يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


نتيجة للمذابح الواسعة التي نفذها زعيم القوزاق، بوجدان شميلنكي، ضد يهود بولندا بين عامي 1648 و1649، كان من الطبيعي أن تشيع النبوءات المسيانية (التي تقول بظهور المسيح المنتظر) من جديد في أوساط اليهود بأوروبا، وأن تعود أوهامهم إلى البحث عن مسيح مخلص، يفوز لهم على الأعداء، ويخلصهم من آلام الاضطهاد الذي بدا وكأن لا نهاية له.
وبينما كانت أبصار اليهود تشخص إلى البرية تنتظر قدوم ذاك المخلص السماوي، كان شاب يهودي يدعى شبتاي تسفي، لم يتجاوز الثانية والعشرين من عمره، قد قرر ألا ينتظر من لا أمل في قدومه، وأن ينصب نفسه "المسيح" الذي بشرت به التوراة.
ولد شبتاي في مدينة سميرنا (إزمير الحالية) سنة 1626 لعائلة ثرية من يهود السفارديم، يعمل فيها الأب وسيطا مع التجار الإنجليز الذين كانوا يترددون على ميناء المدينة. 
اليهود السفارديم كانوا حينها مطرودين من إسبانيا الكاثوليكية، وهاجروا إلى الإمبراطورية العثمانية بعد أن فتح لهم السلطان بايزيد الثاني أبوابه في خواتيم القرن الخامس عشر الميلادي. وبين الأناضول والبلقان، توزعت تجمعات السفارديم في وطنهم الجديد، وإن تركزت سكناهم في المدن المطلة على سواحل البحر المتوسط مثل سالونيك وإزمير، حيث أمكنهم السيطرة على حركة التجارة العثمانية مع أوروبا، وفرضوا سطوة اقتصادية ارتضاها العثمانيون، أفرزت جاليات يهودية بالغة الثراء ووافرة القوة.
إضافة إلى ذلك، أنعشت هجرات السفارديم وبشدة الفكر اليهودي والدراسات التلمودية في المشرق، والتي وصفها الحبر جوزيف ألتراني بأنها كادت أن تفنى لولاهم، وأنها لم تتجدد منذ وفاة موسى بن ميمون بالقاهرة فى القرن الثالث عشر إلا على أيديهم. 

الحاخام الشاب
شبتاي تسفي تلقى تعليمه الديني في المعبد اليهودي بإزمير، وقد أبدى رغم سنه الصغيرة ذكاء وموهبة، مكناه من الارتقاء سريعا إلى رتبة "حاخام" والانضمام إلى نخبة الأحبار في المدينة. وعلى الرغم من التعليم التلمودي الذي تلقاه، فإن شبتاي لم يهتم بالتشريع اليهودي قدر عنايته بالتصوف والذي يطلق عليه في اليهودية إسم "الكابالا". 
"الكابالا" مجموعة تفسيرات باطنية للتوراة حولته من كتاب تشريع إلى طائفة ضخمة من الرموز التي تهدف إلى سبر أغوار الكون الواسع، وكشف أسرار الله خالق كل شئ. وقد قالت تبعا لذلك بالحلول والاتحاد، وهما الفكرتان اللتان سطتا على شبتاي بقوة، وانغمس فيهما حتى الثمالة. 


 

ولم يكن شبتاي أو الوسط السفارديمي بمعزل عن المعاناة اليهودية في شرق أوروبا، وما تمخض عنها من نبوءات واسعة بقرب ظهور المخلص، الأمر الذي هيأه ذهنيا لثورته التي سيشعلها في أوساط بني جلدته، وستترك آثارها على الدولة العثمانية بأسرها على المدى الطويل.  

رحلة المهرطق 
في عام 1648، أعلن شبتاي نفسه المسيح المخلص لإسرائيل، الذي سيقيم مملكة الله على الأرض ويعيد بناء الهيكل. ولم يكن من المتوقع أن يستقبل الأحبار في إزمير زعم شبتاي بالكثير من الترحاب أو التهليل، إذ طورت السلطة الدينية لليهود ومنذ قرون، وسيلة دفاعية خاصة لتحجيم النبؤات المسيانية وحصرها في نصوص تدرس نظريا ولا تطبق على الواقع. وبالتالي كان طبيعيا أن يخرج القرار من المعبد بنفي شبتاي من المدينة واعلانه مهرطقا ومسيحا زائفا. 
لم يفت قرار النفي في عضد شبتاي، واستغله في الترويج لنفسه في أوساط اليهود المنتشرين بالعالم العثماني، فزار أولا سالونيك، المدينة ذات الأغلبية اليهودية والمقر النشط للدراسات الكابالية "الصوفية" المحببة لنفس شبتاي. وبعد أن انطرد منها أيضا، سافر إلى إسطنبول والتقى الكبالي "أبراهام حاياقيني"، والذي زور وثائق تحوي نبوءات تجعل من شبتاي المسيح الموعود به شعب إسرائيل.
وفي 1660 دخل شبتاي إلى مصر من طريق الشام، ونجح في القاهرة في كسب المصرفي الثري وواسع النفوذ "رافائيل هاليفي" إلى صفه ونال منه دعما ماليا كبيرا، ثم عاد إلى أرض فلسطين وإلتقى الحبر ناثان من غزة والذي أصبح نقطة التحول في مسيرته المسيانية .


 

الحبر ناثان دعم دعوى شبتاي، وأعلنه مسيحا مخلصا لشعب إسرائيل في العام 1665، ثم راح يعمق من أفكاره بأن أعلن في يهود الجليل أن شبتاي سيحقق النصر لهم دون إراقة دماء، وأنه سيقود شعبه وهو راكب أسد له سبع رؤوس تنانين، وأن موعد ظهوره النهائي وفوزه سيكون في العام التالي 1666. 
وإذا لم يختلف مصيره عن سابقه في المدن التي تجول بها، إذ خرج من فلسطين منفيا، فإن رحلات شبتاي المكوكية آتت أكلها رغم معارضة السلطات اليهودية. 
فبين القاهرة والقدس، تقوى شبتاي ماليا ولاهوتيا وأثرت دعوته في أسماع العامة من اليهود حتى بلغ أتباعه منهم حوالي الخمسمائة، ولم يعد أمامه سوى تنفيذ خطوته النهائية في رحلته كمسيح مدعي، وهي الثورة.

السلطان شبتاي والسلطان محمد
في سبتمبر من العام 1665، أعلن شبتاي تسفي أنه سيقضي على السلطان العثماني ويجعله خادما له، وأنه سيؤسس مملكة إسرائيل من داخل العاصمة، ونادي نفسه بـ"السلطان شبتاي ملك ملوك إسرائيل". وقد أتبع إعلانه ذاك هياجا شاملا في صفوف المؤمنين به، حتى باع البعض منهم أملاكه كي لا تثقله وقت ظهوره كمخلص وتأسيس مملكة الله، ثم تأهبوا معه للمسير نحو إسطنبول.
كان محمد الرابع هو السلطان الحاكم للدولة العثمانية وقت دعوة شبتاي. تولى العرش العام 1642 وهو في السادسة من عمره بعد خلع والده السلطان إبراهيم في انقلاب عسكري. وقد شهد في سنوات حكمه الطويلة نهاية عصر سلطنة الحريم وبداية عصر الصدور العظام، بعد أن توارت أمه السلطانة طرخانة عن الأنظار في القصر متنازلة عن سلطتها للوزير الكبير كوبرولو محمد باشا. 


 

من ضمن أبرز ما ميز العصر الطويل لمحمد الرابع، كان اهتمامه الشخصي المتنامي بتحويل غير المسلمين في دولته إلى الإسلام. وقد لعبت تلك الرغبة التي وصلت إلى حد الهوس دورا بالغ الأهمية في قضية شبتاي الذي جاهر السلطان بالعداء. 
محمد الرابع ظل ينظر إلى دعوة شبتاي باعتبارها "حركة داخلية" تخص اليهود أنفسهم، حتى أعلن الأخير استهدافه للعرش العثماني واشاعة النبؤات عن اقتراب سقوطه في قبضته، فأمر وقتها بالقبض الفوري على ذلك المسيح الزائف قبل أن يتم مسيرته المرتقبة في العاصمة.

المحاكمة 
وفي القصر السلطاني بأدرنة، عقد مجلسا حافلا لمحاكمة شبتاي في نفس عام الظهور المسياني 1666، شهده السلطان بنفسه ومعه الوزير مصطفى باشا الذي ناب عن الصدر الأعظم فاضل أحمد كوبرولو المتغيب في الحرب بأوروبا، وشيخ الإسلام "منقاري زاده يحيى أفندي" ومجموعة من علماء الدين، إضافة إلى مجموعة من الأوروبيين الذين أثارت فضولهم قضية شبتاي، وأبرزهم القنصل البريطاني ذائع الصيت بول رايكوت. 
في المحاكمة، سئل شبتاي عن أمور تخص العقيدة الإسلامية بالأساس. فطالبوه بالإجابة عن أسئلة تخص ماهية الروح، وطبيعة معراج النبي محمد إلى السماء ، جسدية هي أم روحية؟، وأخيرا تفاصيل الحوار الذي دار بين النبيين محمد وموسى أثناء المعراج. 


 

أجاب شبتاي عن كل تلك الأسئلة ببلاغة ومن التراثين الإسلامي واليهودي، وأبهرت معارفه علماء السلطان حتى أبدوا حسرتهم على عدم إعتناقه الإسلام، وقد فاتهم في سكرة الإعجاب، أن مقدرة شبتاي كانت متوقعة ومفهومة، حيث كان أغلب العاملين في اللاهوت اليهودي أو المسيحي _ ومنذ القرن الثامن الميلادي _على إحاطة بالأطروحات الرئيسة للتراث الإسلامي، ليس تقديرا لذلك التراث أو إعجابا به، وإنما للاستعانة به في الجدل ضد المسلمين والطعن في عقيدتهم.
على أي حال، انتهز شبتاي حالة الدهشة التي فرضها على مجلس المحاكمة ليفلت من عقوبته المرتقبة. وعندما سأله السلطان عن ادعائه بأنه المسيح، أقسم بنفي ذلك، ثم لما خيره بين الإسلام أو الموت، اختار شبتاي الإسلام واعتنقه فورا أمام الجميع.

عزيز أفندي
أبدى محمد الرابع سعادته الكبيرة بإسلام شبتاي، ولم يفرق في سذاجة ظاهرة بين من اخترق الدين قلبه، وبين من اعتنقه خوفا من حر السيف، وراح يبالغ في إكرام "المسيح السابق" و"المهتدي الجديد" إلى الإسلام، فاختار له اسما جديدا هو "عزيز محمد أفندي"، بينما اختار لزوجته التي أسلمت معه إسم "فاطمة"، ثم منحه منصبا شرفيا هو كابيش باشي أو رئيس حجاب القصر براتب يومي بلغ 150 أقجه. 
إضافة إلى ما سبق، عهد السلطان إلى معلمه الخاص "فاني محمد أفندي" بتعليم عزيز أفندي كافة فرائض الإسلام، ثم طلب أخيرا من شبتاي نفسه أن يخرج لهداية اليهود وإدخالهم جميعا في الملة الحنيفية. 
أحدث التحول الجبان لشبتاي من المسيانية إلى الإسلام رجة عنيفة في أوساط مناصريه، فكيف للمسيح أن يترك إيمانه باليهودية ويعتنق دينا مغايرا؟، وكيف للبطل الذي انتظرته إسرائيل مئات الأعوام أن يكون جبانا؟، وكيف للمخلص أن يتركنا بعد أن آمنا به وصدقناه، وألا يموت في سبيل قضيته وقضيتنا؟. 
دارت تلك الأسئلة وغيرها في رؤوس أتباع شبتاي، واتخذت مجموعة منهم قرارها بأن تكفر به بعد الإيمان، وأن تعود مرة أخري إلى اليهودية التقليدية، بينما ثبتت طائفة أخرى على التصديق في مسيانيته المزعومة، ولم تر في إعتناقه للإسلام أكثر من "تقية" وحيلة تعينه وتعينهم على الهروب من فنائهم المحتوم بيد السلطات العثمانية، ثم تمكنهم على المدى الزمني الأبعد من تحقيق أحلامهم القديمة بإنقاذ الشعب اليهودي وإقامة مملكة إسرائيل. وبالتالي فإنهم قلدوه وأعلنوا اعتناقهم الإسلام متخذين أسماء إسلامية.

 

مولد "الدونمة"
صدقت المجموعة الثانية في رؤاها إلى مسيحها الخاص، فبعد ثلاث سنوات من المحاكمة في أدرنة، وبعد أن أظهر ممارسات إسلامية صريحة من الصوم والصلاة، والمشاركة في حلقات الذكر مع دراويش الطريقة البكتاشية، والصداقة المتينة مع شيخها نيازي المصري، تبين أن عزيز محمد أفندي، أو شبتاي تسفي، قد استغل وضعه الجديد في تطوير عقيدة خاصة به وأتباعه، تبعده خطوة عن اليهودية وخطوات عن الإسلام، ولا تغير من إيمانه الرئيسي بنفسه بصفته "مسيحًا" و"مخلصًا".
كانت عقيدة شبتاي الجديدة والتي طورها في السنوات الثلاث التي تلت محاكمته، مزجا بين تعاليم الكابالا اليهودية وقواعد التصوف الإسلامي، والتي وجد فيهما أرضية مشتركة من المعارف الباطنية كسبيل للوصول إلى الله. وإلى جانب الطقوس الإسلامية التي مارسها شبتاي وأتباعه في العلن، استمرت تأديتهم الصلوات اليهودية سرا في بيوتهم، بينما أسقط شبتاي الصوم اليهودي من فوق كاهلهم، و أباح لهم المشاعية الجنسية وتبادل الزوجات. 
أمر شبتاي وأتباعه افتضح سريعا، وتبين للسلطان محمد الرابع أن شبتاي قد خدعه، وأن عزيز أفندي بدلا من أن يدخل الناس في الإسلام كان يدخلهم في عقيدته الملفقة. وبالتالي أمر بالقبض عليه والمثول أمامه من جديد. 
وبينما توقع المتابعون إعدام اليهودي المخادع، فإن السلطان المغفل اكتفى بنفيه إلى ألبانيا في العام 1671. وفي تلك الأخيرة، أكمل شبتاي المتبقي من عمره يدعو اليهود سرا إلى عقيدته، ولم يمت في مدينة "دولجينو" بمونتنيجرو الحالية العام 1676، إلا بعد أن كان قد بذر بذور "الدونمة". تلك الفرقة التي تظاهرت بالإسلام وأبطنت اليهودية، وسمحت لها سذاجة السلطان بالنمو في أمان ودون ملاحقة لقرنين ونصف القرن من بعده، وسيكتب لها السيطرة على الدولة العثمانية بأسرها في نهاية تلك الفترة.

المصادر :


Qatalah