يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"الغاية تبرر الوسيلة".. شعار رفعه الرئيس التركي رجب إردوغان، في حملته الانتخابية استعدادًا لانتخابات البلديات المقررة أواخر مارس الجاري، حتى لو كان الأمر على حساب تعطيش شعب بأكمله.

إردوغان عاد للتهديد بملء خزان سد إليسو على نهر دجلة، في سياق حملته الانتخابية من أجل الحشد لحزبه العدالة والتنمية، وإطلاق وعود بتحسين الاقتصاد، والزعم بأن السد يدر على الخزانة التركية مبلغ مليار ونصف المليار ليرة سنويا.

الأطماع  التركية في مياه نهري دجلة والفرات تجلت بوضوح خلال فترة ولاية الرئيس سليمان ديميرال (1993 - 2000)، الذي قال خلال أحد التصريحات: "مياه الفرات ودجلة تركية. نحن لا نشارك العراق وسورية في النفط، لا يحق لهما أن يشاركونا في مياهنا".

المؤامرة عادت إلى الواجهة مجددا، استغلت أنقرة حالة الفوضى التي شهدتها العديد من المناطق العراقية، على خلفية اجتياح (داعش) لها، وأعلنت في يناير من العام الماضي عزمها استكمال سد "إليسو المائي"، الذي بدأت الحكومة في تنفيذه منذ 2006، وتوقف بسبب مشاكل في التمويل.

ورقة انتخابية
الرئيس التركي قال اليوم الخميس: إن بلاده ستبدأ في ملء خزان سد إليسو على نهر دجلة في يونيو المقبل، على الرغم من احتجاج العراق عندما بدأت أنقرة احتجاز المياه خلف السد لفترة وجيزة في منتصف الصيف الماضي.

أضاف خلال تجمع انتخابي بمدينة ماردين جنوب شرق البلاد، والواقعة على مقربة من السد، أن المشروع يسهم بمبلغ 1.5 مليار ليرة سنويا في الاقتصاد التركي. في محاولة للعب على وتر تحسين اقتصاده المنهار ولو على حساب تعطيش العراق.

صحيفة "أحوال"، ذكرت في تقرير لها: أن الرئيس التركي في غمرة حملته للانتخابات الرئاسية في يونيو الماضي، تجاهل حجم الكارثة التي ستحل على العراق بقطع مياه دجلة وملء سد إليسو، وألقى باللائمة على الحكومة العراقية وليس على الذي يسرق المياه ويتجاهل الأعراف والقوانين بين الدول المتشاطئة.

تأثيرات سلبية
كلفة السد تبلغ  8.5 مليار ليرة (1.6 مليار دولار)، ومن المقرر أن ينتج 1200 ميجاوات من الكهرباء لجنوب شرق تركيا. فيما أثيرت العديد من الانتقادات بشأنه بسبب تأثيراته السلبية في البلدين.

الحكومة العراقية قالت إن سد إليسو يؤدي إلى شح المياه، ويقلل التدفق في أحد النهرين اللذين تعتمد عليهما البلاد في احتياجاتها من الماء، أما في  تركيا، فيؤدي السد إلى تشريد آلاف السكان وإغراق بلدة عمرها 12 ألف عام.

أنقرة بدأت في ملء خزان السد في يونيو الماضي، وأوقفت ذلك مؤقتا بعد أسبوع بسبب شكوى العراق من نقص تدفق المياه في النهر في ذروة الصيف.

منذ العام الماضي، أدى نقص المياه في العراق إلى اتخاذ إجراءات مثل حظر زراعة الأرز، ودفع مزارعين لهجر أراضيهم، فيما شهدت مدينة البصرة احتجاجات استمرت شهورا بسبب عدم وجود مياه صالحة للشرب.

السفير التركي في بغداد، فاتح يلدز، أعلن في يونيو الماضي أن بلاده أرجأت ملء سد "إليسو" جنوب شرقي تركيا حتى مطلع يوليو المقبل، بعد سبعة أيام فقط من بدء عملية التخزين.

النظام التركي شيد سد إليسو على نهر دجلة الذي ينبع من جبال طوروس، جنوب شرق الأناضول، ويبلغ طول مجراه نحو 1718 كيلومترا، 1400 كيلو متر منها داخل العراق.

دجلة إلى جانب نهر الفرات، يعتبر شريان الحياة بالنسبة للكثير من العراقيين، حيث يغذّي النهران الكثير من محطات تصفية المياه، وتُستخدم مياههما لري المزروعات على طول ضفتيهما، فيما تعاني بغداد منذ سنوات، من انخفاض منسوب مياه نهري دجلة والفرات؛ جراء قلة تساقط الأمطار في فصل الشتاء.

انتهازية 
رجب استغل الأوضاع العراقية  المتدهورة بشأن المياه وركود العديد من القطاعات  وعلى رأسها قطاع الزراعة، من جراء انخفاض كمية المياه الواصلة إليها من نهر دجله لنحو 50%،  وعزم خلال أكتوبر الماضي على تقديم يد العون والمساعدة للجانب العراقي مقابل الحصول على أهداف سياسية وأمنية في الداخل العراقي.

عرض المساعدات تبلور خلال زيارة وزير الخارجية التركي  قبل أيام للعراق وعقد العديد من الاتفاقيات الاستراتيجية بين الطرفين بشأن المياه حيث وافق إردوغان - وفقا للبيان الذي صدر عن محمد الحلبوسي رئيس مجلس النواب العراقي - على زيادة حصص المياه إلى كل المحافظات العراقية والبصرة على وجه الخصوص، إضافة إلى التزام تركيا بالحصص المائية ومساندة العراق بهذا الملف،  فضلاً عن موافقة الرئيس التركي على زيادة ضخ المياه من سد في جنوب شرق تركيا، وإعلان تركيا الإيقاف المؤقت لعملية ملء الخزان حاليا واستئنافها يوليو المقبل. 

أهداف خبيثة
أزمة نهري دجلة والفرات استغلها إردوغان  في الضغط على الحكومة العراقية ومساومتها لتحقيق مكاسب سياسية وأمنية، منها دفع رئيس الوزراء العراقي العام الماضي لنشر قواته على الحدود مع تركيا بهدف القيام بدور خفير الدرك وتأمين المنطقة الحدودية المشتركة بين الدولتين، لمنع تسلل عناصر حزب "العمال الكردستاني" والوصول إلى العمق التركي.

اللافت للنظر أن أنقرة تلقي بمسؤولية تأمين الحدود على العراق وحده، إذ تخشى أن يصبح جنودها في مرمى نيران عناصر حزب العمال، ما يضيف أعباء جديدة على الحكومة في بغداد المنشغلة حاليا بتأمين البلاد مخافة عودة تنظيم داعش مرة أخرى.

أجبرت العراق على توقيع بروتوكول للتعاون الأمني بهدف تأمين الحدود المشتركة، فيما اقتصر دورها  على إمداد القوات العراقية بإحداثيات عن أية تحركات مريبة على الحدود للتعامل معها.

هدف آخر سعى إردوغان إلى تحقيقه من ابتزاز العراق بملف المياه، وهو إجبار الحكومة في بغداد على حفظ المصالح الاقتصادية لتركيا في إقليم كردستان، خاصة أن حكومة أربيل عطلت أخيرًا العديد من مصالح أنقرة في الإقليم.

حكومة العدالة والتنمية تعمل على عرقلة أية محاولات انفصال للإقليم، وتكوين دولة كردية خوفا من أن تساهم في تأجيج المشاعر والروح القومية لأكراد تركيا فيطالبون بالانفصال أو الحكم الذاتي، ما يشكل تهديدا لأمن تركيا القومي ودورها الإقليمي في المنطقة، ما يجعلها تحرص على الحيلولة دون سيطرة أكراد العراق على مدينة كركوك النفطية، وعدم المساس بالأقلية التركمانية في شمال العراق.

Qatalah