يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


قطعة عجين يشكلها رجب إردوغان كما يشاء، مرة عمدة لبلدية أرزينجان وأخرى نائبا في البرلمان، وثالثة وزيرا ورابعة رئيسا للوزراء، وأخيرا مجرد مسخ في منصب رئيس البرلمان.. إنه بن علي يلدرم المنحدر من عائلة كردية، معروف بضعف شخصيته، وقلة طموحه، وضيق أفقه، فاشل في التحدث أمام الإعلام والجماهير.. جميعها صفات سيئة أهلته ليكون دمية إردوغان.
يلدرم المولود في مدينة أرزينجان عام 1955، انتقل إلى إسطنبول في طفولته، ودرس العمارة البحرية وهندسة المحيطات في جامعة المدينة، وبعد تخرجه عمل مديرا لشركة إسطنبول للعبارات السريعة بداية من 1994، وهو العام الذي تولى فيه إردوغان رئاسة المدينة.
من حينها التصق به كظله حتى الوقت الحالي، فكان دمية للديكتاتور يحركها أينما يشاء سواء في الحزب أو الحكومة أو البرلمان، بالإضافة إلى أن تخصصه في الهندسة والملاحة جعله يتولى الإشراف على عدد من مشاريع البنى التحتية والنقل البحري، ولا يوجد تخوف لدى النظام الحاكم من توجهاته، لقناعة راسخة بأنه يرتضي بفتات الفساد من أجل الثراء بلا طموحات سياسية تهدد سيده في القصر الأبيض.
اللافت للنظر أن يلدرم، فشل في الفوز برئاسة بلدية إزمير في الانتخابات المحلية مارس 2014، بسبب ضعف شخصيته وضحالة فكرة السياسي إلا أن إردوغان أراد الاحتفاظ به في المنصب الأعلى رئاسة الحكومة العام 2016، ما يعكس تفكير الديكتاتور التركي، واختياراته لحاشيته وفق قاعدة الولاء والسمع والطاعة بدلا من الخبرة والكفاءة.
استحق يلدرم سخرية الأتراك عندما ذرف دموع التماسيح عقب مسرحية الانقلاب في 2016، مهددا من وصفهم بـ"المذنبين" بالإعدام، رغم أن العقوبة تم حذفها من قانون العقوبات التركي، لكنها كانت بمثابة مقدمة لفتح النقاش بشأنها فيما بعد. 
يلدرم، وزير المواصلات والنقل والاتصالات في حكومات حزب العدالة والتنمية منذ العام 2002 حتى 2016، وباستثناء العام 2014 وبضعة شهور في 2015، تفرغ فيها للعمل الحزبي، وظل قانعا بدوره من دون طموحات عالية، حتى وقع الخلاف بين أحمد داوود أوغلو وإردوغان، بسبب رغبة الأخير بالانتقال إلى النظام الرئاسي وجمع الصلاحيات كافة، ما رفضه أوغلو فاستقال من رئاسة الحزب وبالتالي من رئاسة الحكومة مايو 2016، من وقتذاك فُتحت شهيته للمنصب الرفيع.



الخادم المطيع

فور استقالة أوغلو قدم يلدرم نفسه بوصفه خادما مطيعا لرغبات سيده وتوالت تصريحاته في الصحف مفادها "الآن، افتحوا المجال أمام النظام الرئاسي"، سريعا تلقف إردوغان الرسالة واختاره ليتولى رئاسة الحزب ومن ثم قيادة الحكومة، فسارع إلى إثبات ولائه للفكرة، فأكد - دون خجل- أن من بين أولوياته تعديل الدستور لمنح سلطات أكثر لمنصب رئيس البلاد، وهو التعديل الذي ألغي على إثره منصب رئيس الوزراء، ليتولى رئيس الجمهورية المنصبين.
مطيع إردوغان حشد بقوة الأتراك لتأييد استفتاء التعديلات الدستورية الذي أجري في أبريل الماضي، فخصص مؤتمرات دعائية للدعوة إلى الموافقة على الاستفتاء، معتبرًا تأييد التعديلات بأنه تصويت للاستقرار.
قال، خلال مؤتمر دعائي لهذه التعديلات نظمه أعضاء حزب العدالة والتنمية في ملعب رياضي بأنقرة: "الإصلاحات فرصة تاريخية لبلادنا…في وجود رئاسة قوية وحماية من الجيش ستصبح الانقلابات العسكرية وجماعات النخبة شيئا من الماضي".
بعد أن نفذ بعناية دوره في الدعاية للتعديلات الدستورية التي غيرت نظام الحكم من البرلماني إلى الرئاسي، وضمنت لإردوغان المزيد من الصلاحيات في التضييق والقمع وقبض السلطة، لينتهي دوره رئيسا للوزراء ليترشح بأمر من سيده لرئاسة البرلمان في يوليو الماضي.



عدو النساء 

تاريخ يلدرم في خدمة إردوغان أنساه دوره الأساسي أثناء عمله وزيرا للنقل، فبسبب إهماله انهار مشروع القطار فائق السرعة بعد خروج القطار عن مساره في 22 يوليو 2004 ما أدى إلى مصرع نحو أربعين شخصا، ما أثار الأتراك ضده مطالبين بإقالته لكنه رفض بتبلد يحسد عليه.
بعد أقل من عام، وفي 2005 واجه انتقادات عديدة إثر تداول صورة لزوجته وقد جلست بعيدة عنه أثناء حفل شارك فيه، فيما جلس هو مع الرجال وتركها وحيدة، ليصنف بعدها بأنه محتقر النساء، كما واجه تهمة التمييز الجنسي حينما قال إنه لم يلتحق بجامعة بوغازيچي في شبابه لأنه رأى الفتيان والفتيات يجلسون ويتحدثون معا.
غضب الأتراك من يلدرم لا يقف عند التمييز والإهمال بل انتقل إلى مستوى آخر بعد فضيحة التجسس الحكومي على هواتف المواطنين، والتي بررها بوقاحة قائلا :"إذا كنت لا تفعل أي شيء غير قانوني، لا تقلق من التنصت".

الثروة الحرام
ثمن طاعة يلدرم كان تسهيل استيلائه على المال العام، فنشرت وسائل الإعلام أن يلدرم وأبناءه يمتلكون شركتين في مالطا وثروة كبيرة من صناعة النقل البحري، ونشرت وثائق "برادايس" لتبين أن نجليه بولنت وأركام يمتلكان شركتي إيجل مارين وهوك باي مارين للنقل البحري في مالطا، لكونها جزيرة توفر للمتهربين ضريبيًا الملاذات الآمنة.
زعم يلدرم أن نجليه يعملان في مجال الملاحة ولم يرتكبا أية مخالفة، مدعيا أنهما لم يأخذا أية مناقصة من الدولة، وسارع في ملاحقة جريدة جمهورييت، التي نشرت الوثائق وفضحت تورط نجليه في أعمال تربح غير مشروع باستغلال نفوذه.


مهندس اختراق إفريقيا

ورغم أن دوره حاليا تشريعي فقط إلا أنه يقوم بأعمال مشبوهة أخرى منها تنفيذ ومتابعة ملف اختراق القارة الإفريقية، وكانت آخر نشاطاته زيارة السنغال، وإجراؤه لقاءات مغلقة مع مسؤولي الدولة.
ومنذ أن كان رئيسًا للوزراء ويلدريم يضع عينيه على ثروات القارة السمراء، فأعرب في مواقف عديدة رغبته في انفتاح بلاده عليها، وعبر عن رغبته في رفع حجم التبادل التجاري مع دولها، لأكثر من 18 مليار دولار.
قال خلال حضوره "منتدى الاقتصاد والأعمال التركي الإفريقي" في نوفمبر 2016:"قبل 10 سنوات فقط كان حجم التبادل التجاري بين تركيا وإفريقيا يتراوح ما بين 6 و7 مليارات دولار، إلا أنه وصل اليوم إلى 18 مليارا، نريد أكثر من ذلك فرص الاستثمار كثيرة، وتركيا مستعدة للأمر".
أفصح عن أطماعه في القارة، بالقول: "إفريقيا تمتلك 2.2 ترليون دولار سنويا كإنتاج محلي، لا يمكننا الوقوف مكبلين أمام هذه الفرص الواعدة".
اقترح يلدريم أن تتضمن خطة اختراق إفريقيا، تنفيذ مشروعات في مجالات مختلفة، وعلى رأسها النقل والمواصلات، كما دعا إلى زيادة الرحلات الجوية التركية إلى الدول السمراء معتبرًا أنها تسهل من عملية التداخل الناعم مع شعوب تلك القارة.
حتى المنح الدراسية لم تسلم من شرور يلدريم، إذ عبر عن إعجابه بكونها الوسيلة الأسهل في تنفيذ عملية الاختراق، خاصة أنها تدرس اللغة التركية والعادات والتقاليد، كاشفا عن تقديم 1239 منحة دراسية للطلاب الأفارقة.



خائن للأكراد

لا يختلف يلدريم مع إردوغان في أي من الملفات حتى وإن كانت على حساب قومه وطائفته، فكان مؤيدا له في موقفه من اعتبار حزب العمال الكردستاني إرهابيا ولا يستحق استئناف المفاوضات معه رغم أنه كردي، كما أيد القمع وملاحقة الصحافيين، وكذلك فصل الموظفين من أعمالهم واتهامهم بالإرهاب، وكانت مكافأته إعلان إردوغان فور وصوله القصر الجمهوري تعيينه مستشارا خاصا.
بالرغم من أصوله الكردية، إلا أن الأكراد تعرضوا خلال رئاسته للوزراء في الفترة من مايو 2016 حتى يوليو 2018 لأقسى أنواع القمع والانتهاكات، بل شنت قوات إردوغان حربًا عليهم في سورية والعراق.
خلال الشهر الذي تولى فيه يلدريم رئاسة الوزراء، بدأ إردوغان يشدد من قبضته إزاء الأكراد ويعبر عن توجهه الوحشي إزائهم،  فقال :"إن  العمليات العسكرية ضد حزب العمال الكردستاني ستستمر حتى قتل آخر المتمردين".
كما أن قوات إردوغان وجيشه قاموا بعملية درع الفرات العسكرية في سورية خلال الفترة من أغسطس 2016 حتى مارس 2017، وقتل فيها آلاف من المدنيين بينهم أكراد، وسط مباركة رئيس الوزراء يلدريم لقتل أقرانه.
بدأت تركيا عملية "غصن الزيتون" في مدينة عفرين السورية يناير الماضي، وكان يلدريم رئيسًا للوزراء، وبارك أيضا قتل المئات من خلال تحالف قوات الجيش التركي مع جماعات الإرهاب السورية التي تزعم أنها "معارضة".
يتبجح يلدريم في تعامله مع قضية الأكراد وينصاع لأوامر إردوغان إزاءهم، بل يكرر ما يقوله عنهم،  بالرغم من إشارته إلى "ماضيه الكردي" في لقاء بولاية هكاري ذات الغالبية الكردية خلال يونيو الماضي. 

Qatalah