يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


التدليس حرفة يتقنها العثمانيون الجدد، بزعامة الرئيس التركي، رجب إردوغان، ويقومون بتوظيفها لخدمة أغراضهم السياسية، وهي السيطرة على السلطة في البلاد الإسلامية، تحت ذريعة الخلافة. سياستهم الدعائية تصور الدولة العثمانية على أنها خلافة إسلامية، سقطت ضحية التآمر الصهيو-صليبي.

العثمانيون الجدد، يستخدمون ألفاظاً ذات دلالة دينية، بهدف تصوير الصراع العثماني مع القوى الأخرى على أنه صراع ديني، يخوضه العثمانيون دفاعاً عن الإسلام، وحمايةً للمسلمين. كتبهم ومؤلفاتهم تعكس هذا التدليس، فيحولون صراع المصالح إلى صراع ديني، ويغضون الطرف عن التحالفات العثمانية مع دول كانوا بالأمس يصفونها بالصليبية.

قراءة تاريخ العلاقات العثمانية مع العالم الأوروبي، تكشف أن الصراع بين الطرفين لم يكن دينياً بأي حال من الأحوال، لكنه شهد توظيفاً للدين من قبلهما. إصرار العثمانيين الجدد، على الكذب وتزييف الحقائق يخدم خطتهم في تصوير أنفسهم أمام المسلمين على أنهم حماة العالم الإسلامي، ورثة الدولة التي تصدت للغرب قديماً، بينما واقع الأمر أن علاقات العثمانيين القدامى والجدد مع أوروبا كانت ومازالت قوية.

قبائل وغزوات 
هناك تفاسير عدة للتاريخ العثماني، منها الأسطوري، والديني، والعلمي، والآخير هو الوحيد الأكثر مصداقية. التفسير الديني يرى الدولة العثمانية دولة جهاد، خاضت حروبها لنشر الإسلام في أوروبا.

تمت إحاطة هذا التفسير بأساطير دينية عن نشأة العثمانيين، منها زواج عثمان بك الذي تنسب إليه الدولة من سيدة من آل البيت النبوي، وأسطورة أخرى عن رؤيا عثمان بك عن الشجرة التي تنبت وتظلل أوروبا، وفي العصر الحديث يقدم مسلسل أرطغرل، المدعوم من نظام إردوغان أسطورة جديدة وهي مباركة ودعم ابن عربي لأرطغرل، وتنبؤه هو وأقطاب الصوفية بسيادة نسله في أوروبا، وحمايتهم للعالم الإسلامي.

العثمانيون، ينتمون إلى موجات الأتراك التي هاجرت من آسيا الوسطى إلى الأناضول في القرنين 11 و12 الميلاديين، في أعقاب موجات الهروب من الغزو المغولي، وقد استقرت القبيلة التي ينسبون إليها في منطقة حدودية مع إمبراطورية بيزنطة.

السبب الأساسي لاستقرار العثمانيين في هذه المنطقة الحدودية، ليس جهاد بيزنطة، بل لعدم وجود أراض  شاغرة في دولة السلاجقة، فكانت سياستهم مع المهاجرين الأتراك الجدد هي الدفع بهم إلى الحزام الحدودي، لتحقيق هدفين الأول: التخلص من الهجرة الكبيرة، ومن مشاكل القبائل المهاجرة بدفعها بعيداً عن أراضيها، والثاني ضرب بيزنطة بهذه القبائل وتكوين حزام حدودي منهم.
في معركة ملاذكرد عام 1071، اشتركت القبائل التركية المهاجرة مع السلاجقة في القتال ضد بيزنطة من أجل الغنائم. كان السلاجقة يرغبون هذه القبائل بالغنائم.

إمارات الحدود أو ما تم إطلاق لفظة (مقاتلي الثغور) عليها، كان هدفها النهب والسلب، فقاموا بنهب الريف، وأجبروا اليونانيين على التحصن في المدن، فباتت هذه المدن محاصرة من قبل الغزاة الأتراك، وقبل موقعة "ملاذكرد" كان هؤلاء الغزاة قد نهبوا مدنا كبرى مثل سبسطية وقيصرية وإيكونيوم.

نجاح الغزاة الأتراك، يعود إلى تفكك بيزنطة، وقام الغزاة بإنشاء إمارات صغيرة لم تخضع للسلاجقة، عُرفت باسم إمارات الثغور، كان العثمانيون إحداها وأحدثها. الغزاة التركمان، عملوا لأوقات طويلة كمرتزقة لدى الإقطاعيين البيزنطيين ضد الإمبراطور البيزنطي في إطار صراع الطرفين.

إمارات الغزو
هذه الإمارات، تنازعت فيما بينها، مما تسبب في اضطرابات عديدة داخل الأناضول، وتعطيل طريق الحج المسيحي، وكان ذلك أحد دوافع استنجاد بيزنطة بأوروبا الغربية، وقيام الحملات الصليبية.

التوسع التركي صوب الأملاك البيزنطية، لم يتخذ طابعاً دينياً، ولم ينتشر الإسلام بين العناصر الإغريقية والأرمنية وغيرهم بفعل هذه الغزوات، بل ظل أغلب هؤلاء على أديانهم حتى قرب سقوط الدولة العثمانية، وقيام الأتراك بمذابح بحق الأرمن واليونانيين والآشوريين على مدى سنوات طويلة كان السبب في تفريغ الأناضول من غير المسلمين.

بشكل عام لم ينتج عن هذه الغزوات تحول أعداد كبيرة من المسيحيين إلى الإسلام، بسبب الممارسات التركية اللصوصية، وعمليات النهب والسلب والقتل، فلم يكن لدى هؤلاء دافع لدخول الإسلام إلا الحصول على امتيازات، وهذا السبب لم يتحقق إلا بعد استقرار العثمانيين وإنشاء الدولة.
القبائل التركية ذاتها، كانت تحمل خليطاً دينياً من الإسلام وأديانها السابقة، وانتشرت بينها المذاهب الإسلامية الشيعية والصوفية مع طقوس من أديان أخرى.

بحلول أوائل القرن 14، كانت إمارات الثغور قد تخلصت من سيطرة السلاجقة، بعد هزيمة الأخيرة أمام المغول. قيام عدد كبير من هذه الإمارات، يؤكد فرضية النشأة السياسية الاقتصادية لها، ومن بينها إمارة العثمانيين، فلو كان الهدف الجهاد أو نشر الدين لكانوا تحت قيادة واحدة، مثلما كانت موجة الفتوحات العربية تحت قيادة الخلفاء الراشدين.

إمارة منتشا، كانت أقدم هذه الإمارات، تبعتها إمارة آيدين التي اعتمدت على عمليات القرصنة والغزو، فكانت تغزو البلقان وتعود محملة بالغنائم. إمارة العثمانيين تأكد وجودها المستقل بعد عام 1290، في عهد عثمان بك، وكان هدفه إنشاء أسرة حاكمة، وليس الجهاد أو نشر الإسلام. فقد كان العثمانيون فخورين بكونهم عثمانيين، لا أتراكا ولا مسلمين، وكان الولاء لأسرة آل عثمان، مقدماً عما سواه.

الغزو العثماني، كان يتبع أسلوبين، الأول هو فرض نوع من السيادة على الدول المجاورة، ثم فرض السيطرة المباشرة عليها، مما يعني تطبيق الإقطاع الحربي (التيمار) على هذه البلدان، وكان يقوم على التسجيل المنتظم لسكان المنطقة ومواردها.

دولة حربية
الدولة العثمانية، كانت دولة حربية، هيمن عليها الإقطاع العسكري، حتى إن الإقطاعيين اللاتين (الأوروبيين)، كانوا يستعيدون مزاياهم السابقة حال اعتناقهم الإسلام، ليصبحوا باشوات وقادة في الجيش العثماني، مما يؤكد أن الهدف العثماني كان التوسع والغنائم، أما نشر الإسلام فلم يكن هدفاً مباشراً لهم.

الروح العسكرية، التي نشأت فيها الإمارة العثمانية، ظلت حاكمة لسياستها بعد أن تحولت إلى دولة، ثم إمبراطورية مترامية الأطراف. الدولة العثمانية، مرت بعدة مراحل في علاقاتها مع الغرب، الأولى هي التوسع العسكري بما يجلبه من منافع وغنائم، والثانية هي توقف حركة التوسع والقتال في سبيل الحفاظ على الحدود، والمرحلة الثالثة هي الانكفاء العثماني وتقدم أوروبا وصولاً إلى تفكك السلطنة نهائياً.

العثمانيون وأوروبا
في بداية العلاقات العثمانية - الأوروبية، كانت كفة القوة تميل لصالح العثمانيين، الذين اعتمدوا عليها في حل صراعاتهم مع دول أوروبا، وفي تلك الفترة لم يعرفوا الدبلوماسية بشكل منظم. خلال النصف قرن الذي تلى سقوط القسطنطينية، تعززت أركان الدولة العثمانية، وأضحت دولتهم القوة الإسلامية الأولى، وفي عهد سليمان القانوني (1520-1566)، كانت السلطنة مركز العالم وأقوى دولة فيه. 

دول أوروبية، في هذه الفترة، خطبت ود السلطنة في مواجهة قوى أوروبية أخرى، وأصبحت السلطنة عاملاً أساسياً في توازن القوى الأوروبية، وأصبحت السلطنة بصفتها القوة الإسلامية الكبرى، والمسيطرة على الأرض الإسلامية القريبة من أوروبا، جزءاً من النظام الدولي العالمي، تتفاعل بما يجري به، وتؤثر فيه.

الدولة العثمانية، لم تدير علاقاتها الدولية من منطلق ديني، بل من منطلق سياسي، وذلك من قبل عهد سليمان القانوني، وقبل سقوط سلطنة المماليك. فقد استخدمت السلطنة قوات الأمراء المسيحيين في البلقان كحلفاء في حروبها مع الإمارات الإسلامية في الأناضول.

التوسعات العثمانية في الأناضول، وضد سلطنة المماليك تؤكد بقوة على انتفاء صفة الجهاد أو نشر الدين عن العثمانيين، فقد كان من بين الجيش العثماني فرق كاملة مسيحية، تخدم في الجيش، وتقاتل المسلمين.
منذ عام 1386، قاتلت قوات أمير الصرب بجانب الجيش العثماني، وفقاً للمعاهدة التي تم توقيعها بينهما بعد هزيمة الصرب على يد القائد قره تيمورتاش. 

في عهد سليمان القانوني، دخلت السلطنة المجر، وأصبحت في صدام مع إمبراطورية النمسا، ووجد العثمانيون أنفسهم في صراع مع دول أوروبا الوسطى والغربية القوية، وليس الإمارات البلقانية المفككة. لم يعد عامل القوة وحده كافياً، لتحقيق الأهداف السياسية العثمانية، ولجأت السلطنة إلى الاستفادة من الخلافات الأوروبية الداخلية لتحقيق مطالبها. 

فرنسا والنمسا أو إمبراطورية شارل الخامس، كانتا تتنازعان السيادة على أوروبا، ولجأت فرنسا إلى العثمانيين، وقامت بعقد تحالف معهما ضد النمسا، التي كانت العدو المشترك لهما. بذلك بدأ تحالف فرنسي - عثماني، استمر لقرون يحركه العداء المشترك لأسرة الهابسبورج الحاكمة في النمسا ومناطق أوروبية أخرى. 
في تلك اللحظة كانت دول أوروبا الغربية، تدخل طوراً جديداً في تطورها نحو دعم قوتها الذاتية، ونحو تغيير توازن القوى مع العالم الإسلامي، وشهدت دول فرنسا وإنجلترا والنمسا وإسبانيا تركيزا للسلطة والموارد، وتجاوز القوى الإقطاعية.

المدفع والدبلوماسية
التوسع العثماني في المجر، يقدم دليلاً قوياً على كون الصراعات مع أوروبا، سياسية في الأساس، فقد جاء التوسع استجابة لاستغاثة أطراف مجرية ضد أطراف أخرى في أثناء الصراع على العرش.

ملك إسبانيا، وهو أخو شارل الخامس إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة (إسبانيا، ألمانيا، النمسا، إمارة نابولي هولندا، وصقلية)، كان من المطالبين بعرش المجر، فقامت الأطراف الأخرى بطلب مساعدة سليمان القانوني، فقام بغزو المجر، ومن ثم حصار فيينا، وتمكين حلفائه من الحكم مقابل الاعتراف بالسيادة العثمانية ودفع الجزية.

بالنسبة للعثمانيين، كان التحالف مع فرنسا هو حجر الزاوية في مواجهة شارل الخامس، الذي أعلن دائماً أن هدفه الأساسي هو القضاء على الدولة العثمانية، لذلك وقع سليمان القانوني معاهدة مع ملك فرنسا فرانسوا الأول عام 1535.

عدد كبير من الباحثين، يرون أن توقيع هذه المعاهدة بين دولة إسلامية وأخرى مسيحية، يكشف عن ابتعاد العثمانيين عن النظرية التقليدية الشرعية في العلاقات الدولية، وهي التي تقوم على أساس الجهاد، ورفض الاعتراف بالدول غير الإسلامية، ورفض تدخل القوى الخارجية في الشؤون الداخلية الإسلامية، ورفض امتداد الصلح عن 10 سنوات.
المعاهدة، كانت نقطة تحول في الممارسات الإسلامية، وبداية إدارة العلاقات الخارجية استناداً إلى مفاهيم ومبادئ المصالح المشتركة، أكثر منها على أساس القواعد والمبادئ الدينية.

التحول من الصراع الديني، إلى إدارة السياسة على أسس المصالح المشتركة، هو خطوة إيجابية في العلاقات الدولية، أدت إلى التعايش والتعاون، وهي نقطة في صالح الدولة العثمانية إذا كان لدى العثمانيين الجدد عقل أو تفكير منطقي، لكن عقلية الغزو والتكفير هي المسيطرة عليهم، وما كانت هذه العقلية لتعترف بعدم وجود صراع ديني عثماني - أوروبي.

هذه العقلية، تلجأ إلى التحريف، فتصف الصراعات الأوروبية - العثمانية، بالحرب بين ديار الكفر والإسلام، رغم أن السلطنة ظلت لمدة 4 قرون في تحالف مع قوى أوروبية.

التوازن الدولي
عام 1655، شهد أول تعاون إنجليزي - هولندي مع العثمانيين، أثناء حملة السلطان على جزيرة كريت، التي كانت آخر ممتلكات جمهورية البندقية في البحر المتوسط. بريطانيا وهولندا، لعبتا دور الوساطة في إقرار معاهدة كارلوفيتز 1774، التي تم توقيعها بعد هزائم عثمانية ثقيلة، من تحالف دول روسيا والنمسا وبولندا، وساهم في تخفيف وطأة الهزيمة.

النمسا، كانت هي العدو التقليدي للعثمانيين منذ بداية القرن السادس عشر، وظلت كذلك حتى القرن 18، بعد أن حلت محلها روسيا، وقامت الدولتان بالتنسيق بينهما ضد العثمانيين لمدة قرن، قبل أن تتحول النمسا إلى حليفة العثمانيين ضد الروس.
الأسباب الاقتصادية والسياسية، كانت الدافع الأول للعداء الروسي للعثمانيين، فلم تقتصر استراتيجية بطرس الأكبر لروسيا على حرب العثمانيين، فقد حارب السويد وانتصر عليها، ثم حارب بولندا، وكانت السلطنة هي العدو الثالث لروسيا.

روسيا، كانت تهدف إلى الاتصال ببحر البلطيق، لذلك دخلت في صراع مع السويد وبولندا، والوصول إلى المياه الدافئة (البحر الأسود، والمضايق، والبحر المتوسط)، لذلك اصطدمت بالدولة العثمانية. أما العامل الديني (الجامعة الأرثوذكسية)، فقد كانت مجرد غطاء، لكسب ولاء شعوب البلقان المسيحية واستخدامها في الصراع السياسي مع العثمانيين.

العامل الديني، لم يكن أساسياً في العلاقات العثمانية - الأوروبية، فقد كان دافع إنجلترا لدعم العثمانيين أو الوساطة بينهم وبين النمسا هو إنهاء العداء بينهما، لكي يتفرغ إمبراطور النمسا لمواجهة فرنسا عدوه التقليدي، والمنافس الأول لإنجلترا في العالم الجديد. 

القوى الأوروبية، نظرت إلى السلطنة باعتبارها منطقة صراع حساسة، لا يجب لأية دول الاقتراب منها، أو تهديد تماسكها، إلا عندما يحين الوقت المناسب، فقد ارتبطت وضع السلطنة بوضع التوازن الأوروبي.

في مرات عديدة، تم إنقاذ العاصمة بفضل الأسطول البريطاني - الفرنسي، كما حدث أعوام 1822، وحرب القرم عام 1856، وفي أثناء الحرب الروسية العثمانية عام 1878. 
ألمانيا، حلت مكان بريطانيا في أواخر القرن التاسع عشر، وحتى الحرب العالمية الأولى. تفكك السلطنة لم يكن مؤامرة، أو صراعا دينيا ضد الإسلام، ففي جميع الحروب التي خاضتها السلطنة كان بجانبها حلفاء أوروبيون، ولولا هؤلاء لسقطت السلطنة قبل عام 1924 بقرنين من الزمان.

المصادر :


Qatalah