يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"كل ما تقوله يجب أن يكون صوابا، لكن ليس من الصواب قول كل الحقيقة" ،جملة براقة توحي بأن قائلها رجل حكيم، يتحدث الحكمة، لكن المفاجأة أنها خرجت من فم الروائي التركي ياووز بهادر أوغلو، الرجل الذي لم يستح من تزوير التاريخ من خلال أعماله الأدبية (30 رواية) بما يتوافق مع رؤية العثمانيين الجدد القائمة على خدمة مشروع التوسع والهيمنة وسرقة شعوب المنطقة.

ياووز بهادر أوغلو جمع أنقاض الدولة العثمانية المقبورة ليصنع منها أساطير عن حكام وسلاطين آل عثمان، مستخدما قدراته على تزييف الوقائع، بكتابة سرديات قائمة على الخداع ، فيما يعترف بأنه صاحب تأثير على الأجيال التي تحكم تركيا الآن، حيث قال في إحدى مقالاته بصحيفة "يني عقد": "نشأ حكام اليوم على كتبي".

بولاية ريزه (شمالي شرق تركيا) ولد بهادر أوغلو سنة 1945، باسم نيازي برنجي، بدأ العمل في الصحافة عام 1971 بإسطنبول كمراسل وباحث وكاتب عمود في صحيفتي "يني ناصيل" و"يني آسيا" اليومية، وفي العام التالي بدأ كتابة أول أعماله صونجور أوغلو (Sunguroğlu) ونشر الرواية باسمه الأدبي ياووز بهادر أوغلو.

"بخارى تحترق" "Buhara Yanıyor" التي نشرها عام 1975 واحدة من أكثر الروايات مبيعًا في تركيا، تناولت أحداثها الفترة التي هجم فيها المغول على مدينة بخارى بوسط آسيا عام 1220 وأحرقوها وقتلوا أهلها،  ومن ثم هروب السلطان علاء الدين خوارزم شاه بعائلته من أمام جحافل جنكيزخان حتى مات غريبا شريدا في جزيرة نائية ببحر قزوين. 

شريك أربكان 
نجاح "بخارى تحترق" أغراه بالتركيز على إنتاج أعمال تاريخية تخدم مشروعه القائم على  استخدام التاريخ كأداة لاستعادة "الأمجاد العثمانية" وإحياء نزعة إسلامية قومية متشددة.

انخراط بهادر أوغلو في مشروعه لإعادة تلوين التاريخ العثماني بما يناسب رؤية العثمانيين الجدد، تزامن مع ظهور نجم الدين أربكان على الساحة السياسية بتأسيس "النظام الوطني" عام 1970، أول حزب تركي بصبغة إسلامية متشددة منذ سقوط الدولة العثمانية عام 1924.

مساران متوازيان عرفتهما تركيا منذ سبعينيات القرن الماضي وصولا إلى مرحلة إردوغان، الأول ما يمكن وصفه بالتنظير السياسي لمشروع العثمانيين الجدد ووضعه نجم الدين أربكان في "مللي غوروش"، الذي يعد مانفستو أصدره أربكان في عام 1969 وانبثقت عنه سائر الحركات والأحزاب الدينية، في تركيا الحديثة، بدءا من "النظام الوطني" وانتهاء بـ "العدالة والتنمية" الذي يحكم أنقرة منذ عقدين. 

حركة أربكان التي تعني بالتركية "الرؤية الوطنية" استهدفت  إقامة دولة إسلامية على أنقاض الجمهورية الكمالية العلمانية متخذا من الأفكار التكفيرية التي صاغها سيد قطب في مصر معينا ومرشدا له، وتقوم على استخدام الدين كأداة للوصول إلى السلطة، والعمل على إجهاض الدولة التركية الحديثة التي أسسها مصطفى كمال أتاتورك والعودة إلى التراث العثماني مباشرة.

بالتوازي مع التنظير السياسي، ظهر بهادر أوغلو بمشروعه الروائي كرديف لأفكار أربكان السياسية، من خلال أكثر من 30 رواية تتناول مختلف عصور الدولة العثمانية، فضلا عن عشرات المقالات في الصحف والظهور عبر الإذاعة والتلفزيون.

أفكار العثمانيين الجدد القائمة على الحنين للماضي، واستعادة أمجاد العثمانيين مع طمس كامل لجرائمهم في حق الشعوب المحتلة، من أجل حشد الأتراك خلف أربكان ومن ثم وريثه  إردوغان، هو ما عمل عليه  بهادر أوغلو. 

ليس غريبا أن يطل بهادر أوغلو عبر الإذاعة الوطنية بشكل شبه يومي فضلا عن كتابة عمود في صحيفة "يني عقد" الموالية للعدالة والتنمية الحاكم منذ 2002، وكأن المسألة تكريم شبه رسمي للرجل الذي روج لأفكار العثمانيين الجدد بشكل غير مسبوق.

إلى الأطفال توجه بهادر أوغلو أيضا بالكتابة، ألف أكثر من 100 قصة للصغار تدور حول تمجيد العثمانيين وطمس حقائق التاريخ لصالح حاضر نظام حاكم، ولم يكن غريبا أن تصدر قرارات حكومية بنشر وتدريس أعماله لطلبة المدارس في تركيا.

أكذوبة أرطغرل
بهادر أوغلو أول من لفت الأنظار إلى الاستخدام الأيديولوجي لأرطغرل كمؤسس مزعوم لدولة العثمانيين، ونسج أساطير حول سيرته بسبب عدم وجود أصول للعثمانيين في الوثائق وكتب التاريخ ، ما حول العمل الروائي "مرحبا سوغوت .. قيام أرطغرل وانبعاث الدولة العثمانية"، إلى هذيان صريح يكشف فيه بهادر أوغلو عن رغبته في كتابة تاريخ متخيل لا ما كان من الواقع.

لم يجد بهادر أوغلو وقائع تاريخية تسند مزاعمه حول الدور التاريخي المزعوم لأرطغرل، ما جعله يتحدث صراحة في مقدمة العمل الدعائي عن رغبته في العودة إلى فجر التاريخ الإسلامي لنسج أسطورة أرطغرل، فيحاول تأويل الأحاديث النبوية بأنها إشارة لميلاد "البطل" أرطغرل، ويحشد إشارات مزعومة للأولياء عن قدر قبيلة قايي التركية وقائدها أرطغرل في الهجرة من وسط آسيا إلى الأناضول لتكوين دولة العثمانيين.

الثابت أن قبائل الأتراك هاجرت من وسط آسيا هربا من ضغط قبائل المغول الشرسة، التي أذاقتهم  صنوف العذاب وأجبرتهم على دفع الجزية صاغرين، فلم يكن أمام القبائل التركية إلا الهروب نحو إيران ومنها إلى الأناضول حيث عاشت لقرون على النهب والسلب وقطع الطرق، ومن هذا النسب غير الشريف جاء العثمانيون.

المصادر التاريخية تؤكد أن قبيلة قايي تحت زعامة أرطغرل لم تدخل الدين الإسلامي، إلا بعد وصولها آسيا الصغرى لأنها تركت موطنها الأصلي في وسط آسيا تحت ضغط الهجمات المغولية، كما أنها لم تكن مؤثرة في صناعة الأحداث التاريخية، ولم تذكر في كتب التاريخ لأن مجمل قبائل الأتراك في الأناضول خلال هذه الفترة كانت من الضعف بمكان، وتخضع عادة لسلطان السلاجقة أو الأيوبيين.

اختلاق بهادر أوغلو لأسطورة أرطغرل وبطولاته المزعومة، جاءت على هوى العثمانيين الجدد وفي مقدمتهم رجب إردوغان نفسه.

مسلسل "قيامة أرطغرل" عام 2014، تحول إلى أداة جديدة من بين الأدوات الملتوية التي سعى رجب من خلالها لخلق انطباعات مزيفة عن أجداده وتاريخهم الدموي عن طريق الحكي والإثارة لجلب أكبر عدد من المشاهدين دون الالتفات إلى اعتبارات تاريخية أو وقائع ثابتة.

يعترف بهادر أوغلو بأنه على استعداد لأن يعيد كتابة التاريخ على مقياس الهوى باستبعاد كل الوقائع التي تهدم الصورة المثالية التي يحاول ترويجها بالزعم أنه يفعل ما يفعله المؤرخون الغربيون قائلا: "أما نحن فنتجاهل قيمنا، فنصف بعض سلاطيننا بالسكر والثمالة، وبعضهم بالجنون، وبعضهم بالسلطان الأحمر، وبعضهم بالخيانة، ونسمي ملوك الغرب ريتشارد الشجاع، وجين الذي لا يعرف الخوف، وفيليب الوسيم، والإسكندر الكبير"، وهو هنا يحاول الدفاع عن السلطان سليم الثاني المعروف في كتب بالسكير لأن كأس الخمر لم تكن تغادر يديه أبدا.

مجدد العثمانية
من خلال رواياته وقصصه للأطفال ومقالاته في الصحف وأحاديثه في الإذاعة أسس بهادر أوغلو لجيل جديد تربى على أدبيات العودة للعثمانيين، وأفكار يمزج فيها بين ما هو إسلامي وقومي، بوصفه من غلاة القوميين الأتراك، ودائم التشدق بأفضلية القومية التركية معتبرا أن الأتراك قوم امتدحهم النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال: "لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش"، وهو حديث ضعيف متنا وسندا.

المؤرخ المزيف يعمل على إحياء البعد القومي التركي كما ظهر من خلال حديثه عن السلاجقة وعمق تاريخ الأتراك العثمانيين في "مرحبا سوغوت .. قيام أرطغرل وانبعاث الدولة العثمانية"، والتي حاول فيها الربط بين تاريخ السلاجقة وتاريخ العثمانيين بشكل متعسف.

يذكر الأتراك بأجدادهم، ويطالبهم بالعودة إلى حياتهم القديمة في كل شيء حتى في المأكل والمشرب، داعيا الشباب إلى ترك مكونات الغزو الأمريكي الثقافي على البلاد والعودة لأيام العثمانلية، يقول في مقال له في صحيفة "يني عقد": "لا يجوز لأمة أن تقوم بهذه الخيانة العميقة ضد نفسها وتاريخها.. ثم نعود للتعجب والدهشة مما ظللنا نفعله لسنوات، نحن من فعلناه".

يفاخر باحتلال العثمانيين لدول المنطقة، وما ارتكبوه أجداده من مذابح، ويتشدق في أعماله لا سيما في قصص الأطفال بالحروب العثمانية مع أوروبا، ما ظهر ذلك في نموذج "صوب مصر" Mısır'a Doğru وهي رواية تناولت غزو سليم الأول للقاهرة.

مع دراويش الدولة العثمانية اضطلع بدور بارز في إعادة كتابة التاريخ العثماني داخل المناهج التعليمية وساهم في إضافة دروس تتحدث عن انتصارات الدولة لا في معركة "كوت العمارة" التي جرت بين الجيشين العثماني والإنجليزي في العراق خلال الحرب العالمية الأولى، حيث تقرر العودة للاحتفال بهذه المناسبة في المدارس بعد أن كان قد تم إلغاؤها منذ عشرات السنوات.

المؤلف التركي يقف حاليا أمام مشروع أعلنه وزير التعليم الوطني التركي ضياء سلجوق بجعل مناهج التاريخ العثماني اختيارية، وفي آخر تصريح له في أحد برامجه الإذاعية اعتبر مؤرخ العثمانيين الجدد أن القرار بمثابة انحراف يقلل من جودة التعليم ووصفه بغير المقبول.

دعم رجب 
بعد فوز إردوغان في الانتخابات الرئاسية 24 يونيو الماضي بعد انقلابه على النظام البرلماني، قدم بهادر أوغلو التهاني لسلطانه الجديد، وقال إن الشعب عليه أن يلاحظ مصادفة أن إردوغان هو آخر رئيس للجمهورية التركية وأول رئيس للدولة التركية!

في مقاله بصحيفة "يني عقد" قال إن هذا الوقت ليس وقت انتقاد لكنه وقت المساندة، داعيا لوقف أي هجوم على إردوغان، الذي يرى فيه نموذجا للعثمانيين الجدد، لذا لم يكن غريبا أن يخرج للقول بأن دعم العدالة والتنمية في الانتخابات البلدية واجب على جميع الأتراك، وأنه يجب التغاضي عن أخطاء الحزب، لأنه الأقدر على مواجهة ما يحاك ضد الدولة التركية في الخارج، محذرا في حال خسارة العدالة والتنمية لإسطنبول فإن ذلك يعني انتشار الظلام في البلاد على حد قوله.

Qatalah