يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


الدفاع عن الدين كان بضاعة آل عثمان الرائجة، لانتزاع مقعد خليفة المسلمين، ونهب ثروات الشعوب، وسفك دماء الأبرياء باسم الإسلام، وإخفاء حقيقة مطامعهم السياسية، وإضفاء قدسية على غزواتهم لعواصم العالم.

كان الدين الإسلامي في مؤخرة اهتمامات سلاطين الدولة العثمانية، فقد شملوا برعايتهم جماعات مرتدة عن الدين الإسلامي، ليظهروا سماحتهم أمام العالم الغربي، وإن كان ذلك على حساب الدين وفرائض الإسلام الخمس. 

وفاة شبتاي تسفي، مؤسس جماعة الدونمة، العام 1676، لم تفت في عضد أتباعه، إذ اعتبروا موته مجرد فناء للجانب الناسوتي "الجسدي" منه، وتجسد الجانب اللاهوتي الذي يمثل المسيح المخلص في شكل طائر، سيعود يوما ليؤسس مملكة إسرائيل في الأرض. 

وإلى حين عودته تلك، كان لا بد للمجموعة التي يتراوح عددها بين 200 إلى 300 أسرة (1000 إلى 1500 شخص) من أن تنظم حياتها الجديدة وعلاقتها بالآخر، في ظل غياب تسفي، وانطلقت عملية التنظيم تلك، من المدينة التي سيتخذونها مقرًا لهم. 

تظاهر مدعٍ
قضى شبتاي تسفي حياته بعد الاعتناق الظاهري للإسلام في مدينة أدرنة، العاصمة القديمة للعثمانيين، قبل إسطنبول، ولكن بعد نفيه إلى ألبانيا ووفاته هناك، وجد أتباعه - كان يطلق عليهم أولا اسم الشبتانيين - أن البقاء في أدرنة يعد خطرا داهما عليهم، فالمدينة ذات أغلبية مسلمة، والقبضة العثمانية فيها قوية، ومن شأن هذين السببين تعريض الشبتانيين الذين عرف اعتناقهم المخادع للإسلام للإبادة. 

نتيجة لذلك، قرروا الانتقال إلى سالونيك على الشاطئ اليوناني، واعتبروها مستقرا جديدا لهم، أوضاع المدينة وظروفها الديموغرافية والاقتصادية منحتهم الأجواء الآمنة التي ينشدونها. 

فقد كانت سالونيك مدينة يهودية بامتياز، ومثل اليهود السفارديم نصف سكانها منذ نهاية القرن الـ15، والنصف المتبقي كان خليطا من اليونانيين المسيحيين والمسلمين، ومثل تلك القسمة الديموغرافية المائلة لصالح اليهود، والتي جعلت سالونيك توصف بالمدينة اليهودية الوحيدة في أوروبا، إلى جانب وارسو عاصمة بولندا، كانت تمنح جماعة شبتاي في الحقيقة أفضلية عددية، كانوا في حاجة لها.

من جهة أخرى، كانت سالونيك هي المركز الرئيس لدراسات التصوف اليهودي في العالم العثماني، وكان ذلك يعني سهولة ضم أعضاء جدد إلى المجموعة، بما أن عقيدة شبتاي، التي انبثقت في الأساس عن شروح الكابالا.   

عقيدة الرجعة
انتقل الشبتانيون إلى سالونيك بصورة نهائية، في العام 1683، وكان أول من قادهم بعد موت شبتاي، هو أخوه غير الشقيق "كويريدو"، والذي اتخذ اسما إسلاميا هو يعقوب شلبي، وقام بمساعدة آخر زوجات شبتاي "عائشة" في أول عملية تنظيم للمجموعة التي أطلق عليها لقب "مامينيم" أي المؤمنون. 

كانت عقيدة الرجعة، والتي تقول بعودة شبتاي لقيادة العالم، هي أول ما عمل يعقوب شلبي على تثبيته في نفوس الشبتانيين، وبخلاف ذلك، فإنه اتبع خطى أخيه المتوفى، واستمر مع رفاقه في التمويه، متظاهرا باعتناق الإسلام، وإبطان العقيدة الشبتانية المزيجة بين التصوف اليهودي والإسلامي، وحتى العودة المزعومة لسبتاي من غيبته، وضع قادة الشبتانيين مجموعة قوانين صارمة ضد أفراد الطائفة. 

عرفت تلك القوانين داخل الدوائر الشبتانية باسم "المبادئ الـ18"، وساعدت على منح المجموعة هويتها المستقلة، كما أنها منعت نفاذ أي تأثيرات خارجية عليها، وكانت أهم تلك القوانين ذاك الذي أجبر أعضاء الطائفة على الزواج من بعضهم البعض، وحرم قطعيا زواجهم من خارجها، وحظر اختلاطهم مع من سواهم من أهالي المدينة. 

إضافة إلى ما سبق، أمرت المبادئ الـ18 أتباع شبتاي بممارسة الطقوس الإسلامية، لتوكيد المظهر الخارجي لهم كمسلمين، ولكنهم للغرابة، لم يؤدوا تلك الطقوس وسط عامة المسلمين إمعانا في التقية، بل آثروا جعلها مختلفة عن الممارسات الإسلامية التقليدية، وفقا لتعليمات كان شبتاي تسفي قد رسمها لهم قبل موته. 

بدلا من الصلاة في مساجد المسلمين، أدى الشبتانيون الصلوات الخمس في مساجد خاصة، أقاموها في منازلهم بسالونيك، وكانوا يؤدونها قبل مواعيدها الرسمية عند المسلمين بعشر دقائق، كما أنهم ولوا وجوههم فيها شطر المسجد الأقصى في القدس، بدلا من المسجد الحرام في مكة. 

التزم الشبتانيون بتأدية فريضة صوم شهر رمضان، ولكنهم وضعوا لمستهم الخاصة أيضا، حيث كانوا ينهون صيام الشهر قبل نهايته بخمسة أيام كاملة. 

الفريضة الإسلامية الوحيدة التي أداها الشبتانيون دون إضافة، كانت حج بيت الله الحرام، حيث قدموا الأضحيات في كل موسم، بل وخرج يعقوب شلبي بنفسه لتأدية المناسك في مكة في العام 1690، ومن الواضح تماما أن تأدية شلبي للحج كان إمعانا منه في التخفي.  

جاءت أولى المشكلات التي واجهت جماعة شبتاي من طرف يهود سالونيك وليس مسلميها، فقد اعتبرت القيادة اليهودية الرسمية في السلطنة أن الشبتانيين الذين يؤمنون بمسيانية معلمهم "شبتاي" من الخارجين على الملة الموسوية بشكل كامل، ولذلك أطلقوا على أتباع شبتاي لقب "مينيم" بمعنى الهراطقة، وهو اللقب المغاير تماما لما اختاره يعقوب شلبي للمجموعة. 

بل إنه حتى لمنع ظهور شبتاي جديد، فإن الحاخام باشي في إسطنبول، وهو رئيس الطائفة اليهودية في الإمبراطورية العثمانية كلها، كان قد أصدر قانونا جديدا يحرم دراسة الكابالا للشباب، ويقصره على اليهود المتزوجين، ومن هم فوق سن الأربعين، وبعد أن تكون درايتهم قد أصبحت كاملة بالتوراة والتلمود. 

ومن الطريف أيضا، الإقرار بأن الهوية الإسلامية المزيفة التي اتخذها أتباع شبتاي لأنفسهم هي التي أنقذتهم من بطش المعبد اليهودي في سالونيك، حيث ظلت السلطات العثمانية تتعامل معهم باعتبارهم مسلمي الديانة، وبالتالي فإن الاعتداء عليهم من قبل اليهود كان محظورا حظرا باتا. 

أفلت أتباع شبتاي بمعاونة العثمانيين من قبضة الأحبار في المدينة التجارية الثرية، وسمحوا بزيادة نفوذهم في أجواء هادئة، بعيدة عن الملاحقات اليهودية، وما يتبعها من تهم الهرطقة وعقوبة النفي، وإذا ما كانوا قد أمنوا ذلك الجانب، فالسؤال يبقى: ماذا عن المسلمين؟. 

لقد علم المسلمون منذ اللحظة الأولى أن الشبتانيين مثل شبتاي نفسه، لم يجاوز إيمانهم بالإسلام قماش ملابسهم، وأنهم يخادعون السلطة العثمانية كي لا توقع بهم عقوبات الإعدام، وبالتالي، فإنهم منحوا أتباع شبتاي لقبهم الذي يعرفون به في تركيا والعالم إلى اليوم "الدونمة"، وهذه الكلمة التي تعني في التركية الحديثة "المرتد"، كانت تعني في التركية العثمانية ناقصي الإيمان، وهو ما يعني أن المسلمين كانوا قادرين على توصيف الحالة الشاذة للشبتانيين وبدقة، وقد استخدم الرحالة الدنماركي كارستن نيبور لفظ الدونمة عندما زار سالونيك في العام 1770، وإن كان استخدم الكلمة برسم يختلف في حرف واحد، وهي "الدولمة". 

حتى الأوروبيين الذين كانوا يرتادون العالم العثماني من القناصل أو الرحالة، كانوا قادرين في القرنين الـ17 والـ18 على تمييز "الدونمة" كمجموعة غريبة، تؤمن بعقيدة أغرب، وبنفض الركام الهائل من الكتابات الأوروبية الرسمية وغير الرسمية عن التاريخ العثماني، يمكن للمرء معاينة الملاحظات التي خلفها الأوروبيون عن الدونمة في سالونيك، وفيها أطلق عليهم لقب "اليهود المحمديين"، كما وصف الواحد منهم بأنه نصف يهودي ، ونصف تركي مسلم. 

كان رد الفعل الرسمي العثماني حول عقيدة الدونمة، هو أكثر ما شغل الأوروبيين، فكيف تسمح دولة مسلمة ليهود يستترون بالإسلام، ولا يخفون عقيدتهم الشاذة ويتمتعون بتلك الحرية، ودون أدنى مضايقة. 

لقد حاول القنصل البريطاني بول رايكوت، والذي شهد بنفسه محاكمة شبتاي في بلاط أدرنة، تبرير التساهل العثماني مع الدونمة إلى "الكوزموبوليتانية العثمانية" التي تقبل جميع الأعراق والعقائد في الدولة، مهما كانت شاذة، ما دامت لا تمثل خطرا يهدد استقرار النظام السياسي للدولة، هذا الرأي سيعقبه رأي بريطاني آخر أكثر صراحة، أطلقه السير جيمس بورتر، القنصل البريطاني في سالونيك، والذي اعتبر أن عدم سؤال إسطنبول عن معتقدات الدونمة يدل على "عدم اكتراث الأتراك بالشؤون الدينية أساسا"، وهذه الملاحظة الأخيرة يمكن تتبعها عند كل من كتب عن السلطنة العثمانية، منذ عصر نبوغهم العسكري في القرن الرابع عشر، وحتى أواخر القرن الـ19 عندما بدأ عبد الحميد الثاني - نتيجة ظروف سياسية بحتة - في تتبع المجموعات الإسلامية الخارجة على المذهب السني. 

انقسام الدونمة
على أي حال، فإن تسعينيات القرن السابع عشر، والتي شهدت تكون جماعة الدونمة، كانت هي نفسها التي شهدت دخول قادة الطائفة في صراع فكري، أفضى إلى انقسامها إلى ثلاث فرق رئيسة، تعتبر هي الممثلة ليهود الدونمة إلى اليوم. 

اندلع الصراع الفكري داخل الدونمة بسبب ادعاء يعقوب شلبي انتقال روح المسيح إليه، بعد وفاة شبتاي، وهو ما رفضه واحد من قادة الطائفة، يدعى مصطفى شلبي، والذي أعلن أن روح شبتاي تسفي لم تنتقل إلى يعقوب، بل إلى طفل صغير من الدونمة، يدعى عثمان بابا، كان قد ولد حديثا لأحد أشد أتباع شبتاي إخلاصا.

ونتيجة لذلك الخلاف، حول مصير الروح المسيانية، أسس مصطفى شلبي فرقته الخاصة، وسماها القرقاش (تعني الطائر الأسود) وقام بعزلها عن فرقة يعقوب التي صارت تعرف باليعقوبية، وقد أعقب هذا نشوء فرقة ثالثة هي القبانجي، أنكرت انتقال روح المسيح إلى أي من يعقوب شلبي أو عثمان بابا، وقالت إن شبتاي تسفي هو المخلص الوحيد، وأصرت على التمسك بمعتقد الرجعة القديم، الذي يقول بعودته مرة أخرى. 

ومن بين الثلاث مجموعات السابقة، كانت اليعقوبية هي من طورت القواعد الأكثر صرامة لتنظيم شؤون أفرادها، حيث قامت على مبدأ حديدي، يفرض الطاعة المطلقة لرئيس الطائفة، فلا يسافر أحد منهم، أو يختار وظيفة، أو يتزوج، أو حتى يتلقى العلاج من مرض يعانيه، إلا بعد استشارة رئيس الفرقة والحصول على إذنه، بل إن المظهر الخارجي لليعقوبيين نفسه تم تحديده في قانون المجموعة، حيث كان على الرجال حلق رؤوسهم بشكل كامل، بينما كان على النساء تضفير شعورهن في جدائل رفيعة، وأي مخالفة في الزي، أو المظهر، أو حتى نمط الأحذية، كان يتم التحقيق فيه، ومعاقبة صاحبه بصورة فورية. 

المصادر :


Qatalah