يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


أبعد من سورية بكثير، هذا ما يتطلع له رجب إردوغان، تحت ذريعة محاربة "داعش"، رقعة بلاده تزداد يومًا بعد آخر على حساب سيادة البلدان العربية، واهما أن المارد العثماني القديم سيبعث من الرماد عبر حرق جيرانه، في أتون حرب لا تكاد تنتهي.

الإغراق في الكذب، سياسة يتبعها الرئيس التركي لتمرير مشروعه الخبيث بالمنطقة، زاعما أنه يحافظ على وحدة سورية، فيما رصاصاته تغتال الأطفال والنساء والشيوخ على الأرض.

الكذاب
مساحة كذب أفردتها صحيفة "نيويورك تايمز" لإردوغان في 8 يناير الجاري، حاول خلالها تبييض صورته، زاعما أنه يسعى للحفاظ على وحدة سورية، راسما خرائط لمستقبلها، على جثث المذبوحين تحت أقدام ميليشياته الإرهابية.

إردوغان روج خلال مقالاته حزمة من الأكاذيب، وهو يرسم  سيناريوهات سوداء لمستقبل البلد العربي، منطلقا من أكذوبة أن تركيا الدولة الوحيدة التي تفهم الوضع المأزوم لجارته الجنوبية، وأنها القادرة على رسم المستقبل السياسي والعسكري فيه، معتبرا أن تعاون الولايات المتحدة وروسيا مجرد أداة مساعدة لأنقرة.

ميدانيا، اقترح دمج الميليشيات الإرهابية المؤيدة له من عناصر "داعش" و"الجيش السوري الحر" في قوات عسكرية رسمية كحل عسكري مستقبلي، وسياسيا، اقترح تشكيل مجالس محلية منتخبة تضم "جميع أطياف الشعب السوري" من وجهة نظره، ليس بينهم الأكراد الذين اعتبرهم غير جديرين بأن يكون لهم ممثلون بسبب "صلتهم بالمنظمات الإرهابية" حسب زعمه.

كما دعا في مقالته المجتمع الدولي لتأييد تدخله العسكري والسياسي في سورية، والسماح له بدور أكبر، زاعمًا أنه منع وصول "داعش" إلى أوروبا، وأنه السبب في هزيمة التنظيم.

الغدر
في أغسطس 2016 أطلقت أنقرة عملية "درع الفرات" العسكرية بمشاركة مرتزقة "الجيش الحر"، بزعم تحرير شمالي سورية من داعش وقوات سورية الديمقراطية، في حين أعلنت وقتها أن العملية محددة الهدف والمدة.

رغم إعلان انتهاء "درع الفرات" في مارس 2017، إلا أن هجمات القوات التركية ظلت مستمرة، فسيطرت على عفرين بالكامل في عملية أخرى باسم غصن الزيتون، مارس 2018، لتضيف 2٪ من مساحة سورية إلى مناطق سيطرتها، ومازال إردوغان يطمع في المزيد.

وثائق مزيفة
منذ أطلقت أنقرة "درع الفرات"، ودخلت دباباتها الأراضي السورية للمرة الأولى، تحت ذريعة محاربة داعش، ورقعة النفوذ التركي تزداد يومًا بعد يوم شمال سورية.

في محاولة منها لتبرير عدوانها، لوحت أنقرة بوجود وثائق تؤكد أحقيتها في بسط سيطرتها على 15 قرية بمحافظة إدلب، المتاخمة لحدودها. ولترجمة  الوثائق على أرض الواقع دفعت بتعزيزات عسكرية لإنشاء نقاط مراقبة على الطريق الدولي الواصل بين إدلب والحدود.

الوثائق العثمانية كذبة مفضوحة أطلقها حكام أنقرة لتدعيم سياستهم التوسعية في المنطقة، كما حدث من قبل، لتبرر احتلال مدينتي جرابلس ومنبج في محافظة حلب، والتذرع بوجود مقابر لقادة عثمانيين في مناطق أخرى.

العراق تنتظر دورها
من إدلب إلى عفرين في حلب، لم تتوقف الأطماع التركية في السيطرة على المزيد من الأراضي السورية، بحجة مواجهة الجماعات الكردية المسلحة، التي تعتبرها أنقرة امتدادا لحزب العمال الكردستاني المحظور في تركيا.

إردوغان ذهب إلى أبعد من ذلك، وهدد في مارس الماضي بدخول القوات التركية قضاء سنجار شمال العراق "لتطهيره من العناصر الكردية".

هيمنة ثقافية
سياسة قضم الأراضي واحدة من خطط العثمانلية الجدد في حزب العدالة والتنمية، وتشمل الهيمنة الثقافية الواسعة على المناطق السورية المحتلة، عبر غسل أدمغة السكان،  بإصدار الكتب المدرسية وزرع لافتات الطرق باللغة التركية،  وفرضها بالقوة.
 
"التآخي ليس له حدود" العبارة المكتوبة باللغتين العربية والتركية على جدار مبنى المجلس المحلي بمدينة أعزاز شمال حلب تعكس هدف إردوغان المعلن لإعادة ترسيم حدود المنطقة كيفما يحلو له.
 

مشاريع
القوات التركية مهدت طريق المؤسسات الحكومية والشركات الخاصة لغزو الأسواق السورية لاسيما في المناطق الآمنة نسبيا.

جولة بسوق أعزاز الواقع شمال حلب، تكشف ازدهار التجارة في المناطق المحتلة، المحال تعج بالبضائع التركية، من حلويات وثياب ومواد تنظيف، ومشروبات غازية، ومواد غذائية كالسمنة والسكر والزيت.
 
المحتل التركي لا ينسى إبراز صورة إردوغان، فعلى سبيل المثال، عندما أنشأت أنقرة شبكة كهرباء في جرابلس، جرى تعليق صور إردوغان على جدران مستشفاها المدعوم من أنقرة.

مديرية البريد التركية افتتحت كذلك مكتبًا لها في أعزاز، يعمل فيه موظفون أتراك، ولا يسمح فيه إلا باستخدام الليرة التركية فقط.
 

طمس الهوية
تقارير حقوقية سجلت وقوع جملة من الانتهاكات بحق المعالم التاريخية في مدن جرابلس والباب وإعزاز وعفرين، ضمن سياسة التتريك واسعة النطاق، في حين بدأت التجاوزات بتهجير السكان الأصليين، تحت وطأة عمليات سلب ونهب لا تتوقف.

الجماعات الإرهابية التي تتلقى تكليفاتها من أنقرة دأبت على طمس المعالم التاريخية للمنطقة، وصبغها بالهوية التركية، عبر هدم المعابد الآشورية، إلى درجة تحولت فيها مدن الشمال إلى نسخة من بعض مناطق إسطنبول.

الشواهد على ذلك كثيرة ومفزعة، فالعلم التركي يرفع على جميع المؤسسات والمباني الرسمية قسرا، وتُعلق صور إردوغان وأتاتورك على الجدران.

المدارس التركية
سياسة افتتاح المدارس والجامعات ونشر اللغة التركية جزء من مخطط يستهدف فرض أمر واقع جديد باستطاعته أن يمكّن أنقرة فيما بعد من ضم الشمال بالكامل.

جامعة "حران" التركية، قالت - في وقت سابق - إنها تضع اللمسات النهائية لفتح فرع لها في منطقة الباب، لخدمة الطلاب ونشر الثقافة، وأكدت وكالة الأناضول أن التدريس بالتركية، بينما وافق مجلس الوزراء التركي مؤخرا على افتتاح مدرسة ثانوية للتعليم المهني في جرابلس تابعة لجامعة غازي عنتاب.

هناك، يجري دفع رواتب الموظفين والمرتزقة، كما يتسلم معظم أهالي الشمال (الأطباء والمدرسين والموظفين في المجالس المحلية) رواتبهم بالليرة التركية.

إردوغان فرض شرطًا على منظمات المجتمع المدني والجهات المانحة، يقضي بإجبارهم على تحويل الدولار إلى ليرات، للموافقة على تحويل الأموال إلى المنكوبين في تلك المناطق.

المؤامرة بدأت تؤتي ثمارها، إذ دعا مجلس الحكم في إعزاز وريف حلب وإدلب جميع التجار والفعاليات الاقتصادية كافة، إلى التعامل بالليرة التركية، وتحويل أموالهم من مختلف العملات إليها. 

الخائن
مزاعم محاربة داعش لم تكن سوى ذريعة لاستكمال مخطط الاحتلال. مجلة فورين بوليسي الأمريكية وصفت التنظيم الإرهابي "داعش" بحصان طروادة التركي لتدمير البلد العربي المنكوب بالحرب الأهلية منذ 7 سنوات.

الباحث الأمريكي في منظمة مجلس العلاقات الخارجية والكاتب في شؤون الشرق الأوسط ستيفين انتهى في مقالته بالمجلة إلى أن إردوغان لا يريد خروج داعش من سورية بل يسعى للقضاء على الأكراد، وتدمير موضع تمركزهم منذ بداية الحرب، مؤكدا أن "وجود الأتراك إذا استمر فلن يطال التنظيم الإرهابي أية أذى".

كوك أوضح أن تركيا لم تبد تحمسها بشأن الانضمام للحرب على داعش، وأصرت في 2014 على تعطيل المساعي الدولية لدحر التنظيم، في المقابل تردد أن أفضل طريقة لتسوية الأوضاع هي تغيير النظام في دمشق، "أولويتها محاربة القوات الكردية".

المقال يكشف أن هدف إردوغان "تدمير منطقة الحكم الذاتي الكردية التي تهيمن عليها وحدات حماية الشعب وحزب الاتحاد الديمقراطي"، لافتا إلى أن انسحاب الولايات المتحدة "يزيل العقبة الرئيسة التي تعرقل مساعي القضاء على الأكراد، بينما لا يوجد سبب للاعتقاد بأن الأتراك سيركزون على محاربة داعش بدلا من القضاء على التهديد الكردستاني".

الوقائع على الأرض تثبت ما ذكره كوك، خلال الأعوام الماضية لم تهاجم قوات إردوغان الإرهابيين، بل انخرطت في تمويل التنظيمات المتطرفة وتأمين تحركاتها، وتوطين عناصرها في منازل السوريين. 

في عام 2015 نشرت صحيفة جمهورييت فيديو مسربا يظهر تعاون الاستخبارات التركية  مع داعش وإمداد التنظيم بالأسلحة المهربة في شاحنات عبر الحدود.

دائرة المخابرات العامة والأمن في هولندا المعروفة باسم "آيفيد" قالت في نوفمبر الماضي خلال تقرير نشرته على موقعها الإلكتروني بعنوان "تركة سورية: الجهاد العالمي لا يزال يشكل تهديدا لأوروبا" إن الحكومة التركية لا ترى في الجماعات الإرهابية مثل تنظيمي القاعدة وداعش تهديدا أمنيا قوميا ملحا، بل تستفيد منها وتحركها لتحقيق مصالحها.

التقرير أوضح أن تلك التنظيمات تستخدم الأراضي التركية قاعدة استراتيجية لها، ما أدى لإدانة أنقرة دوليا من منظمات مستقلة وحكومية، آخرها انتقاد السلطات الأسترالية  السبت الماضي لتركيا في مؤتمر بثه التلفزيون الرسمي بسبب إصرارها على حماية عنصر داعشي شديد الخطورة يدعى نيل براكاش.

تركيا رفضت تسليم "رجل داعش في أوروبا" إلى بلاده لمحاكمته، وووفرت له ملاذا آمنا وعلنيا، وهو المتهم بتدريب وإرسال الشباب المقاتلين إلى القارة العجوز وسورية.

تحركات إردوغان في سورية خدمت الإرهابيين، خاصة في داعش، ما جعل ستيفن كوك يقول إن قائمة خلافات تركيا مع أمريكا طويلة، أبرزها العلاقات العسكرية مع العناصر الكردية المسلحة، مضيفا "بالنسبة لواشنطن فإن وحدات حماية الشعب كانت القوة البرية الموثوق بها في القتال ضد داعش"، ما يعني أن حرب أنقرة ضدها يمنح الإرهاب فرصة حياة جديدة.

حرب تركيا مع "حماية الشعب"، التي قاتلت داعش بضراوة، فتحت الباب لتوغل الإرهاب، ما رصده وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان خلال كلمته لقمة الدول السبع الصناعية في باريس، بقوله إن هجمات أنقرة تصب في مصلحة التنظيم وتمنحه فرصة للانتشار، وتلهي الأكراد عن محاربته عبر الانشغال بصد الجيش التركي وميليشياته، لودريان أكد في 18 نوفمبر الماضي أن "استعادة السوريين أراضيهم من داعش يبقى ضرورة مطلقة، والهجوم التركي شرق الفرات يضيع هذه الأولوية".

Qatalah