يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


سقوط الدولة العثمانية، عقب الحرب العالمية الأولى، لم يكن أمراً صادماً، بل حادثاً متوقعاً، إنما المفاجأة هي صمود الدولة لقرون، لأن سقوط السلطنة، كان متوقعاً لأي مراقب يزور السلطنة، أو لذوي العقول النيرة. بقاء السلطنة طيلة قرون، يستحق التعجب، وليس سقوطها، لكن ذلك لا يخدم مخططات العثمانيين الجدد، فقاموا بتزييف الحقائق، وصنع مظلمة تاريخية من سقوط السلطنة.

هناك عاملان كانا السبب في سقوط السلطنة، الأول والأكبر هو التفكك والانهيار الداخلي، على صعيد الأبنية الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والهويات القومية، وغيرها. السبب الثاني، تمثل في العامل الخارجي من صراعات سياسية مع أعداء تاريخين خصوصاً الروس.

العامل الثاني، هو أمر طبيعي، فمن غير المعقول تصور وجود دولة دون صراعات مع جيرانها، خصوصاً إن كانت ذات موقع جغرافي استراتيجي مثل السلطنة، التي كانت تتحكم في مضيقي البوسفور والدردنيل، نقطة اتصال البحر الأسود بالمتوسط، وتتحكم بالتالي في نفوذ الروس إلى البحر المتوسط أو المياه الدافئة.
 
القوة الذاتية
وجود صراع خارجي أمر طبيعي، ورغم تأثيره على بقاء الدول، إلا أن عناصر القوة الذاتية هي الأساس في تحديد بقاء أو انهيار الأمم. فلم تكن أمة في التاريخ مثل بريطانيا في حجم تفاعلاتها الدولية، ورغم ذلك ظلت سيدة العالم لمدة قرون، ومرت بمرحلة أفول، ولم يتحدث أحد عن المؤامرة الخارجية عليها، بل قاموا بدراسة عوامل القوة الذاتية، والعوامل الخارجية.

في حالة الدولة العثمانية، كانت عوامل الانهيار الداخلي هي السبب الأول والأكبر في انهيار السلطنة، خاصة تزامن ذلك مع صعود القوة الذاتية للجيران الأوروبيين. بينما كان العثمانلي ينهار، كانت أوروبا تتقدم، وهو أمر أدركه عدد من رجال العثمانلي وحاولوا تلافي الخلل، عن طريق إدخال الإصلاحات، لكن الخلل في بنية السلطنة، كان أكبر من إصلاحه.

أوروبا، كانت تجني ثمار عصر النهضة الذي بدأ خلال القرن 14، بالتزامن مع عصر أوج القوة العثمانية. رغم ذلك لم تشكل أوروبا خطراً على السلطنة، إلا بعد مرور قرون، فقد انشغلت دول أوروبا الكبرى بالصراعات الداخلية، حول المستعمرات في العالم الجديد، والصراع الكاثوليكي - البروتستانتي، بجانب ذلك فقد كانت الاستراتيجية الأوروبية حتى الثورة الصناعية في القرن 18، تقوم على توسيع التجارة العالمية، والحصول على الامتيازات التجارية مع العثمانيين، فقامت هذه الدول بالتقرب من السلطنة، لا التصادم معها.

القرنان 16 و 17، شهدا بداية إرساء عناصر القوة الأوروبية الجديدة، بالتزامن مع ذلك شهد العالم الإسلامي بقيادة العثمانيين انهياراً كبيراً في عناصر القوة الإسلامية، وجاء القرنان 18 و 19 ليشهدا، تفجر القوة العالمية الأوروبية، وخضوع العالم الإسلامي لها.

تآكل القوة العثمانية
بنهاية عهد سليمان القانوني، بدأت عناصر القوة العثمانية في التأكل، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، وكان لهذا التآكل سماته ومؤشراته الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية، ودخلت العلاقات الدولية العثمانية - الأوروبية مرحلة جديدة.

على الصعيد العسكري، توقف منذ نهاية القرن 17، خطر الغزو الذي كان يهدد قلب أوروبا، وبدأت تتجمع ملامح التفوق العسكري الأوروبي، الذي اقتصر في هذه المرحلة على رد الهجوم العثماني على رودس، رغم ذلك لم تشكل أوروبا خطراً على الأراضي العثمانية حتى 1774، حين فقدت القرم لصالح روسيا.
مظاهر الضعف العسكري كانت ملحوظة في الإنكشارية، وهي قوات النخبة العثمانية، والأكفأ والأشد تنظيماً بين الجيش. الحرب مع الصفويين (1618-1639)، كشفت هذا التفكك، منذ ذلك التاريخ تحولت الإنكشارية من أفضل جيش في العالم، إلى نكبة على الدولة العثمانية.

الحملة العثمانية على جزيرة كريت 1645، والتي انتهت باحتلال الجزيرة، كشفت أيضاً عن الضعف العسكري العثماني، فرغم انتصار العثمانيين إلا أن ذلك جاء على حساب استنزاف موارد الدولة، بسبب امتداد الهجوم إلى 10 أعوام، ولم تستطع السلطنة الصمود أمام هجمات البندقية البحرية إلا بفضل مساعدة سفن إنجلترا وهولندا.

على الصعيد الدبلوماسي، تحولت السلطنة من توظيف الخلافات الأوروبية لخدمة مصالح التوسع العسكري، مثلما كانت المعاهدة مع فرنسا ضد النمسا، إلى توظيف هذه الخلافات من أجل خدمة أغراض الدفاع عن بقاء الوجود العثماني في أوروبا. كما تحولت العلاقات الدبلوماسية (التمثيل الدبلوماسي، الامتيازات، نصوص المعاهدات)، بشكل عكس انتهاء عصر التفوق العثماني، بتقديم التنازلات، وانتهاء مراسم إذلال السفراء الأجانب، والتعالي العثماني في الخطابات الرسمية مع أوروبا.

أفول السلطنة
الدولة العثمانية، لم تعرف سلطاناً قوياً بعد وفاة سليمان القانوني 1566، فقد خلفه عدد كبير من السلاطين الضعاف، وتعاقبت دورات اشتداد الضعف، وعدم الاستقرار الداخلي، ودورات الإصلاح، التي عكست تآكل القوة الذاتية، كونها ارتبطت بجهود فردية، وليس رؤى مؤسسية، لذا انتهت بوفاة روادها.
أول خطوة إصلاحية جاءت مع أسرة كوبريلي منتصف القرن 17، بعد ما يزيد على 150 عاماً، من عدم الاستقرار الداخلي، وانتهت هذه المرحلة بهزيمة قاسية على أسوار فيينا 1683، حيث كانت تلك الإصلاحات مقصورة على ضبط الإنكشارية، وإقالة عدد من الموظفين، وجمع الضرائب، دون أن تشهد إدخال إصلاح حقيقي على البنية الفكرية والمؤسسية للدولة.

السلطنة، دخلت لمدة تزيد على نصف قرن، دورة أخرى من التردي والفساد، توجت بتقديم تنازلات كبيرة في صلح كارلوفيتز 1699، لكنها شهدت صحوة قصيرة بعد توقيع معاهدة بلجراد 1740، وسرعان ما دخلت في مرحلة من التردي والفساد، حتى المحاولة الإصلاحية في عهد سليم الثالث (1789-1807)، التي انتهت بمقتله.

جرت عدة محاولات إصلاحية في القرن 19 بداية مع السلطان محمود الثاني، وخلفائه عبد المجيد وعبد العزيز، والتي عرفت باسم التنظيمات، إلا أن هذه الإصلاحات لم تلمس جذور المشكلة العثمانية، وكشفت الهزائم أمام جيش مصر عام (1831-1839)، وهزائم 1878 أمام روسيا، عن فشل هذه الإصلاحات.

إمبراطورية جباية
الغزو العسكري، كان المصدر الأول لدخل الخزانة العثمانية، وظلت بفضله ممتلئة حتى أواخر عهد سليمان القانوني. بعد ذلك تحول هذا التوسع إلى عبء على الخزانة، فقد توقف الغزو وتحولت السلطنة إلى الدفاع عن المكتسبات، ما يعني أنها أصبحت تنفق للدفاع فقط، دون الحصول على غنائم.

السلطنة، كانت إمبراطورية جباية، تقوم على جمع الضرائب من الفلاحين وسكان المدن، والرسوم من التجار، وغيرها من أوجه التحصيل، دون تقديم أي مقابل أو الاهتمام بتوسيع التجارة الخارجية، مثلما كانت تفعل حكومات أوروبا.
السياسة العثمانية، لم تهتم بمسألة الاقتصاد، فقد فتحت أبواب السلطنة أمام التجار الأوروبيين، بعدما منحت دولهم الامتيازات التي أمنت لهؤلاء التجار التفوق على التجار المسلمين، وتسبب العثماني في حرمان المسلمين من التجارة.

بعد قرنين، ومع تفجر الثورة الصناعية في أوروبا، توسعت الامتيازات إلى فتح الأسواق أمام البضائع الأوروبية، فلم تعد المنافسة بين التجار الأوروبيين والمسلمين، بل أصبحت بين البضائع الحرفية التقليدية وبين البضائع الحديثة الأوروبية، وبالطبع تفوقت أوروبا صناعياً واخترقت الأسواق العثمانية، مما تسبب في تدمير الاقتصاد العثماني التقليدي، وانهيار الصناعات الحرفية.

السلطنة، لم تهتم بالتجارة العالمية، ومنحت الامتيازات للأوروبيين منذ وقت مبكر من نشأتها، خصوصاً في عهد السلطان محمد الثاني، وصولاً إلى عهد سليمان القانوني (1520-1566)، الذي قام بعقد معاهدة امتيازات تجارية مع فرنسا 1535، لتصبح النموذج الذي سارت عليه جميع المعاهدات العثمانية مع أوروبا، لكن رغم ذلك كانت حكومة السلطان غنية اقتصادياً، بفضل الغزو والضرائب، بغض النظر عن تردي أحوال الفلاحين وسكان المدن، وهم القوة المنتجة في السلطنة.

عوامل الضعف
هناك عدة عوامل كانت السبب في ضعف السلطنة، وانهيارها، ويأتي العامل السياسي على رأسها، حيث تمثل في تدهور صفات السلطة العثمانية، ابتداءً من السلاطين مروراً بالبيروقراطية وصولاً إلى القضاء، فقد تولى عدد كبير من السلاطين غير المدربين، وغير المهتمين بأمور الدولة، بسبب تقليد تصفية أو إبعاد المتنافسين عن السلطة. كما انخفضت كفاءة الصدور العظام، بسبب الدسائس والمؤامرات التي لعبت فيها الجواري ومحظيات السلاطين دوراً كبيراً. 

مظاهر الضعف السالفة، ترتب عليها أن عمت الفوضى وانتشر الفساد، لخدمة المصالح الشخصية الضيقة، وانتشرت القلاقل الداخلية وعدم استقرار الأمن بين جنبات السلطنة. الفساد تفشى في كل مستويات الجهاز الإداري داخل الدولة العثمانية، منذ القرن الـ 17.

مظاهر الضعف العسكري، تمثلت في انهيار نظام الإنكشارية التي كانت بمثابة عماد الجيش العثماني، وكانت سبب التفوق العثماني، لأنها كانت تفوق الجيوش الإقطاعية الأوروبية انضباطاً وكفاءة وتسليحاً. الإنكشارية، تحولت إلى مصدر للفوضى والاضطراب الداخلي، ومبعث للعديد من الهزائم العسكرية. 

التخلف العثماني العلمي والتقني، كان أحد أسباب مشكلة الإنكشارية، فقد فشل العثماني في التحول من نمط الجيوش القديمة إلى الجيوش البرية الحديثة، التي تعتمد على المدفعية والمشاة، وتقوم على التجنيد.
مظاهر الضعف الاقتصادي، تمثلت منذ منتصف القرن 16، في ارتفاع تكلفة الحياة ، وارتفاع الأسعار، وزيادة التضخم، وزيادة الضرائب. الخزانة العثمانية، عانت من نقص الأموال، بسبب مساوئ النظام الضريبي، واستنزاف الإيرادات العامة في نفقات غير رشيدة وغير قانونية، أو بسبب الفساد.

الحاج خليفة أحد مسؤولي المالية العثمانية عام 1650، رصد هذه المشاكل، ومنها ظاهرة تدهور الريف، وترك الفلاحين للقرى، ومن ثم دمار الزراعة العثمانية، وأرجع السبب إلى استنزاف الضرائب والفساد المتمثل في الرشاوى وبيع الوظائف للخزانة العامة، ومن ثم كان له آثار سلبية على الكيان الاجتماعي.

الإسراف في نفقات السلطان والأسرة الحاكمة، كان أحد أسباب استنزاف الخزانة، وكانت زيادة الضرائب  الحل السهل للمسؤولين، مما ترتب عليها هروب جماعي للفلاحين من القرى.
هناك عامل مهم وهو ضعف العلاقة بين المركز (إسطنبول) والأطراف (الولايات التابعة في شرق أوروبا والمنطقة العربية وآسيا)، بسبب سوء نظام الحكم العثماني في هذه الولايات، ومشكلة الأقليات الدينية والقومية فيها.

تدهور نظام الحكم العثماني بالولايات، كان أحد أسباب ظهور الفكر القومي في مواجهة مساوئ الاحتلال العثماني. اهتمام المحتل، اقتصر على جني الضرائب وتحقيق مكاسب من وراء هذه الولايات، لدرجة أدت إلى توترات أهلية وطائفية وحركات انفصالية.

أزمة التنوع
مشكلة التنوع العرقي والديني والقومي، كانت أحد أسباب ضعف السلطنة، التي لم تنجح في إدارة هذا التنوع، وكان الحل هو الحكم اللامركزي، بدلاً من المركزية، التي تسببت في شعور الأقليات والأعراق غير التركية بالاغتراب عن السلطنة.

بجانب تلك العوامل، هناك عوامل أخرى تمثلت في غياب التعليم الحديث، وغياب مناخ من الحرية الخلاقة لنمو الإبداع والابتكار، بتعبير أوسع كانت السلطنة، إمبراطورية من القرون الوسطى، تقوم على دعم طبقات ضيقة من الإقطاعيين والقادة العسكريين والوجهاء، في عصر الدول القومية الحديثة.

السلطنة العثمانية، لم تعرف مفهوم المواطن، أو الحرية الفردية ولم يكن هناك قانون أو حقوق معروفة للفرد، كانت إمبراطورية استبدادية، تقوم على جباية الضرائب، ولم تنجح في الانتقال من نمط الإنتاج التقليدي، إلى الاقتصاد الصناعي الرأسمالي، فتحولت إلى التبعية الاقتصادية والثقافية.

وفاة الرجل المريض
العوامل السابقة وغيرها، كانت السبب في ضعف السلطنة، واضطراب أوضاعها الداخلية، فتحولت الدولة العثمانية إلى موقف التابع في النظام الدولي، ولم تعد تملك صناعة القرار الخاص بشؤونها، مما سمح للقوى الأوروبية بالتدخل لتحقيق مصالحها على حساب السلطنة.

السلطنة، لم تشهد الصناعة الحديثة أو نظاما ماليا مستقرا، لذا تعرضت للإفلاس عام 1875، وتم إنشاء صندوق للدين بإدارة أوروبية، تولى إدارة الاقتصاد العثماني لصالح سداد القروض الأوروبية.
الخوض في تفاصيل الانهيار الداخلي للدولة العثمانية على جميع المستويات، يحتاج مجلدات، لكن ما يخلص إليه التمهيد السابق، هو أن الانهيار التام للسلطنة كان محصلة طبيعية لعوامل التفكك الداخلي، قبل أن يكون نتاج تدخل قوى خارجية.
الدولة العثمانية، منذ نشأتها وهي في صراع مع قوى أوروبية، وكانت الغلبة في الصراع لها، طالما ظلت الجبهة الداخلية قوية، ولم تنتكس السلطنة في علاقاتها الدولية، إلا عندما انتكست أوضاعها الداخلية.

إن المسؤول الوحيد عن انهيار السلطنة هم العثمانيون أنفسهم، أما العامل الخارجي فهو محصلة تابعة لهذا الانهيار، وعلى الرغم من ذلك فقد سعت الدول الأوروبية إلى المحافظة على بقاء السلطنة، خصوصاً بريطانيا التي بذلت جهوداً حثيثة في القرن التاسع عشر، لدعم الإصلاحات العثمانية، منعاً لسقوط السلطنة.
دخول العثمانيين الحرب العالمية الأولى عام 1914، كتب شهادة وفاة الرجل المريض، مثلما كتب شهادة وفاة إمبراطورية النمسا - المجر، ودولة ألمانيا القوية.

المصادر :


Qatalah