يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


نظرية المؤامرة، هي التبرير الأمثل للإخفاق، وتحويل حوادث التاريخ إلى مظلومة، يتم توظيفها لخدمة أهداف في الحاضر، ويصر عليها العثمانيون الجدد أو المتباكون على الأمجاد المزعومة للدولة العثمانية البائدة، من جماعات الإسلام السياسي، التي تأسست بعد سقوط الخلافة عام 1924، بهدف إحياء الخلافة، وأتباعهم اليوم وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين، وإخوان تركيا بزعامة الرئيس، رجب إردوغان، ومن سار في ركبهم.

المؤامرة المركزية في فكر هؤلاء هي "أن سقوط الدولة العثمانية كان مؤامرة غربية" مع إضافة صفات الماسونية واليهودية للمؤامرة. وراء القول بذلك تختفي أغراضهم، ومنها استخدام حدث تاريخي في إثارة عواطف الشعوب المسلمة، وتسخيرها في خدمة مشروعاتهم المعاصرة.

في المؤامرة يتم قلب الحقائق التاريخية، واستبدال المنطق بالعاطفة. يصبح تفكك الدولة العثمانية مؤامرة بدلا من أن يكون حدثا تاريخيا، شهدته إمبراطوريات عريقة مثلها، وهي إمبراطورية النمسا والمجر، وروسيا القيصرية، دون أن يتحدث أحد عن أن سقوطهم كان مؤامرة.
لكن الرغبة في توظيف هذا الحدث لخدمة مشروعات إردوغان، الحالم بإحياء السلطنة، وأن يصير سلطانا وخليفة على المسلمين، جعلته مؤامرة، بدلا من دراسة سقوط السلطنة وفق المناهج البحثية العلمية، والتطلع نحو المستقبل لما فيه خير الشعوب جميعا، بدلا من التباكي على حوادث الماضي.

الأتراك والمؤامرة
الكاتب التركي والصحافي البارز مصطفى أكيول أشار إلى انتشار الإيمان بنظرية المؤامرة في الثقافة التركية، بين جميع أطياف المجتمع، وأضاف أن هذا الإيمان ترسخ مع وصول إردوغان إلى السلطة، وقيامه بتوظيف هذا الهاجس في حشد الأنصار، وتبرير الإخفاقات.

سبب انتشار نظرية المؤامرة في تركيا يبرره أكيول بقوله: "تجعلنا نظرية المؤامرة نشعر أننا مهمين، إن العالم يتآمر ضدنا، يجب أن يكون حقا أمرا كبيرا ... أعتقد أن الإيمان بنظرية المؤامرة تجعلنا نثق في نفسنا أكثر بعدما كنا قد فقدنا هذه الثقة إبان انهيار الإمبراطورية العثمانية".

قبل عهد حزب العدالة والتنمية، كانت نظرية المؤامرة موجودة في تركيا لكنها منحصرة وموجهة بشكل عام ضد "الغرب"، كما كانت نظرية المؤامرة تُركز على إنكار الإبادة الجماعية للأرمن.

بعدما تولى حزب العدالة والتنمية السلطة في عام 2002، ومنذ ذلك الحين ونظريات المؤامرة في نمو تدريجي حيث استُعملت بكثرة في الخطاب العام في تركيا. تم تكريس بعض وسائل الإعلام لدعم وتأييد رئيس الوزراء السابق والرئيس الحالي رجب إردوغان الذي شرح في عدة مناسبات كيف لعب العامل الأجنبي (خاصة إسرائيل المدعومة من أمريكا) دورا كبيرا في خلق المتاعب والمشاكل لتركيا كما أكد في مناسبات أخرى أن هناك مؤامرة تُحاك ضد الأمة الإسلامية.

"الحرب ضد الإسلام" وتُسمى أحيانا "الحرب على الإسلام" أو "الهجوم على الإسلام" هي نظرية مؤامرة سائدة في تركيا ويُؤمن بها العثمانيون الجدد الذين يستخدمونها في خطاباتهم لوصف المؤامرة المزعومة التي تهدف إلى إضعاف المسلمين وإبادتهم، من خلال مختلف الوسائل العسكرية، والاقتصادية، الاجتماعية وحتى الثقافية.
 
المؤامرة الكونية
"ولا شك أن طول عمر الدولة العثمانية، إذ حكمت نحو سبعمائة سنة، كان من عوامل ضعفها الخلافاتِ الداخلية بين السلاطين بسبب ولاية العهد، وتعاظم نفوذ العسكر وسيطرتهم على صاحب القرار، والامتيازات التي تعوّد السلاطين أن يعطوها لرعاة الديانة النصرانية في أقطار الخلافة، ولا أنسى أنّ كل ذلك وافق بداية تعاظم قوة الدول الغربية، غير أنّ ذلك كله كان هيِّناً أمام مؤامرات الصليبيين واليهود التي بُدِئ التفكير بها مبكّراً، الصليبيون يريدون أن يدفعوا عن أوروبا الخطر الداهم واليهودُ يريدون الوصول إلى فلسطين"، هكذا يحلل المؤرخ المؤمن بنظرية المؤامرة الدور الغربي تجاه العثمانيين، ويحمل اليهود سبب سقوط السلطنة.

العلاقة بين اليهود والسلطنة كانت قوية منذ القرن الخامس عشر، عندما استضاف السلطان بايزيد الثاني اليهود، ومنذ ذلك الحين ومكانة اليهود مرتفعة لدى العثمانيين. وعندما ظهر الفكر الصهيوني تعاون السلاطين مع آباء هذا الفكر، وخصصوا أراضي لبناء مستوطنات يهودية منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أي قبل 68 عاما من سقوط السلطنة.

اليهود ظلوا على علاقة طيبة بالعثمانيين، حتى رحيل آخر الخلفاء عن إسطنبول عام 1924، حتى إن الفكر الصهيوني لم يكن راغبا في الاستقلال بكيان في فلسطين عن العثمانيين، وكان راغبا في كيان له خصوصية مثل منطقة جبل لبنان، ويخضع للسيادة العثمانية.

أما مؤامرات الدول الصليبية، فهي كلمات جوفاء، فلم تعد هناك دول صليبية بل دول قومية، فمنذ نشأة السلطنة هي في تحالف مع دولة أوروبية ضد أخرى، ولم يحدث مرة واحدة أن اجتمعت أوروبا على العثمانيين.

السلطنة لم تعد أبداً حليفاً أوروبياً، فقد كان إمبراطور بيزنطة أول حليف أوروبي، وتم استبداله بأهل جنوة، ثم التحالف الأهم مع فرنسا في عهد سليمان القانوني، الموجه ضد العدو المشترك، وهو إمبراطورية النمسا ومملكة إسبانيا، كما كانت بريطانيا حليفاً قوياً ضد الخطر الروسي، ثم حلت ألمانيا مكانها أواخر القرن التاسع عشر.

العداوة العثمانية مع النمسا انتهت، وحل مكانها التحالف ضد الروس، الأسطول البريطاني - الفرنسي، والجيش النمساوي البري، كانوا دائماً على أهبة الاستعداد لحماية إسطنبول من الخطر الروسي، وفي مرات عديدة تم إنقاذ العاصمة بفضل الأسطول البريطاني - الفرنسي، كما في أعوام 1822، و1878، وحرب القرم عام 1856.
 
حديث التاريخ
مثل جميع الإمبراطوريات مرت الدولة العثمانية بمراحل النمو والنضج ثم الشيخوخة، لكن على خلاف الجميع طالت فترة شيخوختها لمدة قرنين أو يزيد، بفضل مساعدة أوروبا، التي يتهمها العثمانيون الجدد بأنها هي من أسقط السلطنة.
 
بعد موت السلطان سليمان القانوني عام 1566، دخلت السلطنة مرحلة الأفول، بعد أن بلغت أقصى اتساع عسكري لها باحتلال المجر. وكان من الطبيعي أن تتصدى دول أوروبا للتوسعات العثمانية، فهل من المعقول أن تقبل أية أمة باحتلال أجنبي؟ وهل كان المفروض على دول أوروبا أن تستلم للغزو العثماني، وألا تستنجد بالأمم المسيحية جيرانها وحلفائها.
 
منذ اليوم الأول لعبور العثمانيين إلى قارة أوروبا، لغزو البلقان، والكتاب المنتمون للعثمانيين الجدد، يطلقون على كل حملة بلقانية تواجه العثمانيين، تسمية حملة صليبية. وذلك في محاولة لتشبيه غزوات العثمانيين الهادفة للنهب والسلب، ببطولات العرب في صد الحملات الصليبية في القرون الوسطى. وشتان بين الاثنين فالأول مهاجم يغزو بلادا آمنة، والثاني مدافع عن وطنه ضد معتد أوروبي.
 
هكذا تحولت المعارك العثمانية إلى صد حملات صليبية، منذ موقعة سهل قوصوة عام 1389، وموهاكس عام 1526، وليبانتو عام 1571، وموهاكس الثانية عام 1687، وغيرها من المعارك التي شنتها إمبراطورية النمسا، ثم روسيا القيصرية، حتى الحرب العالمية الأولى عام 1914.
 
رجل أوروبا المريض
أوروبا كانت ترى بقاء السلطنة العثمانية ضعيفة، أكثر فائدة من زوالها، لأن حدوث ذلك سيفتح باب الصراع بين جيوش الغرب على تقسيم تركة رجل أوروبا المريض، وأيضا باعتبارها حائط صد يمنع تطلعات قيصر روسيا في بلاد الشرق، وشرق أوروبا.

هذا المبدأ جعل دول أوروبا الكبرى "بريطانيا وفرنسا والنمسا وروسيا وألمانيا" ترفض انفراد دولة واحدة بمزايا داخل السلطنة، أو التوسع على حسابها، فأصبحت القسطنطينية محرمة على الاحتلال، وتحظى بحماية أعدائها.

مع نهاية القرن السابع عشر، تفوق الروس على العثمانيين، وأصبحوا يهددون وجود السلطنة، ونتج عن ذلك تحول النمسا من عدو تاريخي للأتراك، إلى شركاء في مواجهة الخطر الروسي، سعى الروس لاحتلال القسطنطينية، بهدف السيطرة على المضائق البحرية، البسفور والدردنيل، لتتمكن من الوصول إلى البحر المتوسط، واستعادة المدينة التي تحظى بمكانة كبيرة عند الأرثوذكس، وكان قيصر روسيا ينظر إلى نفسه كوريث شرعي لبيزنطة.

بريطانيا وفرنسا تدخلتا لإنقاذ عاصمة الدولة العثمانية من السقوط بيد الروس في حرب عام 1828، وتوصلتا إلى اتفاق مع السلطان، يسمح لهما باستدعاء الأساطيل البحرية إلى الدردنيل، للحفاظ على القانون والنظام في المدينة، ووافقت روسيا على عدم مهاجمة القسطنطينية، بعد توقيع معاهدة تنازلت السلطنة فيها عن القوقاز.

حقيقة الأمر أن روسيا لم تكن ترغب في إزالة السلطنة من الوجود، فقد خشيت أن يحل مكانها دولة موالية لبريطانيا وفرنسا، فيما قررت القوى الأوروبية مساعدة السلطنة، وبداية من عام 1834، بدأت روسيا وبريطانيا وبروسيا في إرسال ضباط عسكريين وبحريين إلى القسطنطينية، لإعادة تدريب وتأهيل الجيش والأسطول.

وخلال أعوام 1834 و1835 و1836 منح الباب العالي السفير البريطاني سلطة استدعاء الأسطول إلى البوسفور، لحماية القسطنطينية، إذا طلب السلطان. وفي عام 1853 اندلعت حرب القرم بين السلطنة وروسيا، وتدخلت بريطانيا وفرنسا عسكريا، وتولت الدولتان مهام الشرطة في العاصمة إسطنبول، بناء على طلب السلطان، وبفضلهما انتصرت السلطنة على روسيا عام 1856.

عام 1877 اندلعت حرب جديدة بين الروس والعثمانيين، كادت أن تسقط فيها إسطنبول بيد الروس، لولا أن تدخلت بريطانيا وفرنسا، وبعثتا بأسطولهما لحماية العاصمة، وبريطانيا أرسلت أيضا المهندسين لتحسين تحصينات المدينة والمضائق، وقاد ضباطها عددا من الفرق العسكرية العثمانية.

بيدهم لا بيد عمرو
حرب البلقان الأولى عام 1912، قدمت فرصة عظيمة للاطلاع على الأوضاع الداخلية للسلطنة، كما أنها سبقت الحرب العالمية الأولى بعامين فقط، أي أن هذه الأوضاع لم تتحسن، بل المرجح أنها ساءت، حيث تعرض الجيش العثماني كبير العدد والعدة، إلى هزائم مشينة على جميع الجبهات، وفقد مدينة أدرنة التاريخية، وتوقفت جيوش الاتحاد البلقاني (اليونان، وصربيا، وبلغاريا، والجبل الأسود) على مشارف العاصمة إسطنبول، وكان ذلك بفضل التدخل البريطاني.

الهزيمة كشفت تفكك الجيش العثماني، وفقدانه القيادة ذات الكفاءة والروح العسكرية، كما أن ولاء الضباط لم يكن للسلطنة، بل كان منقسما بين حزبي "الاتحاد والترقي" و"حزب الحرية والائتلاف"، وكان أعضاء الحزب الأول يكيدون للآخرين، الذين كان حزبهم على رأس الحكومة.

أوضاع السلطنة، يمكن قياسها بشكل عام إلى وضع الجيش، فإذا كان الأخير مثالاً للتخبط والتفكك، الحال ينطبق على مجمل أوضاع السلطنة، بل أسوأ، فهل كان بإمكان دولة بتلك الأحوال، أن تصمد في حرب عالمية، ضد بريطانيا العظمى وفرنسا وروسيا وإيطاليا والولايات المتحدة وغيرهم؟، وهل كان العثمانيون الذين عجزوا أمام دويلات البلقان يظنون أن هزيمة قوات التحالف أمر ممكن؟!.

السلطنة بدأت التقرب إلى ألمانيا في أواخر القرن التاسع عشر، وتوثقت العلاقة بينهما مع سيطرة الباشوات الثلاثة على الحكم، منذ عام 1909، وصلت إلى حد تولي الألمان قيادة الجيش العثماني، أنور باشا وزير الحربية كان عثماني الجنسية، ألماني الهوى والولاء، عمل على تسخير السلطنة لخدمة سيده إمبراطور برلين، كما عادت السلطنة بريطانيا إرضاءً لألمانيا، على الرغم من الوجود البريطاني القوي على حدودها، في مصر وجزيرتي مالطة وقبرص، والخليج العربي وإيران، وعدن من الجنوب.

الحياد كان السبيل الوحيد لإنقاذ الدولة العثمانية من أطماع أوروبا، فقد كان الجيش العثماني قادراً على الدفاع عن أراضيه، لو لم يُستهلك في جبهة روسيا، وجبهات الجنوب، وجبهة غاليبولي، لكن ما حدث هو توريط الألمان للسلطنة في الحرب، وبشكل عام كان المصير الذي انتهت إليه السلطنة من تقسيم واحتلال، ذات المصير الذي تعرضت له إمبراطورية النمسا والمجر، وألمانيا ذاتها فقدت جزءاً من أراضيها.

هناك أحداث أخرى يفسرها العثمانيون الجدد على أنها جزء من المؤامرة الكونية ومنها الثورات التي قامت بها الشعوب المضطهدة ضد العثمانيين، ومطالبات الأعراق غير التركية بالحكم الذاتي، وتطلع هذه الشعوب لإنشاء دول قومية.

هذه المطالب لم تنبع من مؤامرة، وإن حازت على دعم عدد من دول أوروبا، لكنها تعبير عن تطلعات العصر. فلم يعد مقبولا في عصر الدول القومية بقاء سلطنة من العصور الوسطى، تعيش وفق منطق الغازي والمحتل.

المصادر :


Qatalah