يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


دار يهود الدونمة مع الدراويش في التكايا، وتعبدوا للبوصلة والدائرة في المحافل، وكانوا هم الرابطة التي وصلت ما بين التصوف العثماني والماسونية، وتركت أثرها البالغ على مصير الدولة العثمانية خلال عصرها الأخير والذي يمتد من انعطافة القرن الـ 19 وينتهي مع إلغاء السلطنة وإعلان الجمهورية التركية في العام 1924. 

الدونمة فرقة يهودية اعتنق مؤسسها "شبتاي تسفي" الإسلام في الظاهر وأبطن اليهودية، وضع لأتباعه عقيدة خاصة مزجت بين غوامض "الكابالا" - جملة من المعتقدات وشروح الفلسفية والروحانية اليهودية للحياة والكون - وقواعد التصوف الإسلامي. 

تمتلك جماعة يهود الدونمة الحكاية الأغرب في التاريخ العثماني كله كطائفة دينية مميزة، عاشت حياة "سرية معلنة" لقرنين ونصف القرن، ثم قدر لها أن تحكم السلطنة العثمانية وترسم سياساتها التي كانت تزعم أنها تحت لواء "الشريعة الإسلامية"، رغم أن عدد أعضاء تلك الجماعة لم يزد على عشرة آلاف.

​قدمت الفرقة الدعم المالي والأيديولوجي لجمعية الاتحاد والترقي، وأصبحوا هم أبرز قادتها حتى تحقق لهم الانتصار في انقلاب 1908 الذي أطاح بالسلطان عبد الحميد الثاني، ليقود الدونمة بعدها الدولة العثمانية إلى الكارثة خلال الحرب العالمية الأولى، والتي فقدت فيها إسطنبول نفسها استقلالها الذاتي تحت وطأة ضربات التحالف الثلاثي بين بريطانيا وفرنسا وروسيا.

دراويش
كان ارتباط الدونمة بالمتصوفة أسبق من ارتباطهم بالماسونية، وقد بدأه المؤسس شبتاي تسفي نفسه والذي عرف بعد اعتناقه الظاهري للإسلام بانضمامه إلى الطريقة البكتاشية والدخول في صداقة حميمة مع شيخها "نيازي المصري"، وكان ذلك الانضمام وتلك الصداقة تعبران عن تفهم "شبتاي" لحقيقة أن التصوف العثماني هو أكثر التيارات الإسلامية التي يمكنها أن تستوعب الشذوذ العقِدي للدونمة. 

بين القرنين الثاني عشر والرابع عشر، دخل التركمان في الأناضول، ومن بينهم آل عثمان في الإسلام من بوابة المتصوفة الذين ساحوا في أرجاء آسيا الصغرى وبشروا بعقيدة كانت مزجا بين الإيمان الشيعي وبين العقائد الفارسية الوثنية القديمة. وقد جعلهم ذلك الخلط يتمتعون بقدر هائل من المرونة أثناء الدعوة لعقيدتهم بين الشعوب التي ألفوها غير مسلمة خاصة من الوثنيين التركمان. 

لقد آمن المتصوفة بقواعد الشامانية التركية الوثنية من تناسخ الأرواح والحلول أثناء دعوتهم التركمان للإسلام. فدخل الأخيران فرادى وجماعات في مدة يسيرة بذلك الإسلام الصوفي. ومع قيام الدولة العثمانية، كان ذلك التصوف المتساهل والمتحرر هو العقيدة الرسمية للسلاطين العثمانيين أنفسهم. و كل من كتب عن العثمانيين وزار تكاياهم في ذلك العصر، كان يبدي ملاحظات متكررة عن التهاون العقدي للمتصوفة في تلك البلاد، إلى الحد الذي سمحت فيه الطرق العثمانية بشرب النبيذ، وتعاطي مخدر الحشيش، إضافة إلى التراقص على المعزوفات الموسيقية. فضلا عن حضور النساء "الحضرات" وهن سافرات الوجوه. 

هذه الأجواء التحررية التي تماشى معها انغماس مشايخ الطرق الصوفية في التفسير الباطني للقرآن كانت تعتبر مثالية تماما لـ"شبتاي تسفي" أو أتباعه من يهود الدونمة، إذ تشابهت تلك الأجواء مع الانحلال الديني والجنسي الذي أباحه المسيح المزيف للمؤمنين به، كما تشابهت مع تنحيته التلمود واعتماده على التفسيرات الجوانية للكابالا اليهودية. 

بالتالي، فبعد وفاة شبتاي وهجرة الدونمة تحت قيادة يعقوب شلبي إلى سالونيك، تابع الدونمة ما بدأه مسيحيهم قبل موته، وانخرطوا سريعا في الطرق الصوفية التي ألفوها في سالونيك خاصة المولوية التي كانت هي الطريقة الأكثف عددا بها. وكان الدونمة من فرقة "القبانجي" هم من ارتبط تحديدا بالمولوية، بينما ارتبط الدونمة من فرقة "القرقاش" بالطريقة البكتاشية، والتي كانت هي الطريقة الرسمية للدولة العثمانية.

طوال القرن الثامن عشر الميلادي الذي زاد عدد الدونمة فيه إلى ثلاثة آلاف نفس، بدا انغماس الدونمة في الطرق الصوفية كاملا. وكان حرصهم دائما على حضور سائر الاحتفالات الدينية داخل التكايا وخارجها. كما أبدوا حماسا منقطع النظير أثناء جلسات الذِكر والحضرة جعلهم انعكاسا مثاليا لصورة الدرويش العثماني. 

هذه الحالة الفريدة من نوعها دفعت حتى البعض من الباحثين الغربيين إلى افتراض التقارب بين الدونمة والمتصوفة كسبب لإفلات أتباع شبتاي من الهلاك على أيدي السلطات العثمانية والتي اعتبرت أن الدونمة دراويش عميقو الإيمان بدين الصوفية الذي هو دين الدولة. وبالتالي تكون ملاحقتهم القانونية غير جائزة. 

ماسون
كما ربطوا أنفسهم بالدراويش، فقد كان يهود الدونمة هم أول من اعتنق الماسونية من العثمانيين وقت ظهرت الماسونية لأول مرة في العالم العثماني خلال الربع الأول من القرن الثامن عشر. 

والماسونية أخوية عالمية سرية، غامضة المعتقد والهدف، وإن كان الدور الخطير الذي لعبه أعضاؤها في الثورات التي غيرت مصير العالم بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر خاصة الثورة الفرنسية ثم دورها الحاسم في إسقاط السلطنة العثمانية كان هو ما منحها سمعتها الأسطورية حتى اليوم. 

أنشئ أول محفل ماسوني في إسطنبول بالقرب من برج غلطة على يد مجموعة من الجنويين على عهد السلطان عثمان الثالث العام 1721. وفي القرن الثامن عشر، انضم أفراد من النخب العثمانية في إسطنبول إلى الحراك الماسوني منهم الصدر الأعظم "سعيد شلبي"، وكذلك "كومبارشي أحمد عثمان باشا"، وهو ضابط فرنسي ماسوني كان اسمه الأصلي الكونت دي بونيفال. نفي من باريس إلى إنجلترا، ثم اختار هو السفر إلى إسطنبول حيث أشرف على تنظيم القوات العثمانية واتخذ اسما تركيًا هو "كومبارشي أحمد عثمان باشا".

في العقد الأخير من القرن الـ18، انتشرت المحافل الماسونية بكثافة في الدولة العثمانية بأمر من السلطان سليم الثالث والذي كان متأثرا في قراره تبني الماسونية بزوجة والده السلطانة "نقشي ديل" ابنة عم جوزفين زوجة نابليون بونابرت.

خلال القرن الثامن عشر، كان الدونمة ينضمون إلى المحافل الماسونية بثبات. ومثل علاقتهم بالمتصوفة، كانت الحياة السرية والتحرر السلوكي هو ما جذب أتباع شبتاي إلى الأجواء الغامضة للمحافل الماسونية. 

دور الدونمة لم يقتصر فقط على الانخراط في الماسونية، بل امتد كذلك ليشمل لعب دور الوسيط السري الذي جمع بين المحافل الماسونية وبين تكايا الدراويش. 

في السنوات الأولى للماسونية في العالم العثماني، كان تقريب تعاليم الماسونية إلى أذهان الأتراك يتطلب وسيطا معرفيا. وكان طبيعيا على الماسون أن يعثروا سريعا على ذلك الوسيط في شخص الطرق الصوفية العثمانية التي آمنت مثل الماسونية بـ"الإنسان الحر"، واعتمدت الباطنية في معظم سلوكياتها. 

لذلك، ظلت المحافل الماسونية منذ ظهرت للمرة الأولى وحتى أواخر العصر العثماني تقدم دعوتها في كتيبات لها لغة صوفية ظاهرة. وكان يهود الدونمة الأعضاء النشطين في الطرق الصوفية هم الأقدر على صياغة تلك "الماسونية المدروشة". 

في العام 1826، وحين أعلن السلطان محمود الثاني إلغاءه فرقة الإنكشارية، أغلق تكايا البكتاشية التي ظلت لقرون هي الممول الروحي للإنكشارية. وكان أكثر ما أثار العجب في ذلك الوقت أن السلطان أمر في نفس الفرمان بإغلاق كافة المحافل الماسونية كذلك، مبررا ذلك بكونها "لونا من البكتاشية". وهذه أول إدراك رسمي من السلطنة العثمانية بروابط وثيقة ظلت تعمل في الخفاء بين الماسونية والمتصوفة. ولكن حتى في ظل ذلك الإعلان، لم يدرك السلطان الدور الخطير الذي لعبه الدونمة رغم قلة عددهم في توثيق تلك الروابط. 

كما أن حظر الماسونية لن يمتد سوى لسنوات قليلة ستعود بعدها أقوى من ذي قبل، إذ ستعود إلى العمل علانية بعد موت السلطان محمود الثاني وتولي ابنه عبد المجيد "المتفرنج"، والذي سيشرع في علمنة الدولة العثمانية على نطاق واسع في إطار ما يعرف بعصر التنظيمات. 

التنظيمات التي انطلقت في منتصف القرن التاسع عشر وأشرف عليها الصدر الأعظم الماسوني "مصطفى راشد باشا" ستكون فاتحة لعصر طويل ستصبح فيه للمحافل الماسونية سطوة غير محدودة داخل أقاليم الإمبراطورية العثمانية بأسرها. وتحديدا في سالونيك التي كانت محافلها وأعضاؤها من يهود الدونمة هم اللاعب الرئيس في الرجات السياسية العنيفة التي ستشهدها إسطنبول والتي لن تنتهي إلا بوصول الدونمة أنفسهم إلى رأس السلطة في الإمبراطورية العثمانية بعد انقلاب العام 1908. 

المصادر :


Qatalah