (الناتو) غير مضمون الاستمرار  ومعرض للانهيار في أي وقت، ما يتبع ذلك من غياب الحماية العسكرية والأمنية.

أوهام العثمانلي
مع صعود إردوغان إلى الحكم في 2002 حمل أحلاما شخصية وطموحات حزبه العدالة والتنمية الساعية إلى استعادة الماضي الاستعماري لسلطنة العثمانيين، وتصوير تركيا على أنها قوة عظمى، فأعاد الحديث عن المشروع النووي.
سعت تركيا إلى تطوير صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية، ما أكده المدير السابق للمركز التكنولوجي التركي يوسال التنبساك، الذي صرح أن إردوغان  أمر عام 2011 بتطوير خطة إنتاج الصواريخ الباليستية مداها 2500 كيلومتر، ويسعى إلى تطوير أخرى عابرة للقارات مداها 10 آلاف كيلو متر.
معهد بحوث وتطوير الصناعات الدفاعية التركية تمكن من صنع محرك نفاث، الخطوة الرئيسة لصنع صواريخ باليستية تتعدى 2500، كما اختبرت أنقرة مارس 2018 صاروخين وهما غوغدومان وبوزدوغان ما فوق 400 كلم، على اعتبار أنها تتمكن من حمل السلاح النووي، كما جرى تطوير 117 طائرة من طراز "إف-16" عام 2015 لتقدر على حمل رؤوس نووية.
في ظل علاقات جيدة مع إيران وباكستان، لا يستبعد المحللون وجود تنسيق تركي مع البلدين في تطوير الصواريخ الباليستية. 
رئيس هيئة التخطيط في وزارة الدفاع الألمانية سابقًا هانز ريله قال في مقال بصحيفة "دي فيلت" عام 2014 إن استخبارات بلاده اكتشفت عبر المسؤولين الأتراك على مدى سنوات طويلة، التوجه النووي لإردوغان.
وأنه في العام 2010، أمر إردوغان ببناء منشآت تخصيب اليورانيوم بشكل سري، وهو ما كشفته الاستخبارات الألمانية لاحقًا، كما فطنت إسرائيل إلى توجهه وكشفت المؤسسة الأمنية العبرية أن أنقرة تسعى لتطوير برنامج فضاء تمهيدا للحصول على سلاح نووي. 
ريله أوضح أن تركيا تتجه إلى تملك النووي من خلال روسيا، مشيرا إلى  خطورة الخطوة، بقوله إن صفقات إردوغان لم تلزم الشركات المتعاقدة معها بالتخلص من قضبان الوقود، وهي عادة تحتوي على 90٪ من النفايات و 9 ٪ من اليورانيوم غير النقي و 1٪ من البلوتونيوم غير النقي.
تابع :تركيا تود الاحتفاظ بقضبان الوقود ما يمكنها بواسطة منشأة نووية صغيرة من استخلاص المواد المشعة اللازمة، وتخصيبها إلى الدرجة اللازمة لإنتاج القنبلة الذرية، مؤكدا أن تقارير استخباراتية أكدت امتلاكها عددا كبيرا من أجهزة الطرد المركزية، يعتقد أنها جلبت من باكستان في ثمانينيات القرن الماضي.

بوتين عراب النووي
في مايو 2010، وقعت الحكومة التركية برئاسة إردوغان اتفاقية مع شركة "روز أتوم" الروسية لبناء مفاعل نووي في مرسين باسم محطة "أكويو" الكهروذرية.
حسب موقع روز أتوم، أكويو أول مفاعل نووي من الجيل الثالث بتركيا، ويشتمل على 4 محطات للطاقة بقوة 1200 ميجاوات للواحدة، ومن المتوقع أن يولد 35 بليون كيلوات/ الساعة سنويا.
في عام 2014 خصصت الشركة الروسية  1.39 مليار دولار لبناء المفاعل، وحسب صحيفة أولوسال قنال في عام 2015، فإن المشروع البالغ تكلفته 20 مليار دولار، واجه تأخيرا في التنفيذ حيث يتوقع ألا يفتتح قبل عام 2023. 
في أبريل 2018 حاول إردوغان إحياء المشروع مرة أخرى، فشارك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وضع حجر أساس بناء محطة "أكويو"، وقال إنها تعد استثمارا ضخما بقيمة 20 مليار دولار، معتبرا أنها "خطوة مهمة من أجل تركيا ومستقبل علاقاتها مع موسكو".
أعلن وقتها أن الانتهاء من بناء المحطة عام 2023، وهي الأولى من نوعها في تركيا. وتتضمن بناء 4 مفاعلات تبلغ الطاقة الإنتاجية لكل واحد منها 1200 ميجاوات. 
زعمت تركيا أن الهدف "تعزيز أمن الطاقة، وإيجاد فرص عمل جديدة، وتوفير استيراد غاز طبيعي بقيمة 14 مليار دولار خلال 10 سنوات مقبلة"، فيما كان الغرض الأساسي تملك طاقة نووية.
يرى محللون أن إنشاء المحطة وخطتها غير قابل للتحقيق فالمراد بناؤها بخطة زمنية سريعة تبلغ 5 سنوات  فقط، في حين أن توصيات الوكالة الدولية للطاقة الذرية تؤكد أنه يتراوح من 10 إلى 15 سنة.

فساد علني
الأزمة الاقتصادية الخانقة في تركيا ألقت بظلالها على محطة أكويو، ففي فبراير الماضي أكدت صحيفة "آر.بي.سي" الروسية أن شركتين تركيتين تشاركان "روز أتوم" في تشييد المحطة انسحبتا، وهما "كاليون" و"كولين" للإنشاءات، مؤكدة أن مؤسسة تركية حكومية قد تحل مكانهما.
الصحف التركية ذكرت أن تأخر المشروع طوال السنوات الماضية واحتمال فشله سببه أن ملف المفاعل تحيط به شبهات عدة، بعضها يتعلق بقضايا فساد وفضائح، بجانب مخاوف أخرى تتعلق بتلوث البيئة.


حسب صحيفة جمهورييت رست صفقة المفاعل كالعادة على شركة جنجيز إنشاءات المملوكة لمحمد جنجيز، رجل الأعمال القوي داخل حزب العدالة والتنمية والمقرب من إردوغان، والمعروف بسبه الشعب التركي في مقطع صوتي ضمن عدد من التسريبات الشهيرة  لمسؤولين كبار، نشرت على الإنترنت وقلبت الشارع التركي رأسا على عقب أواخر عام 2014. 
"جنجيز إنشاءات" فازت بالصفقة بالكامل على حساب 9 تحالفات أخرى مثل ليماك إنشاءات للصناعة والتجارة، وتحالف ستفا- ماكيول- رينسانس، وكولن إنشاءات، ودوغوش إنشاءات، وغيرها.
طبقا لقرار الهيئة المالكة للمفاعل، أصبحت "جنجيز" مسؤولة عن أعمال وخدمات الأعمال البحرية الهيدروتكنيكية الأخرى بالكامل، مثل ميناء مفاعل أكويو وغيرها من الإنشاءات.  

فضيحة الفساد المتعلقة بمجاملة جنجيز انشاءات عطلت المشروع لفترة، وقد تساهم مستقبلا في توقفه نهائيا حال استمرت تسريبات فضح فساد الصفقة.

فضيحة جديدة أبرزتها صحيفة حرييت عام 2015، عندما نشرت أن مدير العلاقات العامة والدولية بشركة المفاعل فاروق أوزال يواجه اتهامات بالفساد والتحرش الجنسي، بعد يوم واحد من استقالته إثر تصريحات له بخطورة تنفيذ الروس وإدارتهم المفاعل. 

أوزوال بعث رسالة نصية من هاتفه إلى أحد الصحفيين يهاجم فيها المشروع، ونصت "ندعم جميعنا بلا شك إنشاء مفاعل نووي بحيث تملك بلادنا تلك التكنولوجيا، لكن يوجد عنصر تهديد حقيقي على أمتنا جراء تولي الروس التنفيذ والإدارة، نتيجة هذا الوضع الخطر أعلن ترك مفاعل أكويو النووي".

بعد الاستقالة بيوم واحد وجهت له تهم الفساد والتحرش بواسطة الإدعاء التركي، ليخرج محامي شركة أكويو كعان كسكين مصرحاً أن الشركة لا علاقة لها بالأمر، حيث لم يعد أوزال ممثلاً لها، ثم أكمل أن الإدعاء أثبت وجود التهم بحقه. 

فضيحة أخرى كشفتها صحيفة ملييت عن عضو مجلس إدارة شركة المفاعل السابقة كارينا تسوركان (43 عاما)، التي تواجه اتهامات بالجاسوسية والفساد، وجرى احتجازها في روسيا. 

الصحيفة كشفت أنه بسبب العملية المعروفة باسم "إف إس بي" وجهت اتهامات من الشرطة الروسية لتسوركان بالتجسس لصالح رومانيا، وتواجه عقوبات بالسجن ما بين 10 إلى 20 عاماً.

كشفت الصحيفة أن بعض اتهامات الفساد الموجهة لتسوركان تتعلق بإدارتها لشركة مفاعل أكويو. 

تسوركان أزيحت من منصبها في الإدارة المركزية للشركة بعد انتشار الفضيحة وتناولها في الإعلام، وجرى تعيين حسن جونيد زابسو بدلاً منها عام 2017. 

تدمير البيئة

حسب تقرير صحيفة بيانيت عام 2017، رفعت اتحادات مثل الأطباء والمهندسين والمعماريين وغيرها دعوى بالقضاء بشأن ضرورة التحقيق في مخاطر مفاعل أكويو على البيئة، معترضة على التقارير المقدمة من الحكومة.

أحد المحامين الموكلين بمتابعة القضية عارف علي جانجى أكد وقوع حوادث في تلك النوعية من المفاعلات التي تسمى VVER، قائلاً "شغلها الجانب الروسي وأجرى تجربة إنتاج في أكتوبر 2017، ووقع حادث أخفته موسكو طيلة 6 أيام قبل أن يفصح عن تفاصيله فيما بعد"، ثم أكمل "ثبت وقوعه نتيجة قصور المولد، ما يعني أن المفاعل لم يجتاز بعد مراحل الاختبار!".

جانجى مضى قائلاً "لابد من مناقشة سجلات الجانب الروسي في تكنولوجيا المفاعلات النووية، لأنه أخفى من قبل تحليل المخاطر الخاص بحادثة مفاعل فوكوشيما، كما أفاد الإعلام النرويجي باحتمالية مرتفعة لحدوث الكوارث".

حكومة كاذبة

يعارض المدافعون عن البيئة خطة إردوغان لتملك مشروع نووي، واتجهوا إلى رفع قضايا ضده في أعلى محكمة في البلاد.

أكدوا أن المحطة النووية ستؤثر سلباً على المنطقة واقتصادها، ما يقوض سبل عيش السكان الذين يعتمدون على نظام البيئة البحري والسياحة.

المحامية والعضو البارز في منصة مرسين لمكافحة مشروع محطة الطاقة النووية سيفيم كوجوك قالت إن تقييم الحكومة لا يتماشى مع الأدلة العلمية ويستند إلى تقارير خبراء مزيفة. 

أضافت "لماذا حكومتنا مصرة، فيما تحاول دول أوروبا واليابان وأمريكا إغلاق محطاتها النووية؟.. نحن قلقون من أن تخزن نفاياتها النووية في أحيائنا".

عضو في المجموعة المناهضة للمحطة الدكتور فول أورهان نبه إلى أن الموقع غير مناسب، مشيرا إلى أن  درجات حرارة مياه البحر مرتفعة، ما لا يعني فقط إهدار المزيد من الطاقة لتبريد المفاعلات، لكن أيضاً ستزيد العملية من الاضطراب في التوازن البيئي.

أورهان تطرق إلى احتمالية تعرض المحطة للعواصف والزلازل وموجات تسونامي؛ فيما تشير تقارير من معهد علوم الأرض بجامعة إسطنبول التقنية إلى إمكانية حدوث زلزال قوي في قبرص يؤثر عليها.

حسب جريدة سوزجو في عام 2015  تقدم نائب حزب الشعب الجمهوري بمدينة مرسين أيتوغ أتجى باستجواب بالبرلمان حول تقارير تأثير المفاعل على البيئة وإخفاء حقيقة أضراره عن الشعب.

أتجى قال "جرى رفض التقرير البيئي الأول عن المفاعل ثم قبل الثاني الذي جاء ناقصاً، وتوجد إدعاءات أنه به توقيعات مزورة من مختصين، مع ذلك لم نسمع تصريحاً من السلطة حول الموضوع" ثم أكمل "بالإضافة إلى ذلك أخفت وزارة الطاقة عن الشعب تقرير حول مشاكل المفاعل تقدمت بها هيئة مراجعة اشتراطات البنية التحتية التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية".

نائب حزب الشعب الجمهوري مضى قائلاً "تبدو التفاصيل حول مفاعل أكويو في حالة من السرية، يجب التحقيق في أحداث مثل استقالة أحد منسوبي الشركة وكل الوقائع الغامضة الأخرى.

Qatalah