يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


بثمن بخس، اشترى الداعية نور الدين يلديز، قربه من الرئيس التركي، رجب إردوغان. الرجل المعروف بـ"مفتي إردوغان"، يُعد أحد أركان تركيبة "العثمانيين الجدد"، التي تحتكر السلطة في تركيا، وتسعى لإعادة تشكيل هوية الأتراك لتتطابق على مقاس إردوغان.

يلديز، تصدر المشهد بفتاوى غريبة تدغدغ مشاعر أنصار العثمانية تارة، وتشرعن إرهاب ميليشيات إردوغان تارة أخرى، فكان شريكاً في جرائم الديكتاتور التركي على الدوام.

"السلطان إردوغان"، كما يلقبه مفتي جماعة الإخوان الإرهابية يوسف القرضاوي، يحرص على أن تكون كل خطوة بحساب دقيق، ودائمًا ما يرجع في قراراته إلى شيوخ ورجال دين يجمعهم حوله، حتى يزين قناعه المتأسلم، الخاص بشخصية رئيس الدولة الإسلامي، الذي جاء لينقذ الأتراك من مستنقع العلمانية.

إردوغان، حرص أيضًا على أن يخصص المقاعد المقربة منه في صفوف حاشيته لعدد من رجال الدين المقربين المتطرفين، من بينهم الداعية نور الدين يلديز الشهير بفتوى إجازة زواج القاصرات في سن 6 سنوات، فضلًا عن علاقته المريبة بالتنظيمات الإرهابية في المنطقة، بالإضافة إلى كونه حلقة الوصل بين نظام "العدالة والتنمية" وجماعة الإخوان.

تطرف نور الدين يلديز، لم يكن مجرد تكهنات أو تهمًا بالباطل، وإنما تناقلتها وسائل إعلام عالمية، كان أبرزها في أغسطس 2018، عندما نشرت صحيفة "NRC" الهولندية تقريرًا يكشف أن الشباب الهولنديين من الأصول التركية، والذين تنتمي أسرهم لفكر حركة الرؤية الوطنية "ميلي جوروش" الذي ينحدر منه حزب العدالة والتنمية ورئيسه إردوغان، يتم إرسالهم في العطلات إلى معسكرات تدريب بمدينة إسطنبول، ليتلقوا التعليم الديني على يد متطرفين، ولفتت إلى أن الواعظ نور الدين يلديز، هو أحد الشيوخ المزعومين الذين يقومون بتدريب الشباب الهولندي على أفكار متطرفة.

معسكرات الإخوان
نور الدين يلديز، كان له دور مهم أيضًا في العلاقة المشبوهة بين العدالة والتنمية وجماعة الإخوان، إذ يلعب دور الوسيط للرئيس رجب إردوغان، ويشرف على معسكرات تدريب وتأهيل واستقطاب الشباب للانضمام لجماعة الإخوان الإرهابية، في تركيا.

يلديز، المعروف إعلاميًا بأنه "مفتي إردوغان"، يدير جمعية "النسيج الاجتماعي"، التي نشرت في 24 سبتمبر 2013، منشورًا عن إجراء زيارة لمعسكر الإخوان بمنطقة غابات نائية على أطراف إسطنبول، من أجل التعرف على الجماعة وفكرها وفهمها عن قرب، على حد تعبيره، كانت هذه هي الإشارة المبكرة عن وجود معسكر لشباب الإخوان في قلب أكبر مدينة تركية، لم يكن قد مر وقت طويل على سقوط نظام محمد مرسي في مصر، وما تبعه من هروب جماعي لفلول الجماعة الإرهابية إلى تركيا.

حسب الخبر المنشور على موقع الجمعية، فقد تم تسليط الضوء على أن الطلاب المنضمين للمعسكر يحصلون على تدريب شبه عسكري، بالتوازي مع دراسة كتب الجماعة المتشددة، وفي مقدمتها الكتب الخاصة بمؤسس الجماعة حسن البنا ومنظر التكفير الأشهر سيد قطب، النجمين الأبرز في فكر الجماعة، بالإضافة إلى تعاليم الشيخ عبد الفتاح أبو غُدة، الذي وصفه نور الدين يلديز، بأنه شيخه وأستاذه.

همزة وصل
يلديز، يعمل كهمزة وصل بين نظام إردوغان وجماعة الإخوان، فالرجل يعتنق أفكار الجماعة الإرهابية بل ويدعو الشباب لاعتناقها من خلال معسكرات تدريب وتأهيل خاصة به، إذ كشفت جريدة "بيرجون" التركية، في خبرها المنشور 21 سبتمبر 2017، أن يلديز ينظم معسكرات لطلاب الجامعات الأتراك، لتعليمهم مبادئ جماعة الإخوان، من خلال كتابي "رسائل حسن البنا" و"أسس الدعوة"، تحت اسم معسكر "مدرسة الدعاة".

وفي 3 أكتوبر 2013، نشر الموقع الرسمي للجمعية التي يديرها، خبرًا أن نور الدين يلديز نظم رحلة إلى أحد المعسكرات في منطقة آلاضاغ التابعة لمدينة بولو، الزيارة استمرت ثلاثة أيام، بتنظيم من منسق المعسكر هاكان كورتولوش، وبمشاركة الكاتب التركي طلحة باتو، والكاتب الصحافي بجريدة "عقد" المقربة من إردوغان، يشار دايرمانجي.

عام 2013 لم يكن بداية العلاقة بين جماعة الإخوان وجمعية النسيج الاجتماعي، وإنما نشر الموقع الرسمي للجمعية المدعومة من قبل إردوغان، في 7 يونيو 2011، أن الرئيس الفخري للجمعية نور الدين يلديز، استقبل وفدًا من قيادات ومسؤولي "جمعية الإخوان المسلمين" في مدينة ديار بكر جنوب شرق تركيا.

وفي 29 مارس 2012، أوضح الموقع ذاته، أن نور الدين يلديز أجرى زيارة لمدة يومين إلى الأردن، التقى خلالها عدداً من الرموز الدينية والفكرية، مشيرًا إلى أنه حاضر في ندوة تثقيفية للطالبات في الأقسام المختلفة بجامعة الأردن. 

وتم اللقاء أيضا مع عدد من الطلاب الأتراك المتواجدين في الأردن لدراسة اللغة العربية، مشيرًا إلى أن أغلب الطلاب تابعون لوقف عزيز محمود هودائي، كما تضمنت الجولة زيارة لمقر جماعة الإخوان بعمان، بالإضافة إلى اجتماع مع الأمين العام للجماعة بالأردن همام سعيد.

إرهابيو سورية
الواعظ نور الدين يلديز، بحسب الصحيفة التركية، على علاقة بتنظيم "أحرار الشام" المسلح في شمال سورية، وكان قد قال ذات مرة عن الإرهابي عبد الله المحيسني زعيم تنظيم القاعدة في سورية :"يستحق دعم جميع المسلمين". بدوره المحيسني لم يتأخر في الثناء على يلديز، إذ ظهر في مقطع فيديو، يدعو فيه لقراءة كتاب ديني من تأليف "الداعية" التركي.

المحيسني، قال في مقطع فيديو بتاريخ 27 مايو 2018، :"يوجد هنا كتاب رسالة رمضان لفضيلة الشيخ نور الدين يلديز (داعية تركي)، وقد عرضته على الإخوة المسؤولين عن الإعلام"، موصيًا أنصاره بقراءة كتاب يلديز.

تطرف نور الدين يلديز، لم يقتصر فقط على ثناء متبادل بينه وبين عبد المحيسني فقط، إنما ارتبط اسمه أيضًا بواقعة اغتيال السفير الروسي لدى أنقرة أندريه كارلوف، على يد الحارس الشخصي له مولود ميرت ألتن تاش، في ديسمبر 2016.

التحقيقات التي أجرتها السلطات التركية مع رفيقي مولود ميرت ألتن تاش في السكن، كشفت أنه كان يتردد على دروس الشيخ نور الدين يلديز، مشيرة إلى أن أحد الشاهدين يعمل محامياً، واعترف بأنه تعرف على ألتن تاش خلال أحد الدروس الدينية للشيخ يلديز.

فتاوى شاذة
نور الدين يلديز، يحرص دائمًا على أن ينقل أفكاره إلى الرأي العام من خلال فتاوى عجيبة غير مسبوقة وغير مفهومة، مثل الامتناع عن أكل اللحم والبهارات والكاتشب وشرب الكاكاو وحتى كبح الشهوات أثناء النوم بالبطاطين والألحفة.

يلديز، رئيس وقف سوسيال دوكو أو "النسيج الاجتماعي" السلفي المتشدد، يحظى بتغطية إعلامية كبيرة، حتى إنه يحظى بمتابعة أعضاء العدالة والتنمية وحلفائهم في حزب الحركة القومية بنفس المقدار، كان أهمها ما حظيت به فتاويه الشاذة ضد المرأة من متابعة وتعقيب من إردوغان في يوم المرأة في تركيا مارس 2018. 

نور الدين يلديز، أفتى أن عمل المرأة غير جائز، قائلًا :"إذا فضلت المرأة برغبتها العمل، فإنها بذلك تكون قد استعدت للفحوش"، كما أفتى بعدم جواز نشر المرأة أية صور لها على الإنترنت بأي شكل من الأشكال، لأنها بذلك تكون معروضة أمام الأشخاص والجن أيضًا، وهو هنا يسير على درب إردوغان، الذي شهد عهده أكبر موجة احتقار رسمي للمرأة التركية، ما انعكس في ارتفاع معدل الجريمة ضد النساء.

نور الدين يلديز، اشتهر بمعاداته للمرأة وتأييد العنف ضدها وهو هنا لا يختلف عن إردوغان، يلديز، قال في فتوى له عن المرأة :"ما دام الله قال واضربوهن، فهناك حكمة لا محالة وراء ذلك"، ناصحًا المتزوجات أن يحمدن الله إن كنَّ يتعرضن للضرب على يد أزواجهن.

الداعية التركي المتشدد، دعا إردوغان لتجديد الخطاب الديني، فأفتى بجواز زواج القاصرات، قائلًا :"من الممكن الزواج من طفلة في سن 6 سنوات". وأضاف بشكل مفصل في فتواه :"الدين لم يحدد سناً معينة للزواج، لكن يمكن زواج الأطفال حتى قبل الوصول إلى سن البلوغ، ومن الممكن أن يكون الزواج في هذه السن بين الأطفال وبعضها، أو بين الأطفال وبالغين". وقدم مثالًا على ما يقول، قائلًا :"من الممكن أن يتزوج شاب في سن 25 عاما من طفلة في عمر 7 سنوات، أو العكس". 

الفتوى المثيرة، هذه كانت في 2015، وتقدم عدد من المواطنين الأتراك ببلاغ أمام النيابة العامة ضده، إلا أن قضاء إردوغان أصدر قرارًا بحفظ القضية، بعدها نشر وقف "النسيج الاجتماعي" مقطع فيديو آخر يقول فيه :"زواج القاصرات استغلال للأطفال".

يلديز، قال أيضًا في فتواه الشهيرة المعروفة بفتوى المصعد أو الأسانسير، :"لا يجوز أن تكون المرأة بمفردها في المصعد مع رجل غريب"، وأضاف :"وجود المرأة مع رجل غريب في المصعد بمفردها يعني أن كافة شروط الخلوة الشرعية قد اكتملت".

كما قال يلديز عن المرأة، :"أعطي المرأة التي تتجول بملابس أوروبية من 60-70 نقطة، لكن المرأة المنقبة أعطيها 90 نقطة .. فبمعايير الجاذبية لا تساوي المرأة التي تلبس التنانير وغيرها من الملابس الأوروبية النقود التي تدفع فيها، على عكس المرأة المنتقبة!"، وكأن المرأة عنده سلعة تباع وتشترى.  

نور الدين يلديز، الذي يدير موقع "مجلس الفتوى - fetvameclisi.com"، أثار جدلًا واسعًا بفتاويه الغريبة، إذ أفتى بإباحة "المحسوبية"، في الوقت الذي تصاعدت فيه الانتقادات ضد نظام إردوغان بسبب محسوبية رجال حزبه، قائلًا :"لا تسموا هذا محسوبية، إنما انظروا إلى الأمر على أنه إثبات لأنفسكم وهويتكم الإسلامية، عندها سيكون الأمر جائزاً".

يلديز، الذي كانت تنشر مقالاته بجريدة "يني عقد" المؤيدة بشدة لإردوغان وحزب العدالة والتنمية، أفتى أيضًا أن ارتداء "البنطلون" تشبه بالكفرة، وقال في فتواه :"إنه وللأسف الشديد يرتدي الشباب والرجال السراويل المعروفة باسم البنطلونات الجينز في أوروبا وتركيا، أساتذتنا من العلماء لا يرون ذلك أمرًا مناسبًا لأن فيه تقليداً للكفار، نحن وأساتذتنا نرتدي البنطلون القماش، لكن هناك من لا يجيز حتى ذلك، لدخوله ضمن تقليد الكفار".

وأضاف :"البنطلون ليس في الأساس زيًا من أزياء المسلمين، لهذا السبب ينبغي ألا نفضّل ارتداء البنطلون، لكن ليست لدينا قوة وإمكانية لتفادي ذلك حالياً، لذا نفضل ارتداء البنطلون الأقرب إلى ثقافتنا كمسلمين، أما البنطلون الجينز فهو بعيد كل البعد عن ثقافتنا، ذلك لأن الغربيين لا يرتدونه أصلاً في اجتماعاتهم المدنيّة المهمّة، ويُعرف بأنه زيّ الرعاة الأمريكيين، وهذا المنطق يظهر لنا بوضوح الأمر الذي ينبغي أن نقوم به في هذا الموضوع"، بنص تعبير يلديز.

من بين الفتاوى الشاذة أيضًا، إجابته عن سؤال يتعلق بمنع الشهوات على موقعه "مجلس الفتوى"، قائلاً :"أثناء النوم، عليك أن تضع البطانية واللحاف بشكل يمنع الاحتكاك بالأعضاء الداخلية". بالإضافة لذلك تحدث يلديز عن أن أكل البهارات واللحوم من محفزات الشهوة الجنسية، وأن ذات الشيء بالنسبة لشرب القهوة والشاي والكاكاو، فجميعهم من محفزات الشهوة أيضاً.

يلديز، يقول :"عليكم أيها الشباب بالامتناع عن أكل البهارات، وأي طعام عليه كاتشب، فتلك الأشياء تقوم بتحريك أعضائنا الداخلية بسرعة .. عليكم أيضاً الحذر من القهوة، والمشروبات الغازية .. عليكم كذلك الامتناع عن أكل اللحوم على الأقل حتى الزواج!".

Qatalah