يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


ليس بالأزياء، والتيجان، والسيوف الخشبية، يعود مجد دولة أسقطها الظلم والفساد حتى ذهبت أدراج الرياح، لكن رجب إردوغان يتوهم ذلك، ويظن أنه قادر - بالإيحاء- على إحياء سلطنة أجداده البائدة، ولو بصور احتفالية لرئيس منفوخ الطلعة في بزة عصرية يسير بين حراس يرتدون أزياء جنود السلطنة في عهودها المختلفة، تعبيرا عن الأجناس التي شاركت في بناء الأمة التركية.

إلا أن المشهد الذي فرضه الرئيس التركي على مراسم حفل تنصيبه، لم يكن يقتصر على الوجاهة الزائفة، فقد انطوى على رسالة مشفرة لمن يهمه الأمر في تل أبيب واللوبي الصهيوني الداعم في الولايات المتحدة، مفادها "نعتز بأخوتكم"، إذ ظهر أحد الحراس الممثلين إلى جوار إردوغان في زي يهود الخزر، الذين شكلوا نواة دولة إسرائيل، كما كانوا الجذر الذي نما فوقه آل عثمان عند احتلال الأناضول، ويعتز به أحفادهم اليوم، في اعتراف رسمي بحقيقة وأصول الدولة التركية.
 
تفضح الدراسات الحديثة أصول الشعب الإسرائيلي "الحديث" وتؤكد أن معظمهم يعود إلى القبائل التركية التي عاشت شمال بحر قزوين فيما عرف باسم مملكة الخزر، ما يعني أن شريان إسرائيل تدفق بالحياة من تركيا.

تبين الأبحاث اللغوية والتاريخية وعلم الأعراق أن أغلب يهود العالم ينحدرون من فرعين رئيسيين، الأول قلة من الساميين لا تتجاوز 10% حاليا وعُرفوا باسم السفارديم، وما يقرب من 90% من الأشكناز المنحدرين من أوروبا الشرقية، ويرجع أصلهم إلى مستوطنات أسسها يهود الخزر الذين رحلوا عن المملكة التركية اليهودية بعد انهيارها.

في القرن الثامن الميلادي، اعتنقت قبيلة الخزر التركية الديانة اليهودية، بعد تأسيسها مملكة قوية في القرن السابع الميلادي واستمرت إلى القرن الثالث عشر حتى سقطت على يد المغول، ومن ثم رحلت إلى أوروبا الشرقية مكونة مستعمرات تحت حكم أمراء المنطقة، ومنها نشأت مجتمعات اليهود الشرقيين الذين يشكلون أغلبية يهود إسرائيل والعالم حاليا.

مملكة الخزر
أسست قبائل الخزر التركية دولة ضمت الأراضي الواسعة من بحر قزوين وبحيرة وان والبحر الأسود إلى كييف، ومن بحر آرال إلى المجر، واجتاحت أرمينيا وجورجيا والقرم وهزمت العرب في معركة أردبي 730 وتقدمت حتى الموصل وديار بكر، وفق المؤرخ آرثر كيستلر.
في حدود عام 740 أعلن حكام الخزر اعتناقهم الديانة اليهودية، ومثلت الفترة من القرن السابع الميلادي إلى العاشر فترة ازدهار المملكة، وفيها خضعت قبائل تركية عديدة إلى حكمها وشكلت قوة عسكرية كبرى بجانب الإمبراطورية البيزنطية والخلافة الإسلامية العربية.

دخل العرب في صدام مع الخزر زمن الفتوحات الإسلامية الأولى بين عامي 642 و 652، وحاول العرب اختراق جبال القوقاز، لكن تم صدهم على أيدي قبائل الخزر، وذلك بسبب دخول المسلمين في حروب أهلية ضمن أحداث الفتنة الكبرى.
كرر العرب المحاولة بين عامي 722 و 737 ما انتهى بهزيمة عربية كبيرة، وبعد انتصارات الخزر توطد تحالفهم مع بيزنطة، وتوج بزواج الإمبراطور قسطنطين الخامس من أميرة خزرية عام 775، وأنجب منها ابناً اشتهر باسم ليو الرابع أو ليو الخزري وأصبح إمبراطوراً فيما بعد.

وقفت مملكة الخزر في العصور الوسطى حائلا أمام هجمات قبائل الفايكنج والروس عن بحر قزوين، ومنعتها من التوغل جنوباً في آسيا، كما قامت بدور كبير في سياسة بيزنطة الداخلية.
أرسل الخليفة العباسي المقتدر بعثة عام 922 بهدف إقامة حلف مع قبائل البلغار ضد مملكة الخزر اليهودية، لكن التحالف لم يؤد إلى أية نتائج ملموسة خصوصا بعد دخول الدولة العباسية مرحلة فوضى سياسية بعيد سيطرة الأتراك على شؤون الحكم في بغداد.

اعتناق اليهودية
كانت اليهودية معروفة بين الخزر عن طريق هجرات اليهود من بيزنطة بسبب الاضطهاد الديني، واعتنقتها الطبقة الحاكمة رسميا عام 740 بدافع سياسي في المقام الأول، بسبب هيمنة الخلافة الإسلامية وبيزنطة المسيحية على العالم القديم واتباع كل منهما وسائل دعائية وفتحا عسكريا لنشر الدين، وكان الخزر قوة عسكرية كبيرة ورفضوا الدخول في الإسلام أو المسيحية واتبعوا اليهودية كدين يضمن لهم الاستقلال عن القوتين الكبريين.

سرعان ما انتشرت اليهودية بين قبائلهم حتى غدت دين الغالبية، ووقف الخزر أمام نشر الإسلام في شرق أوروبا، وساهموا في حماية بيزنطة من الوقوع في أيدي العرب، وكان اختيارهم التحالف مع بيزنطة بسبب ضعف الأخيرة في حين كانت الدولة الإسلامية في أوج قوتها.

ساهم ظهور قوة الروس في تدهور مملكة الخزر، كما أدى تحالف بيزنطة مع الروس ضدها إلى انكماشها في دولة صغيرة حتى عام 1245، عندما سقطت نهائيا على يد جحافل المغول بقيادة الخاقان الأعظم تيموجين خان، المعروف أكثر باسم جنكيز خان.

يهودية السلاجقة
كان السلاجقة فرعا من قبائل الغز ارتحلوا أواخر القرن العاشر إلى منطقة مجاورة لمدينة بخارى، ثم انطلقوا إلى آسيا الصغرى البيزنطية، واتصلوا بالخزر من عام 1226، وكان توكاك أبو سلجوق قائداً في جيش خاقان الخزر، وبعد موته نشأ ابنه سلجوق مؤسس الأسرة في بلاط الخاقان ثم طُرد بسبب سوء أدبه.
تحول السلاجقة إلى الإسلام نكاية في مملكة الخزر اليهودية، وقد كان من بين أبناء سلجوق ولد يُدعى إسرائيل وحفيد باسم داود، بما يكشف عن عمق تأثير مملكة الخزر اليهودية في أسرة سلجوق.

هرتزل الخزر
مع اضمحلال مملكة الخزر قامت حركات تنبئ بالمسيح المخلص الذي سينقذ العبرانيين ويعيدهم إلى أرض فلسطين.
في القرن الثاني عشر نشأت في بلاد الخزر حركة سياسية عسكرية بهدف غزو فلسطين باعتبارها أرض الميعاد المزعومة لبني إسرائيل، وكان الشخص الذي بدأ الحركة يهودياً خزرياً يُدعى سليمان بن دوجي يساعده ابنه مناحم، وحررا خطابات لليهود في مناطق عديدة زاعمين أن الوقت حان لاحتلال فلسطين.
بعد عشرين عاما انتحل الشاب مناحم اسم داود آل روي، وأعلن نفسه المسيح المخلص للعبرانيين ونقل مركز حركته إلى كردستان، وجمع جيشاً كبيراً من الخزر ونجح في الاستيلاء على حصن أمادي شمال الموصل، وكان هدفه مواصلة القتال عبر سورية وصولاً إلى فلسطين.

انتهت حملة مناحم بعد قتله على يد أحد أتباعه استجابة لدعوة مجمع أحبار بغداد الذي هاجم دعوته، وكان قد اتخذ النجمة السداسية شعاراً لحملته، وهو نفس الرمز الذي تطور وأصبح شعار اليهود القومي، رغم أن بعض الدراسات التاريخية تثبت أن النجمة السداسية إسلامية المنشأ سرقها يهود الخزر لتتحول مع الوقت إلى شعار دولة إسرائيل التي سرقت الأرض العربية. 

عصر الشتات 
مع اضمحلال مملكة الخزر بدأت قبائلهم في الهجرة إلى أوروبا الشرقية مثل الكابار والماجيار واستقرتا في المجر القرن العاشر الميلادي، وقد كان الجنود يلتزمون بالشريعة اليهودية في الجيش المجري في دالماشيا 1154، وشغل الخزر مناصب مهمة في الإدارة والتجارة في بولندا وكان لهم تجمعات داخل المدن.

حديثاً وُجدت آثار معمارية فارسية في معابد يهود الخزر في بولندا كما أن زيهم التقليدي يعود لأصول شرقية.
يؤكد آرثر كيستلر أن يهود أوروبا الشرقية في العصر الحديث قبل المحرقة النازية أحفاد الخزر، ويُفند المقولة الشهيرة إن أصولهم ترجع إلى أوروبا الغربية.
يستشهد كيستلر بحجتين الأولى أن يهود أوروبا الغربية تعرضوا للإبادة الممنهجة على يد الشعوب المسيحية زمن الفتن والاضطرابات، ما حدث مرات عديدة في زمن الحملات الصليبية، بجانب ذلك مات عدد ضخم منهم في الطاعون الأسود عام 1348 الذي قضى على ثلثي سكان أوروبا، وحملتهم الشعوب المسيحية مسؤولية انتشاره وقاموا بشن حملة إبادة ضد بقيتهم.

لم ينج من يهود أوروبا الغربية إلا أعداد قليلة، ولم تقم بهجرات كبرى إلى شرق القارة، ويقول كريستلر: "يمكننا أن نقول بثقة إن الفكرة التقليدية القائلة بخروج جماعي لليهود الغربيين من أراضي الراين عبر ألمانيا إلى بولندا لا يمكن الدفاع عنها تاريخيا، فهي تتعارض مع ضآلة حجم جماعات الراين ونفورها من التفرع خارج وادي الراين".

الحجة الثانية هي اللغة، فقد تحدث اليهود الشرقيون بـ"الييدش" وهي لغة ملتبسة تضم عناصر ألمانية وعبرية وتُكتب بحروف من الأخيرة ولم تعرف قواعد أو تقعيدا علميا حتى القرن التاسع عشر، ما أدى لاختلاطها بلهجات ألمانيا الشرقية بسبب انتشارها كثقافة عليا في بولندا، ما دفع يهود الخزر للتحدث بها وإدخالها إلى لغتهم.
وهاجر اليهود الشرقيون ذو الأصول التركية إلى أوروبا الغربية، ويقول كريستلر :"إن غالبية اليهود العصريين ليسوا من أصل فلسطيني بل خزري"، بالإضافة إلى أن التركيب الوراثي ليهود اليوم أقرب إلى قبائل الخزر والهون والأجور والماجيار، وفق كريستلر.

وتوجد إلى الآن طائفة القرائين اليهودية يتحدثون التركية وهم مذهب أصولي من أبناء القرم وبولندا، وطائفة يهود الجبل وهم عرق من الخزر بقي في موطنه الأصلي شمال شرق القوقاز، وهاجر هؤلاء اليهود الشرقيون إلى فلسطين المحتلة ويشكلون الآن النسبة الكبرى من الكيان الإسرائيلي.

أبناء العم عثمان
حفظت دولة العثمانيين التركية صلة القرابة مع أبناء عمومتهم يهود الخزر، وحين دخل العثمانيون القسطنطينية عام 1453 دعاهم السلطان محمد الفاتح إلى سكنى المدينة، وتم ترحيل عدد آخر منهم إليها.

في وثيقة عثمانية عن سكان القسطنطينية تعود إلى عام 1478، تم تسجيل 9 آلاف أسرة مسلمة و3 آلاف يونانية وألفين يهودية، كما ذكر المؤرخ برنارد لويس.
واستمرت العلاقة ودية بين العثمانيين واليهود، وشارك الأتراك في تحقيق حلم الصهيونية بإقامة وطن قومي في فلسطين على حساب العرب.

بدأ توطين اليهود في فلسطين الواقعة تحت حكم العثمانيين بمباركة السلطان عبد المجيد الأول، وفي عهد خلفه عبد العزيز تمت إقامة أول مستوطنة صهيونية في القدس، وشهد عصر عبد الحميد خمسة لقاءات مع تيودور هرتزل للتفاوض على تسهيل سرقة اليهود لفلسطين.
وتواصلت علاقة تركيا الودية مع إسرائيل بعد سقوط الخلافة وربما تكون أهم ما حفظته الجمهورية الوليدة من إرث السلطنة البائدة، فقد اعتبر الأتراك أن اليهود أقرب إليهم من العرب وهي سياسة يخلص لها إردوغان حاليا عبر التنسيق الواضح مع إسرائيل.

Qatalah