يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


كان الصحافي الأرمني التركي هرانت دينك في طريقه إلى صحيفة آغوس، التي يرأس تحريرها، قبل أن يفاجئه شاب لم يتعد عمره 17 عامًا، يدعى  أوغون ساماست، بإطلاق ثلاث رصاصات غادرة، أنهت حياة كاتب اُشتهر بدفاعه عن القضية الأرمنية وحقوق الأقليات، وانتقاد إنكار أنقرة لجرائم التهجير والإبادة.

أكثر من 12 عامًا مرت على حادث اغتيال دينك، ومازالت صرخات قاتله تدوي في أنحاء تركيا حتى الآن"قتلت الخائن"، فيما تواصل حكومة إردوغان  حماية بعض عناصر الاستخبارات التركية الضالعين في جريمة قتل الصحافي الأرمني، وعدم مثولهم لتحقيق قضائي.

في تقرير موسع نُشر أمس الخميس، وقف موقع "نورديك مونيتور السويدي" على ملابسات مقتل دينك، فاضحًا تستر أجهزة دولة إردوغان، وعلى رأسها الشرطة والجيش والاستخبارات والإعلام والقضاء على تلك الجريمة البشعة.

المتهمون
إلى جانب جهاز الاستخبارات، طالت الاتهامات بالمشاركة في قتل دينك، مسؤولين بارزين في المديرية العامة للأمن التركي، وكذلك بعض قيادات الجيش. 

بحسب "نورديك مونيتور"، تسببت تأكيدات إردوغان بأن قتل دينك مجرد جريمة شخصية وليست مؤامرة، في إغلاق التحقيق، والتوقف عن ملاحقة مدبري الجريمة، ومن يقفون وراء القاتل المأجور.

علاوة على ذلك، ورغم الالتماسات المتكررة التي قدمها محامو عائلة الضحية، والمتهمون الذين قُدموا كبش فداء في القضية، دون أي أدلة ضدهم، منعت السلطات أيضًا أي موظف في جهاز الاستخبارات من الإدلاء بشهادته في المحكمة، لتأكيد أو نفي الروايات التي استمعت لها المحكمة.

الموقع السويدي أرجع ممارسات سلطات العدالة والتنمية المتعنتة ضد التحقيق، إلى أن مدبري الجريمة يحظون بحماية شخصيات نافذة داخل جهاز الاستخبارات التركية، لافتًا إلى أن الجريمة وقعت في بيئة متساهلة تسمح بنمو مشاعر الحقد والكراهية ضد الأرمن تحديدًا، والمسيحيين بشكل عام.

عملية سرية
في السنوات التي سبقت قتل دينك، أطلق مجلس الأمن القومي التركي عملية سرية ضد الأقلية الأرمنية، بالمشاركة مع القوات المسلحة وجهاز الاستخبارات، بدأت عام 2003.

وزودت القوات المسلحة وجهاز الاستخبارات، مجلس الأمن بالمعلومات والوثائق ذات الصلة، لكن الشرطة تحفظت على المشاركة في العملية، خوفًا من أن يؤدي استمرار غياب الأمن إلى تأجيج المشاعر القومية. 

كتاب عن جريمة قتل هرانت دينك، أصدره الصحافي الاستقصائي بايرام كايا، كشف فيه أن ضابطًا عسكريًا كبيرًا حذر قائدًا للشرطة، وحث المديرية العامة للأمن على التركيز على ما يسمى بـ"التهديد التبشيري الأرمني" - المبشرين المسيحيين - باعتبارهم خطرًا على الوطن.

كايا يقبع في السجن منذ أكثر من ثلاث سنوات، لكشفه أسرار جريمة القتل، وفضحه مشاركة عناصر الاستخبارات والفروع العسكرية للحكومة فيها.

 في 11 أكتوبر 2006، ناشد بطريرك الأرمن في تركيا ميسروب الثاني موتافيان - توفي في مارس الماضي - السلطات التركية، من أجل ضمان أمن مؤسسات الطائفة الأرمنية، وأُحيل التماسه إلى مديرية أمن إسطنبول بعد ذلك بيومين. 

في وقت سابق، وتحديدًا في 28 يناير 2004، أشار موتافيان إلى أن موقعًا على الإنترنت يوضح طريقة صنع القنابل ويستهدف المؤسسات الأرمنية، فيما احتجزت شرطة إسطنبول شخصًا على صلة بهذا الموقع، واعتُقل بشكل رسمي في الشهر التالي، وتم إغلاق الموقع.

المديرية العامة للشرطة الوطنية في أنقرة، حذرت في 12 أكتوبر 2006، الإدارات التابعة لها في المقاطعات من وقوع استفزازات محتملة، في ظل مناقشة مشروع قرار حول الإبادة الجماعية للأرمن في البرلمان الفرنسي.


تهديدات
ضمن عشرات الآلاف من الصفحات الموجودة في وثائق المحكمة، عن جريمة قتل الصحافي الأرمني، لم يقدم جهاز الاستخبارات سوى ثلاث صفحات منها، تحدثت عن دراية الجهاز بتلقي دينك تهديد بالاغتيال في مدينة سيدني بأستراليا عام 2003، وادعى التواصل معه لتحذيره من المخطط المزعوم.

بحسب "نورديك مونيتور"، فإن وزارة الخارجية التركية هي من قدمت هذه المعلومات، في 17 يناير 2003، بناءً على إخبارية وصلت إليها، وشاركتها لاحقًا مع كل من المديرية العامة للأمن، وجهاز الاستخبارات.

المعلومات أفادت بأن دينك كان مهددا باعتداء مسلح أثناء تواجده في أستراليا، لحضور أحد المؤتمرات.

بحسب الموقع السويدي، كانت سلطات أنقرة تدرك جيدًا التهديدات التي يتعرض لها دينك، حيث قدّم محاموه دعوى جنائية إلى مكتب المدعي العام في شيشلي، بخصوص رسائل التهديد بالقتل التي تلقاها.

مذكرة استخباراتية للشرطة، مؤرخة 3 يوليو 2006، وتمت مشاركتها مع جميع الأجهزة الأمنية، بما في ذلك الاستخبارات، أشارت إلى استهداف جماعات تابعة لـ "تنظيم الذئاب الرمادية القومية" وهي  منظمة تركية يمينية متطرفة، الصحافي الأرمني، ورغم ذلك لم يتم توفير الحماية اللازمة لضمان سلامته.

الاجتماع الفضيحة
الحادث الأكثر خزيًا، والذي كشف عن حملة جهاز الاستخبارات لتخويف الصحافي الأرمني، وقع في 24 فبراير 2006 بمبنى مكتب رئيس بلدية إسطنبول، عقب مكالمة هاتفية من رئيس هيئة الأركان العامة إلى المستشار في جهاز الاستخبارات آنذاك، شانكال أتاساجون.

رئيس هيئة الأركان طلب من جهاز الاستخبارات إخافة دينك ، بسبب مقالات تنشرها صحيفة "أغوس" التي يرأس تحريرها. 

دينك نشر في الصحيفة الأرمنية قصة صحافية عن صبيحة جوكتشن، الطفلة التي تبناها مؤسس تركيا الحديثة مصطفى كمال أتاتورك، وأول قائدة طائرة تركية، ألمح فيها إلى أن جوكتشن يمكن أن تكون واحدة من بين آلاف الأرمن الذين يتِّموا في 1915، عندما واجه الأرمن تشريدًا قسريًا أدى إلى سقوط آلاف القتلى.

بناءً على تعليمات أصدرها ضباط كبار بالجيش، كلف المستشار في جهاز الاستخبارات أتاساجون، حسين كوبيلاي غوناي، المدير الإقليمي لمكتب الجهاز في إسطنبول، بإيصال الرسالة إلى دينك.

قرر غوناي ورئيس بلدية إسطنبول آنذاك معمر غولر، عقد اجتماع مع دينك في مبنى مكتب رئيس البلدية في 24 فبراير 2004.، حضر الاجتماع مع الصحافي الأرمني، كل من إرغون غونغور، نائب رئيس بلدية إسطنبول السابق، وأوزال يلماز، نائب المدير الإقليمي لمكتب الاستخبارات في إسطنبول، والذي كان يرأس أيضًا إدارة مكافحة الإرهاب بالجهاز، بالإضافة إلى هاندان سلجوق، عميل آخر في جهاز الاستخبارات.

وفقًا لشهادة إرغون غونغور، تعرض دينك خلال الاجتماع لتهديدات من مسؤولي جهاز الاستخبارات، إذا استمر في الإدلاء بتصريحات مثيرة للجدل، في إشارة إلى تقاريره حول صبيحة جوكتشن.

 لم يتم إخطار شرطة إسطنبول بالاجتماع، الذي عُقد بعد أسبوع من التصريح الذي أدلى به دينك، قائلًا إن جوكتشن في الحقيقة يتيمة أرمنية.
 
أثناء الاجتماع، تم تهديد دينك، وقيل له "نحن نعرف من أنت، لكن المجتمع ربما لا يعرفك، ونحن قلقون من أن المجتمع قد يعجز عن فهم مثل هذه الأشياء التي تقولها". 

اعترف دينك فيما بعد، في مقاله الأسبوعي أنه تعرض لتهديدات، تلك التي وصفها المسؤولان في الاستخبارات التركية بأنها ليست أكثر من "تحذير".

نفي
تعقيبًا على الاجتماع، قال الموقع السويدي إن مسؤولي الاستخبارات  أرادا توجيه تحذير شخصي لدينك، يتسق مع البيان شديد اللهجة الذي أصدره مكتب رئيس هيئة الأركان العامة، في 22 فبراير 2004، بخصوص التقارير التي ينشرها عن صبيحة جوكتشن. 

الاستخبارات نفت تهديد دينك، وزعمت عدم امتلاكها أية معلومات أخرى عنه، فيما أكد "نورديك مونيتور" أن ادعاءات الجهاز غير صادقة، نظرًا لتعرض الصحافي الأرمني لتهديدات مستمرة، من قبل الجماعات ذات النزعة القومية، والقومية الجديدة.

 لم يتم فتح أي تحقيق مع جهاز الاستخبارات حول الاجتماع مع دينك، ولم يُستدع أي مسؤول في الجهاز للإدلاء بشهادته أثناء المحاكمة، كما رفضت سلطات إردوغان محاكمة غونغور، نائب رئيس بلدية إسطنبول، ويلماز، العميل في الاستخبارات، مما دفع عائلة دينك إلى إحالة القضية إلى المحكمة الدستورية.

ملاحقة دينك
دينك كان هدفًا للدوائر القومية، وتعرض لملاحقات قضائية شرسة، ودعم عدد من عناصر الجيش والشرطة والاستخبارات جهود ملاحقته، لكن بشكل حذر.

في 16 أبريل 2004، أُدين دينك بتهمة إهانة الدولة التركية، وحكمت عليه محكمة شيشلي الثانية الابتدائية في 7 أكتوبر 2005 بالسجن لمدة ستة أشهر مع إيقاف التنفيذ.

في 1 مايو 2005، أيدت  الدائرة التاسعة لمحكمة الاستئناف العليا حكم الإدانة، فيما رفضت الدائرة العليا لمحكمة الاستئناف العليا طلب الاستئناف على الحكم في 11 يوليو 2006.

صاحب الدعوى التي أدت إلى محاكمة دينك، كان رجلًا بدا كأنه عامل بناء عادي، لكن "نورديك مونيتور" أكد  صلاته بالاستخبارات.

 بسبب مقابلة أجراها مع وكالة رويترز، رُفعت دعوى ثانية على الصحافي الأرمني، بتهم مماثلة في 14 يوليو 2006.، في تلك الأثناء، اشتدت حملة تشهير أطلقتها وسائل الإعلام التركية ضد دينك.

أعرب القائد السابق للفيلق الأول في الجيش التركي خورشيد تولون، عن رفضه التام لكل ما ينشره دينك، ووصفه بـ"جريمة ضد الوحدة الوطنية" في مقابلة مع صحيفة "حرييت".

في وقت لاحق، أُدين تولون بالانتماء لجماعة غامضة ذات نزعة قومية جديدة، متوغلة داخل أجهزة الأمن التركية، لكن إردوغان تدخل لإنقاذه من أي مشكلات قانونية، تمامًا مثلما فعل مع كثيرين ممن استهدفوا دينك.

إدانات دولية
تواطؤ دولة إردوغان مع المشتركين في اغتيال دينك، دفع المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان إلى إدانتها، لتقاعسها عن توفير الحماية له، ونص قرارها على أن "السلطات كانت على علم بأن متطرفين يخططون لعملية الاغتيال، لكنها لم تتخذ الإجراءات الكفيلة بحمايته"، وقضت بتغريم أنقرة تعويضا لأسرة الصحافي القتيل قيمته 105 آلاف يورو.

في 16 ديسمبر 2012، قالت منظمة العفو الدولية إن السلطات فشلت في معالجة تورط مسؤولين في الدولة في مقتل الصحافي الأرمني هرانت دينك، بعد إغلاقها ملف قضيته وإنهاء محاكمة المتورطين دون عقاب.

Qatalah