يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


فساد تحت الرماد، يداريه 17 عامًا من الهيمنة على السلطة، هكذا هو حال تركيا، طوال فترة حكم رجب إردوغان وحزبه العدالة والتنمية، ما دفعه لمحاولات مستميتة لتأجيل إعلان النتائج النهائية وتسليم البلديات إلى الفائزين، لحين إغلاق كل ملفات النهب والفساد.

حزب العدالة والتنمية عطّل سير عملية فرز الأصوات، وأخر إعلان النتائج، لمنح عصاباته مزيدا من الوقت، لمحو كل ما يثبت فسادهم، ومخالفاتهم، ونهبهم للمال العام، طوال سنوات السلطة.

مناقصات تحسم بالمحسوبية، ومشروعات شابها الفساد، ودعم مالي بملايين الدولارات لأبنائه.. كلها أسباب دفعت نظام رجب إردوغان للاستماتة في عدم التسليم بخسارة البلديات الكبرى خاصة في أنقرة وإسطنبول خوفًا من فضح جرائمه.

في تقرير موسع نُشر الجمعة، وقفت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية على أسباب مماطلة حزب العدالة والتنمية في الاعتراف بخسارة الانتخابات البلدية في كبرى المدن التركية، كاشفة جملة من الأساليب الملتوية التي اتبعها نظام إردوغان لاستمرار حكمه المحلي لنحو 17 عامًا.

ملفات الفساد
في مؤتمر صحافي الأربعاء، تعهد عمدة إسطنبول الجديد أكرم إمام أوغلو، بإجراء مراجعة مستقلة لدفاتر البلدية التي سيطر عليها حزب العدالة والتنمية منذ 2002، لافتًا إلى أن الحزب الحاكم يحاول محو السجلات من أجهزة الكمبيوتر.

إمام أوغلو أعلن امتلاكه دليلا على استعانة البلدية بشركة تقنية للمساعدة في إلغاء بيانات من حواسيبها، وناشد موظفي البلدية بالالتزام بالسلوكيات الصحيحة وعدم تدمير الممتلكات الحكومية.
قال: "عندما يتم تفويضي سوف نمضي قدما في العديد من القضايا، ونبدأ في مشاركتها مع الرأي العام"، لافتًا إلى أنه لا يرغب في مراجعة موازنة بلدية إسطنبول فحسب، لكن أيضا الشركات الخاصة والشركاء التابعين لها.

وطلب إمام أوغلو بضرورة الإعلان السريع عن النتائج قائلا: "نريد العدالة. نريد شهادة انتخابنا"، متهمًا حزب العدالة والتنمية باللعب بهدف تنظيف آثار ما اقترفوه من جرائم.

إمام أوغلو تعهد بتشريع قواعد جديدة تتسم بالشفافية والمعايير الدولية للمحاسبة عندما يتولى زمام الأمور، متابعًا: "هذه العملية تتطلب الشفافية المطلقة. إذا أردت حكم إسطنبول التي يعيش فيها 16 مليون نسمة، ينبغي أن تطور نموذجا مثاليا، وهو ما أصبو إليه".

المرشح الخاسر للعدالة والتنمية على رئاسة البلدية بن علي يلدريم، رئيس الوزراء السابق، اتهم أوغلو بمحاولة اكتساب دعم من الخارج من خلال إثارة الجدل. ومضى يقول: "لا تملك حق العبث بأعصاب الدولة".



في مقال بصحيفة جازيت دوفار الإلكترونية الثلاثاء، قال الصحافي بهادر أوزجر، المتخصص في شؤون الأعمال، إن بلدية إسطنبول تعد "البطن الناعمة لحزب العدالة والتنمية" لافتًا إلى العمل على طريقة العدالة والتنمية سينتهي بمجرد دخول المراجعين المستقلين البلدية ويفضحون بالاسم حجم الأموال التي تم تحويلها وهوية الفائزين بالمناقصات من الأقارب والأشقاء والأعمام.

صحيفة نيويورك تايمز قالت: إن تعهد إمام أوغلو بإجراء مراجعة لملفات البلدية يزيد بشكل دراماتيكي المخاطر بالنسبة لإردوغان الذي تلقى هزيمة انتخابية مذهلة مساء الأحد في المدن التركية الكبرى كأنقرة وإسطنبول وأزمير وأنطاليا وأضنة وغيرها.

مصادر الثروة
ولم يقر إردوغان وحزبه العدالة والتنمية  بالهزيمة أمام المعارضة في إسطنبول حتى الآن، كما لم تعتمد اللجنة العليا للانتخابات بعد نتائج اقتراع الأحد، فيما قال مسؤولون بالمعارضة إن الإجراءات القانونية قد تستغرق أسبوعا أو أكثر للبت فيها.

ومنذ مساء الأحد، انتشرت لافتات ضخمة  في إسطنبول لإردوغان ومرشحه بينالي يلدريم في إشارة إلى ثقة الحزب من فوز مرشحه.

الصحيفة الأمريكية لفتت إلى أن إردوغان فاجأ الكثيرين بضراوة حملته في الانتخابات المحلية في إسطنبول وأنقرة، وأرجعتها إلى أهمية المدن الكبرى كمصدر للثروة لشبكة عائلته وأصدقائه.

الصحافية الاستقصائية بصحيفة Sozcu جيجديم توكر، قالت إن ما يجعل الخسارة ثقيلة على حزب العدالة والتنمية بقيادة إردوغان هو سر يعرفه الجميع، موضحة  أن إسطنبول وأنقرة تحظيان بأهمية قصوى للرئيس التركي لكونهما "مركزي توزيع الموارد المالية".

أشارت إلى خطورة اعتراف إردوغان بالخسارة في المدن الكبيرة قائلة: "إننا نتحدث عن عشرات الآلاف من المناقصات، والموارد المالية بمئات المليارات وسلطة إنفاقها".

نيويورك تايمز قالت إن تولي إدارة جديدة في إسطنبول يعني إلغاء فيض من عقود البلدية التي تتعلق بمشروعات بناء وخدمات، وذهبت إلى رجال أعمال من ذوي الحظوة، كما قد يعني وضع نهاية لمدفوعات بملايين الدولارات إلى أوقاف خيرية ومؤسسات تديرها عائلة إردوغان.

أوضحت أن مشروعات البناء لطالما كانت عنصر النجاح الذي يحمل توقيع إردوغان من المساكن العامة إلى مشروعات البنية التحتية ومشروعات باهظة التكاليف مثل الكباري والمساجد، فيما أكد معارضون أن عقود الحكومة تذهب إلى شركاء أعمال مفضلين لدى الرئيس التركي وأن حزب العدالة والتنمية يتلقى أموالا مقابل كل صفقة.


فساد العائلة
في يناير الماضي، نشرت جيجديم توكر تفاصيل مدفوعات قدمتها بلدية إسطنبول عام 2018 إلى مؤسسات وجمعيات خيرية يديرها أبناء إردوغان وزوجاتهم.

وكتبت توكر أن مؤسسة الشباب الأتراك التي يشترك نجل إردوغان، بلال في مجلس إدارتها، تلقت من البلدية عام 2018 تمويلا قيمته 74 مليون ليرة، أي حوالي 13 مليون دولار بأسعار الصرف الحالية.

كما تلقى نادي الرماية الرياضي الذي يضم في مجلس إدارته بلال إردوغان، حوالي 16 مليون ليرة- 2 مليون دولار-، والذي يضم  بلال إردوغان، فيما تحصلت مؤسسة الخدمات التعليمية والشبابية "تورجيف" التي يضم مجلس إدارتها نجلة إردوغان، إسراء على ٥١ مليون ليرة -٩ ملايين دولار- وفقا لما نشرته توكر.

أما مؤسسة" فريق التكنولوجيا التركية" المعروفة باسم "تي ٣" والتي يرأسها صهر إردوغان سلجوق بيرقدار، تلقت تمويلا بقيمة ٤١ مليون ليرة -حوالي7 ملايين دولار.

توكر اعتمدت على تقرير بلدية إسطنبول لعام ٢٠١٨ والذي لم ينشر علنا كمصدر لمعلوماتها مما يؤكد حساسية إردوغان تجاه نشر المعارضة لتلك الوثائق على نحو أكبر نطاقا.


معضلات
الصحيفة الأمريكية لفتت إلى أن الديون باتت تثقل كلا من بلديتي أنقرة وإسطنبول، مبينة أن رفض إردوغان الذي يسيطر على الموازنة المركزية تخصيص تمويلات لهما سيزيد من معاناتهما.

في خططه بشأن رئاسته لبلدية إسطنبول، أكد أكرم أوغلو أنه استعد لمواجهة هذا الانتقام منوها إلى ثقته أن إسطنبول تستطيع توليد أموال كافية لإدارة نفسها.

ولفت أنه تلقى إشارات دعم من عناصر بارزة بالجهاز الحكومي التركي إن لم يكن من الصفوف الأدنى بالحكومة التي يظل فيها الدعم للرئيس التركي مرتفعا.

بصفته رئيسا،  يحتفظ إردوغان بصلاحيات جارفة مما قد يجعل الأمر صعبا لرؤساء البلديات المقبلين وفقا لمدير مكتب أنقرة لمركز صندوق مارشال الألماني، لأوزجر  أونلوهيسارجكلي.

أوضح أن حزب العدالة والتنمية سوف يسيطر على مجالس البلديات وسيكون لديه كلمة في كيفية تخصيص الموازنة، لافتًا إلى أن مثل هذه السيطرة المالية لطالما شكلت مصدر دعم لإردوغان.

نيويورك تايمز أشارت إلى أن هناك  بالفعل علامات مفادها أن الحكومة تبحث عن طرق لاستمرار السيطرة على الموارد، حيث اتخذت وزارة الداخلية خطوات لتحويل موافقات المناقصات التي تزيد على كمية معينة بعيدا عن السلطات البلدية لتكون تحت السيطرة الشخصية لإردوغان.

Qatalah