يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


كانوا أكثر جماعة سرية شهرة، وأنجحها في العيش بشكل علني، وأقدرها على إسقاط دولة من الداخل، وأسبقها في مشروع تمكين اليهود من رقبة بلاد الإسلام والعرب، باعتبارهم الطليعة الأولى لجيوش الحركة الصهيونية.
جماعة يهود الدونمة تمتلك الحكاية الأغرب في التاريخ العثماني كله كطائفة دينية مميزة، عاشت حياة "سرية معلنة" لقرنين ونصف القرن، ثم قدر لها أن تحكم السلطنة العثمانية وترسم سياساتها التي كانت تزعم أنها تحت لواء "الشريعة الإسلامية"، رغم أن عدد أعضاء تلك الجماعة لم يزد على عشرة آلاف.
 
مسيح مزيف وسلطان ساذج
في منتصف القرن السابع عشر، تسببت مذابح اليهود وهجراتهم القسرية من أوروبا في شيوع النبوءات بينهم حول اقتراب ظهور "المسيح المنتظر" ليخلصهم من عذاباتهم واضطهادهم المستمر، بينما ظلت وجوههم تتقلب في السماء بحثا عن المخلص، كان ثمة شاب يدعى "شبتاي تسفي"، لم يجاوز الثانية والعشرين من عمره، يسكن مدينة سميرنا العثمانية "إزمير الحالية"، قرر ألا ينتظر من لا أمل في قدومه وأعلن أنه هو نفسه المسيح المخلص لشعب إسرائيل.
ولد شبتاي تسفي عام 1626 لأسرة غنية، حيث يعمل الأب كوسيط مع التجار الإنجليز في إزمير، وفي المعبد اليهودي تلقى تعليمه الديني وترقى سريعا إلى رتبة "حاخام"، وأبدى اهتماما مبكرا بالكابالا "التصوف اليهودي" والتي تعني بالتفسير الباطني للتوراة، مفضلا إياها على قواعد التشريع بين دفتي التلمود، وتحت وطأة خيالاته الصوفية أعلن عام 1648 أنه المسيح المخلص لإسرائيل، والذي سيقيم مملكة الله على الأرض، ويعيد بناء هيكل سليمان المهدوم فرد أحبار المدينة بنفيه وإعلانه مهرطقا ومسيحا زائفا.
لم يفت قرار النفي في عضد شبتاي، واستغله في الترويج لنفسه بين اليهود في المدن العثمانية، وبعد رحلات ناجحة بين مصر وفلسطين عاد إلى الأناضول وأعلن في سبتمبر 1665 أنه سيخلع السلطان العثماني ويجعله خادما له مناديا نفسه بـ"السلطان شبتاي ملك ملوك إسرائيل"، وقد اتبع ذلك هياجا في صفوف المؤمنين به، حتى باع بعضهم أملاكه كي لا تثقله وقت ظهور المخلص ثم تأهبوا معه للمسير نحو العاصمة.
كان السلطان محمد الرابع حاكما للدولة العثمانية وقت دعوة شبتاي، وقد أبدى طوال عهده اهتماما بتحويل غير المسلمين إلى الإسلام، وبالنسبة إلى القضية المسيانية (أي عودة المسيح اليهودي لإنقاذ شعبه) التي طرحها تسفي، فإن السلطان استمر في النظر إليها بوصفها "حركة داخلية" تخص اليهود ، حتى أعلن الأخير استهدافه للعرش هنا فقط انزعج السلطان وأمر بالقبض على شبتاي قبل أن يتم مسيرته المرتقبة، وفي القصر السلطاني بأدرنة،عقد مجلس حافل لمحاكمة المسيح الزائف شهده السلطان ومعه الوزير "مصطفى باشا" الذي كان ينوب عن الصدر الأعظم "فاضل أحمد باشا" الغائب في ميدان الحرب، وشيخ الإسلام "منقاري زاده يحيى أفندي" وعلماء الدين.
في المحاكمة، أجاب شبتاي ببلاغة من التراثين الإسلامي واليهودي، وأبهرت معارفه علماء السلطان حتى أبدوا حسرتهم على عدم اعتناقه الإسلام، وانتهز شبتاي حالة الدهشة ليفلت من العقوبة، وأقسم بأنه لم يدعو نفسه بـ"المسيح"، ثم لما خير بين الإسلام أو الموت اعتنق الإسلام على الفور. 
خدعة شبتاي وجدت طريقها بسهولة إلى عقل السلطان الذي سعد كثيرا بإسلام اليهودي وراح يبالغ في إكرامه، فاختار له اسما إسلاميا "عزيز محمد أفندي" ثم منحه منصبا شرفيا هو "كابيش باشي" أو رئيس حجاب القصر وعهد إليه بهداية اليهود إلى الإسلام. 
 
 
أحدث التحول الجبان لشبتاي هزة في أوساط مناصريه واتخذت مجموعة قرارها بأن تكفر به وأن تعود إلى اليهودية التقليدية، بينما ثبتت طائفة أخرى على التصديق في كونه المسيح المخلص ولم تر في اعتناقه الإسلام أكثر من "تقية" وحيلة تعينهم على الهروب من فنائهم بيد السلطات العثمانية، وبالتالي قلدوه واتخذوا أسماء إسلامية ومارسوا الإسلام ظاهرا.
بعد ثلاث سنوات من محاكمة أدرنة، بدا أن المجموعة الثانية قد صدقت في رؤاها إلى مسيحها المزيف، فقد تبين أن عزيز محمد أفندي أو شبتاي تسفي لم يغير إيمانه أبدا بصفته المسيح المخلص، وأنه استغل وضعه الجديد في تطوير عقيدة خاصة تبعده خطوة عن اليهودية وخطوات عن الإسلام. 
كانت عقيدة شبتاي الجديدة تلفيقا من تعاليم الكابالا اليهودية وقواعد التصوف الإسلامي ووجد فيهما أرضية مشتركة من المعارف الباطنية كسبيل للوصول إلى الله، وبينما مارس وأتباعه الطقوس الإسلامية من الصوم والصلاة علنا، كانت تأديتهم الصلوات اليهودية مستمرة في بيوتهم سرا في حين أسقط الصوم اليهودي من فوق كاهلهم وأباح لهم المشاعية الجنسية وتبادل الزوجات.
توقع المتابعون إعدام اليهودي الذي خدع السلطان فيما اكتفى الأخير بنفي شبتاي إلى دولجينو "مونتنيجرو حاليا" عام 1671 وأعطاه فرصة جديدة لينشر مذهبه حتى وفاته عام 1676 كما منح أتباعه قبلة حياة بدأوا بها حكايتهم الطويلة في التاريخ العثماني.
 
الطائفة السرية
ترك شبتاي تسفي بوفاته عام 1676 جماعة صغيرة وصل عددها من 1000 إلى 1500 شخص آمنوا جميعا بعدم وفاته واعتقدوا في رجعته كمسيح، وبدأوا في تنظيم الجماعة الناشئة حتى لا تحيد عن مسار زعيمهم الغائب، وتولى "كوريدو" أو "يعقوب شلبي" الأخ غير الشقيق لشبتاي العملية واختار سالونيك -المدينة اليهودية بامتياز- مقرا عام 1683. 
في سالونيك انقسمت جماعة شبتاي إلى ثلاث فرق: "اليعقوبية" و"القبانجي" و"القرقاش" وأصدروا رغم انقسامهم "المبادئ الثماني عشر" والتي كانت دستورا لأفراد المجموعة ضمن الإبقاء على هويتهم المميزة، وتمثلت أهمها في الطاعة المطلقة لرؤساء كل فرقة، وعدم الزواج من خارج الطائفة، والتشديد على الاستمرار في ممارسة الفرائض الإسلامية ظاهريا مثل صوم رمضان والصلاة وتقديم الأضاحي، لكن وفق رؤية تفرقهم عن المسلمين حيث أدوا الصلوات في مساجد خاصة بهم وقبل عشر دقائق من وقتها الأصلي، كما اتخذوا من الحرم القدسي الشريف قبلة بدلا من مكة، وكذلك أنهوا صيام رمضان قبل خمسة أيام من انتهائه.
على الرغم من أن ممارسات الطائفة كان لا بد وأن تظل سرية فإن أمرهم افتضح منذ بدايته إذ اعتبروا جماعة مختلفة وغير محسوبة على أحد، لذلك أطلق المسلمون عليهم اسم "الدونمة" وتعني في الماضي العثماني "غير المكتمل الإسلام"، وانسحب اللقب عليهم منذ ذلك الوقت فصاعدا والتصق بهم. 
 مقابل ذلك، ظلت الدولة العثمانية وحدها تغض الطرف عن عقيدة الدونمة المنحرفة وإشكالية موقفهم القانوني بعد أن أصبحوا اسميا من مواطنيها المسلمين، ذلك الإهمال سمح لجماعة الدونمة بالنمو في جو آمن من الملاحقات حتى ارتفع عددهم إلى ألفي شخص في تسعينيات القرن السابع عشر وذاع الاعتقاد في زعامة شبتاي بين اليهود خارج سالونيك من اليمن جنوبا حتى سالونيك شمالا.
 
 
عصر التنظيمات: صعود الدونمة
استمر الدونمة في مجتمعهم المغلق بسالونيك حتى أطلق السلطان عبد المجيد الأول عصر "التنظيمات" منتصف القرن التاسع عشر. والتنظيمات هو الانقلاب التشريعي الأهم في التاريخ العثماني، إذ نتج عنه التحديث القانوني للدولة وفقا للنمط الأوروبي، وصعود نخبة جديدة سيطرت على مفاصلها وقلصت من السلطات المطلقة للسلطان، وسمحت الملابسات الخاصة بعصر "التنظيمات" للدونمة بالصعود السياسي والفكري واحتلال مكان مركزي في النخبة الجديدة، أولا في سالونيك ثم في العاصمة إسطنبول. 
وصل تأثير التنظيمات إلى سالونيك عام 1868 عندما تقرر أن يكون للمدينة حاكم خاص ومجلس محلي من أعيانها، وأتيح للدونمة المسيطرين على اقتصاد سالونيك الارتقاء في المراتب الإدارية ثم السيطرة عليها بشكل كامل بدءا من الهيئات القضائية والاقتصادية والشرطية وصولا إلى المجلس المحلي الذي ترأسه أحمد بك قابنجي من الدونمة، ثم منصب حاكم سالونيك نفسه وتولاه حمدي بك يعقوبي عام 1893.
تبنى الدونمة على نطاق واسع قضية التعليم العلماني الحديث والذي شجعته التنظيمات بشدة، إذ أسسوا 3 كيانات تعليمية "مدرسة شمسي أفندي" و"مدرسة الترقي" و"مدرسة الفيضية"، واعتبرت أول مدارس علمانية في الإمبراطورية العثمانية، وخرجت دفعات من شباب الدونمة سيطروا على التجارة والاقتصاد والصحافة والأدب في سالونيك وأصبحت مفرخة للأفكار المناهضة للسلطان عبد الحميد الثاني الذي أوقف العمل بالتنظيمات واعتنق توجهات "إسلامية" ومهدت من خلال خريجيها لخلع السلطان والانقلاب الكبير في 1908.
 
انقلاب 1908: الدونمة وتركيا الفتاة
في عام 1889 تكونت مجموعة صغيرة من ضباط الجيش الناقمين على السلطان عبد الحميد الثاني في المدرسة الطبية الملكية بإسطنبول وسمت نفسها بجمعية الشبان الأتراك واستهدفت خلع السلطان واستعادة الحياة النيابية والدستورية التي أوقفها الأخير، وبعد فشل انقلابهم الأول عام 1893 اتجهوا إلى سالونيك وأسسوا أول مكتب لهم عام 1896.
 مثل افتتاح الشبان الأتراك لمكتب سالونيك نقطة تحول حاسمة في مسيرة الحركة إذ اعتبر الدونمة سياسات السلطان الإسلامية تهديدا لمصالحهم الاقتصادية والسياسية التي حصدوها من التنظيمات، وبالتالي اعتنقوا أفكار الشبان الأتراك وأصبحوا ممولا أيديولوجيا وداعما ماليا رئيسا لهم إذ انهالت تبرعات أثرياء الدونمة على الجمعية، وأصدر صحافيو الدونمة خاصة "فضلي نسيب" و"أحمد ييلمان" الجرائد الداعمة لحراك الجمعية ونشاطاتها، كما أصبحت المحافل الماسونية في المدينة والتي ترأسها الدونمة مثل محفل "فيريتاس" مقرا لاجتماعاتهم.
في 1905 تحول اسم جمعية الشبان الأتراك إلى "الاتحاد والترقي" في استلهام واضح من اسم مدرسة الدونمة "الترقي"، وفي 1907 تحالف الاتحاديون مع التنظيم العثماني للحرية في سالونيك وهو تنظيم ماسوني تأسس على يد الدونمة وتكون من ضباط الجيش الثالث في المدينة وموظفيها، وأصبح صوت الدونمة داخل الجمعية وفي القلب من أعمالها وكان التحالف الأخير يعني اقتراب ساعة الصفر للتحرك ضد السلطان. 
 
 
قبل الانقلاب بفترة قليلة أراد عبد الحميد الثاني التعرف على هوية المدبر الحقيقي للانقلاب ضده وصدم لما علم أن الدونمة في سالونيك يدبرون الأمر، وبناء عليه طلب السلطان من كبير الأحبار في إسطنبول موشيه هاليفي كتابة سيرة لشبتاي تسفي تمكنه من فهم التكوين التاريخي للجماعة ولما أنجز العمل وقرأه السلطان أبدى إعجابه الشديد بسيرة شبتاي ووصفه بـ"الولي" وأمر شرطته السرية بالكف عن ملاحقة الدونمة.
كان رد فعل السلطان الأخير دليلا حاسما على الغفلة العثمانية وعلى الإصرار -في غباء لا متناهي- على الانخداع الإرادي في الدونمة والعجز عن كشف طموحهم ومخططاتهم. 
في 1908 زحفت وحدات الجيش الثائرة تجاه إسطنبول وطالبت السلطان بإعادة الحياة النيابية والعمل بالدستور من جديد ثم خلعوه نهائيا عام 1909، كان الدونمة في القلب من انقلاب 1908 وقد أخبر واحد منهم هو محمد جاويد بك السلطان بخبر عزله، وفي أعقاب الانقلاب تضاعف نفوذهم وانتقلت قياداتهم إلى العاصمة مع ضباط الاتحاد والترقي وسيطروا على مقاليد الأمور في البلاد ثم خاضا معا مغامرة الحرب العالمية الأولى التي انتهت بهزائم كارثية أفقدت الدولة العثمانية الولايات الخارجية ودخلت القوات الأوروبية إلى إسطنبول ومهدت لقيام الجمهورية التركية الحديثة.

Qatalah