يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تركيا دولة واحدية، ترفض الآخر ولا تعترف بوجوده. اعتمدت في تأسيسها على حملات التطهير العرقي والإبادة الجماعية، ولم يعلن قيامها رسميا في العام 1924 إلا بعد أن تخلص قادتها من كل المجموعات المسيحية في الأناضول (الأرمن، الآشوريون، اليونان). وحتى بعد التأسيس، فإنها أكملت مسيرة الاضطهاد الإثني والديني للأقليات المتبقية (الأكراد، العلويون)، وهي مسيرة لم تتوقف حتى اليوم.

في دولة مثل تلك، يكون المصير المحتوم لأية أقلية يهودية يمكن أن تتواجد فيها هو الجحيم بعينه. ولكن المفاجئ أن الوضع المأساوي في تركيا بدا غير قادر على الاقتراب من اليهود الأتراك تحديدا، والذين يمكن القول في طمأنينة إنهم المجموعة الدينية والإثنية الوحيدة التي تتمتع بامتيازات سياسية واقتصادية ربما لم يحصل عليها الشعب التركي نفسه.

فاليهود في تركيا والذين يتراوح عددهم في إحصاءات غير رسمية بين 15 و 20 ألف شخص لا يزالون حتى اليوم يمثلون على قلة عددهم جزءا من النخبة الثرية التي تسيطر على الاقتصاد التركي خاصة في المدينتين الكبيرتين، إسطنبول وإزمير.

القيادة السياسية الحالية في أنقرة، ورغم كونها "إسلامية" وفقا لتعريفها نفسها، تبدو مخلصة لأن تبقي تلك الوضعية، وهي لا تدع فرصة إلا وتستغلها في تهنئة اليهود الأتراك بأعيادهم، أو حتى الإنفاق الحكومي على ترميم معابدهم ومبانيهم التاريخية في تركيا.

التهنئة بالمناسبات الدينية أو ترميم المباني الخاصة بالأقليات لو جاءا في إطار رغبة "العدالة والتنمية" في التوكيد على إيمانهم بمدنية الدولة واحترام الأقليات لكان الأمر مقبولا ولا شك. ولكن أن يتميز اليهود بتلك المعاملة بينما ترزح كل الأقليات المتبقية تحت معاناة لا تخفى على الناظرين فذلك ما يطرح السؤال الكبير: لماذا ينال اليهود في تركيا الحظوة وحدهم؟!!.

يهود تركيا.. تاريخ
لليهود حضور في آسيا الصغرى (الأناضول حاليا) منذ أكثر من ألفي عام. وقد عرف يهود الأناضول الأوائل باسم "الرومانيوت" بسبب خضوعهم للحكمين الروماني ثم البيزنطي.

اكتساح العثمانيين لغرب الأناضول في القرن الـ14 الميلادي كان انتعاشة كبيرة في أوضاع الرومانيوت، حيث أصبحوا أول المرحبين بغزو العثمانيين لأية مدينة بيزنطية يعيشون فيها، وكان اعتماد آل عثمان عليهم في التطبب وأمور المال والتجارة سببا في عمليات الترحيب المتكررة تلك.

ولكن العام 1492 شهد الحدث الأهم في تاريخ العلاقات العثمانية التركية باليهود، إذ أمر السلطان بايزيد الثاني باستقبال كافة اليهود السفارديم الذين طردتهم إسبانيا الكاثوليكية بعد إنهائها الوجود الإسلامي في الأندلس.

كون السفارديم في مدة قصيرة وبتشجيع من بايزيد نفسه تكتلات تجارية بالغة القوة والثراء في المدن العثمانية الرئيسة، إسطنبول وسالونيك وإزمير. وأصبحوا بموافقة عثمانية أيضا، الوسيط الكبير في التجارة بين العالم العثماني وأوروبا.

بمرور الوقت، أزاح السفارديم يهود الرومانيوت من مكانتهم التاريخية في البلاط العثماني، بل وحتى مكانتهم الديموغرافية في الأناضول بأسره. واليوم يمثل أحفاد السفارديم نحو 98% من يهود تركيا، والـ2% المتبقية تخص مجموعة صغيرة للغاية من يهود الأشكيناز المهاجرين من شرق أوروبا.

ظل السفارديم على وضعهم المتميز في تركيا حتى بداية القرن الـ20 حين نجحت مجموعة منهم اعتنقت الإسلام ظاهرا وأبطنت اليهودية وأطلق عليها اسم "الدونمة" في الاستيلاء على السلطنة العثمانية نفسها. ومثلت تلك اللحظة الانتصار التاريخي الأكبر ليهود تركيا.

الجمهورية
ومع تأسيس الجمهورية التركية على يد مصطفى كمال (أتاتورك) في العام 1924، واعتناق أيديولوجية قومية بالغة التطرف تقصي الآخر تماما من المشهد، كان من المتوقع أن يتعرض اليهود لما تعرض له المسيحيون في الأناضول بين اندلاع الحرب العالمية الأولى 1914 ولحظة إعلان الجمهورية. ولكن أيا من ذلك لم يحدث، ومن بين كل الأقليات، آثر أتاتورك الإبقاء على اليهود في دولته الناشئة للاستفادة من قدراتهم المالية المتميزة.

في أول تعداد سكاني أجرته الجمهورية التركية العام 1927، تبين أن عدد اليهود الأتراك يبلغ 79.454 ألف شخص من أصل 13.5 مليون هو العدد الإجمالي للسكان. عاش نصف هؤلاء في إسطنبول وحدها.

مع ارتفاع حمى الهجرة الصهيونية إلى فلسطين ومشاركة اليهود الأتراك فيها، انخفض عددهم في تركيا بحلول العام 1945 إلى 76.965 ألف يهودي. وقد رضخت أنقرة أولا لضغط الدول العربية ومنعت فتح الباب للهجرات اليهودية من تركيا إلى فلسطين، وأصدرت أمرا بذلك في نوفمبر من العام 1948. ولكنها عادت في العام 1949 وأصبحت أول دولة ذات أغلبية مسلمة تعترف بإسرائيل.

أعيد فتح باب الهجرة أمام يهود تركيا تبعا لذلك، وهو ما أدى إلى إنخفاض عددهم في تركيا من جديد إلى 40.345 وفقا لإحصاء العام 1955. وكان الأسطول التجاري الرسمي للدولة التركية في ذلك الوقت هو الذي يقوم بنفسه بشحن المهاجرين اليهود حتى شواطئ فلسطين.

ميندريس.. يهود تركيا وواشنطن 
أما من بقي من اليهود في تركيا ولم يهاجر، فقد عاين بنفسه التحولات الإيجابية المهمة في علاقتهم بأنقرة خلال خمسينيات القرن الماضي. وهذه التحولات هي التي حددت إلى اليوم الأطر العامة لسياسة الدولة التركية تجاه الأقلية اليهودية.

في الخمسينيات، كان رئيس الوزراء التركي عدنان ميندريس يرغب في توثيق علاقاته بالولايات المتحدة الأمريكية ودول غرب أوروبا، ورغم أن تركيا انضمت بالفعل في عهده إلى حلف الناتو (شمال الأطلسي)، كما اعتبرت جزءًا من برنامج المساعدات المالية والعسكرية الأمريكية (خطة مارشال)، فإن التحالف مع واشنطن كان في حاجة إلى وسيط قوي ومؤثر.

وجد "ميندريس" ذلك الوسيط بسهولة في إسرائيل، حيث اتفق مع رئيس وزرائها "ديفيد بن جوريون" على بروتوكولات تعاون موسعة في الجوانب الاستخباراتية والأمنية والعسكرية والاقتصادية عرفت باسم "الميثاق الشبح" نظرا لطابعها الذي ظل سريا حتى الستينيات. وكان دعم تل أبيب لأنقرة في دوائر صنع القرار بواشنطن على رأس الشروط التي تضمنها الميثاق والذي ينظر إليه باعتباره أول تحالف تدخله إسرائيل في تاريخها ضد العرب.

إضافة إلى إسرائيل، كان يهود تركيا وسيطا ممتازا بين ميندريس وواشنطن، حيث استخدمهم رئيس الوزراء التركي لتوثيق علاقاته بأعضاء اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، والذي يعتبر أكبر وأهم جماعة ضغط عرفها التاريخ الحديث.

استفادت تركيا كثيرا من تعاونها الواسع ذاك مع اليهود، حيث تلقت دعما ماليا وعسكريا مستمرا من واشنطن، كما نجحت عبر تدخلات اللوبي اليهودي الحاسمة في الإفلات من عقوبات أمريكية مغلظة كان اللوبي الأرمني واليوناني في واشنطن يرغب في أن توقع على الأتراك نتيجة لجرائم التطهير العرقي التي ارتكبها أجدادهم في الحرب العالمية الأولى.

أما يهود تركيا، فقد أمن لهم دورهم الجديد حياة ممتازة في البلاد. وبحلول العام 1968، أصبح اليهود يلعبون دورا مشابها لدور أجدادهم في العصر العثماني، حيث صار الكثير منهم من أكبر المسيطرين على الاقتصاد التركي.

مللي غوروش
في الستينيات نفسها، كانت تركيا على موعد مع نشوء جماعات الإسلام السياسي والتي تجعل لليهود والصهيونية مكانا رئيسا في خطابها.

كان فشل المشروع القومي - العلماني في تحديث تركيا، وإخفاقه في إيجاد أي رابط ممكن بين النخبة التغريبية في المدن الكبرى وبين عامة الشعب في حواشي تلك المدن أو في ريف الأناضول، سببا مباشرا في تحفيز الإسلاميين الأتراك على اقتحام عالم السياسة التركية، ومحاولة إيجاد موطئ قدم لهم فيه.

مثل المفكر الإسلامي "نجيب فاضل كوزاكوريك" أول منظر للإسلاميين الأتراك في النصف الثاني من القرن العشرين. وقد اعتبر الرجل في مقالاته التي دبجها بجريدة الشرق (بويوك دوغ أو) أن اليهود هم السبب الحقيقي وراء سقوط السلطنة العثمانية، كما أنهم السبب في ابتعاد تركيا عن جذورها الشرقية بعد تأسيس الجمهورية.

إضافة إلى تلك المقالات، استخدم كوزاكوريك أسلوب المنشورات الدعائية والتي وصل عدد المطبوع منها في خلال تلك الفترة إلى نحو 60 ألف نسخة. واحتل الهجوم على اليهود فيها مساحة واسعة. كما ظهرت في نفس الفترة كتب "جواد رفعت ألتيهان"، والتي كانت تدور في نفس فلك ما كتبه كوزاكوريك.

وبحلول العام 1969، كان "نجم الدين أربكان"، أنبغ تلاميذ كوزاكوريك، قد أنشأ حركة مللي غوروش "الرؤية الوطنية"، والتي كانت تنظيما إسلاميا يسعى إلى إسقاط الدولة العلمانية في تركيا وإحلال دولة إسلامية محلها. ومرة أخرى، كان عداء اليهود والصهيونية يمثل جزءا أصيلا من خطاب أربكان لحشد الشباب التركي.

كان من المفترض أن يصبح يهود تركيا هدفا سهلا لأتباع مللي غوروش المشتعلين بالرغبة في الجهاد. خاصة بعد تبنيهم الأفكار القطبية التكفيرية والتي تلقوها من كتابات المفكر المصري سيد قطب المترجمة إلى اللغة التركية. ولكن من جديد، ما كان مفترضا لم يحدث.

أنقرة وضعت في السبعينيات قوانين صارمة تحظر معاداة السامية. وفي وسط الفوضى التي أحدثتها ميليشيات أربكان في الشارع التركي ضد المجموعات اليسارية، لم يبد أن ضررا واسعا سينال اليهود. اللهم باستثناء مقتل 22 منهم أمام معبد شالوم في إسطنبول في 6 سبتمبر 1986، وكان المسؤول عن العملية فلسطينيين من منظمة أبو نضال المسلحة.

كان خروج اليهود الأتراك بأرواحهم ونفوذهم المالي من حقبة العنف الإسلامي في تركيا خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي تعني أن أنقرة كانت لا تزال تؤمن بقدرة هؤلاء القلة على التأثير في وضع تركيا بين أوساط اللوبي اليهودي في واشنطن، ومن ثم التأثير على وضعها في الولايات المتحدة نفسها.

صعود إردوغان
ولكن تحولا جذريا حدث في تركيا خلال مطلع الألفية الجديدة، كان من شأنه أن يطيح باليهود الأتراك إلى الأبد، إذ وصل واحد من أشد تلاميذ أربكان إخلاصا إلى سدة الحكم في أنقرة، ونجح في تثبيت حكمه بها لنحو عقدين من الزمان بعد ذلك الوصول.

كان ذلك الشخص هو نفسه الرئيس التركي الحالي "رجب إردوغان"، والذي تمكن في العام 2002 من الفوز بالانتخابات البرلمانية مع حزبه "الإسلامي" العدالة والتنمية. ومن المهم معرفة أن "إردوغان" حتى نهاية الثمانينيات كان ناشطا سياسيا فاعلا في "مللي غوروش"، وكانت خطب أربكان التي حضرها بنفسه أو استمع إليها عبر شرائط الكاسيت، تعلمه بثبات كيف أن اليهود هم أساس بلاء العالم طوال خمسة آلاف عام ماضية. وكيف أن التخلص منهم هو السبيل الوحيد لإقامة تركيا الإسلامية.

المتأمل في خطاب إردوغان منذ العام 2002 وحتى اليوم، عبر مئات الخطب، والمؤتمرات الصحافية، والحوارات الإذاعية أو المتلفزة، بل وحتى الأعمال السينمائية أو الدرامية التي يدعمها. والتي يظهر فيها اليهودي أو الصهيوني بصفتهم المتآمرين الأكبر على تركيا قديما وحديثا، كما تظهر إسرائيل بصفتها الدولة الأكثر إجراما في المنطقة، يمكنه أن يلحظ كيف أن الرجل مخلص بالفعل "نظريا" لأفكار أربكان عن اليهود وعن الصهيونية.

ولكن ما يبدو أنه إخلاص نظري من إردوغان لطروحات شيخه، يتناقض في حقيقته مع سياسات الرجل الفعلية تجاه الكيان الصهيوني، أو تجاه اليهود في بلاده.

لقد زار إردوغان إسرائيل في العام 2005، أي بعد 3 سنوات فقط من توليه رئاسة الوزارة. وفي تلك الزيارة، أكد أمام نظيره الإسرائيلي "أرييل شارون" أنه على كامل الاستعداد لإكمال التعاون العسكري والاستخباراتي مع تل أبيب والذي كان "سليمان ديميريل" رئيس وزراء تركيا الأسبق قد بدأه أثناء زيارة مماثلة للعاصمة الإسرائيلية في العام 1996.

ومنذ العام 2005 وحتى اليوم، وفي ظل قيادة إردوغان نفسه، استمرت إسرائيل في لعب دور المطور الأساسي للبنية التحتية للجيش التركي، إضافة إلى كونها مموله الرئيس بأحدث الأسلحة.

وخلال نفس الفترة، ارتفع التعاون التجاري بين تركيا وإسرائيل إلى مستويات غير مسبوقة من خلال تطوير اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين. كما ظلت المدن التركية مقصدا أساسيا للسياحة الإسرائيلية الدينية والشاطئية.

ذلك التحالف الوثيق بين أنقرة وتل أبيب والذي كشف عن براغماتية إردوغان الوحشية، تخللته تصرفات من الرجل جعلته يشبه لاعبي الأكروبات. فمنذ القصف الإسرائيلي على غزة بين عامي 2008 و2009، وهو لا يتوقف عن توجيه الانتقادات الحادة ضد تل أبيب وسياستها الإجرامية ضد العرب في فلسطين. ووصل ما بدا أنه صدام بينه وبين إسرائيل إلى مداه حين تعرضت سفينة الإغاثة التركية ماوي مرمرة في العام 2010 لهجوم كوماندوز إسرائيلي أسفر عن مقتل 10 من الناشطين الأتراك.

بعد حادث مرمرة، بدا من ردة فعل إردوغان أن العثماني الجديد سوف يشن حربا كاسحة تقلع الكيان الصهيوني من الأرض العربية. ولكن على قدر التوقعات المرتفعة كانت النتائج مخيبة، فإردوغان اكتفى بما سماه مقاطعة إسرائيل. وحتى هذه لم يكن صادقا فيها، فقد استمر التبادل التجاري على وضعه بين الدولتين طوال السنوات التي أطلق عليها "سنوات المقاطعة". بل شهد العام 2013، أي قبل المصالحة الرسمية بثلاث سنوات توقيع عقود عسكرية بين الجانبين، حصل بموجبها الجانب التركي من إسرائيل على معدات مراقبة عالية الجودة استخدمها على طول حدوده المضطربة في العراق وسورية.

على الدرب نسير
إذا كانت تلك هي علاقة الرئيس التركي بالكيان الصهيوني، فماذ عن علاقته بالأقلية اليهودية في تركيا؟ تبدو سياسة إردوغان تجاه يهود بلاده نسخة مصغرة من سياسته تجاه إسرائيل. وهو مخلص أمين لسياسة عدنان ميندريس تجاه اليهود الأتراك، إذ لا تزال الخطوط العامة لتلك السياسة تحتفظ بسخونتها القديمة، خاصة من ناحية استخدام اليهود لضمان استمرار التعاون مع اللوبي اليهودي في واشنطن.

بداية العلاقة بين إردوغان ويهود تركيا كانت في 15 نوفمبر من العام 2003، عندما شهدت إسطنبول تفجير سيارتين مفخختين أمام معبدي "نيف شالوم" و"بيت إسرائيل" أدت إلى مقتل 25 شخصا إضافة إلى إصابة نحو 300. وأعلن تنظيم القاعدة وقتها مسؤوليته عن تلك العملية.

هذه البداية بالغة السخونة كانت تنبئ بأن مصيرا سوداويا ينتظر اليهود الأتراك. ولكن إردوغان الذي أبدى إنكاره للحادث، ثم شرع في تطوير علاقاته بإسرائيل كما سبقت الإشارة أعلن أن الأقلية اليهودية ستكون جزءا مهما من سياسته الخارجية، تماما كما كانت في تركيا طوال العقود السبعة الماضية.

"ألاركو"
لقد حافظ اليهود في ظل قيادة إردوغان على امتيازاتهم الاقتصادية القديمة ودون مساس. ولا تزال مجموعة "ألاركو القابضة" والتي أسسها رجل الأعمال اليهودي التركي "إسحق ألاتون" في العام 1954 تقف شاهدا حتى اليوم على عمق تأثير اليهود في الاقتصاد التركي حيث تعتبر "ألاركو" واحدة من أكبر تكتلات الأعمال في البلاد، ويتوزع عملها بين عدة قطاعات منها الإنشاء والتوزيع والسياحة والعقارات. وهي تعمل على تعاقدات حكومية بقدر ما تعمل في القطاع الخاص.

ألاركو اليهودية - التركية تملك مؤسسة نشاطات خيرية تشبه تلك التي يملكها فتح الله جولن أكبر خصوم إردوغان حاليا. وهي مثل مؤسسة جولن، تقدم منحا تعليمية وبرامج تدريبية تتيح لها التواجد في قلب المجتمع التركي. ولكن بينما تتم ملاحقة نشاطات "جولن" في دولة إردوغان، فإن نشاطات "ألاركو" متاحة ومباحة.

والغريب أنه بعد إعلان وفاة "إسحق ألاتون" في سبتمبر من العام 2016، خرجت تغريدات بعض الأتراك الموالين لإردوغان تعلن فرحتها بموت الرجل الذي كان أقرب إلى "مصاصي الدماء" في نظرهم بسبب سطوته الاقتصادية الهائلة في البلاد. بينما وصفته بعض التغريدات الشامتة الأخرى بالتابع الأمين لرجل الأعمال اليهودي المجري "جورج سوروس"، وهو نفسه سوروس الذي اتهمه إردوغان علانية بتدبير احتجاجات غيزي بارك 2013، ثم انقلاب يوليو 2016 للإطاحة به والإتيان بـ"جولن". ورغم ذلك أيضا، فإن ألاركو تبدو بعيدة عن عداوة إردوغان.

تهديد واستجابة
يبدو كافي قمحي نموذجا آخر على يهود تركيا الذين يمثلون جزءا من النخبة المؤثرة في تركيا إردوغان. وهو رجل أعمال وسياسي، يترأس وكالة استشارات في إسطنبول إضافة إلى شركة توزيع تلفزيوني، انتدب من قبل أنقرة لقيادة ثلاثة مجالس للتجارة التركية الخارجية.

قمحي، خرج بعد التفجير الذي طال معبدا يهوديا في إسطنبول مارس 2016، وأسفر عن مقتل 4 أشخاص بينهم 3 سياح إسرائيليين ليؤكد أن اليهود الأتراك سعيدون بالتواجد في تركيا ولا يرغبون في الهجرة منها، ولكنهم فقط يرغبون في أن يتوقف إردوغان عن ملاسناته العنترية ضد إسرائيل كي لا تفسر تلك الملاسنات على أنها تحريض للإسلاميين الأتراك بالهجوم على اليهود.

وعلى غرار تصريحات قمحي، فقد خرجت مطالبات بعد نفس حادث التفجير تطالب إردوغان بنفس المطلب كي يضمن تعاون اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة معه.

ومن الواضح أن تلك المطالبات أو التحذيرات والتي تكررت بعد الملاسنة الأخيرة بين إردوغان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مارس 2019 قد لاقت صدى فوريا عند إردوغان، والذي يحرص على تهنئة يهود تركيا بأعيادهم الخاصة في خطابات رسمية يشفعها دوما بتأكيده على احترام أنقرة لمعتقدات الغير وأديانهم.

تأكيدات إردوغان تعبر عن رغبته في استمرار الاعتماد على اليهود كوسيط مهم بينه وبين واشنطن، وربما حتى لتبييض صورته أمام الاتحاد الأوروبي الذي يرغب بشدة في ضم بلاده إليه. ولكن هل يفلح في تصدير صورة "الرجل المنفتح المتسامح" وهو الذي لا يكف عن تعريض الأكراد لشتى أنواع التضييق والطمس الهوياتي، بينما يعرض العلويين للملاحقات الدينية والتي تصل في كثير من الأحيان إلى تحويل بيوت العبادة العلوية "تشيم إيفي" إلى مساجد سنية؟!!.

إن استخدام إردوغان لليهود في تركيا هو استخدام نفعي بحت لا علاقة له بتغير أصيل في سياسة أنقرة تجاه الآخر المختلف دينيا أو عرقيا. وهذه العلاقة الممتازة التي تجمع الرئيس التركي بيهود بلاده لا يفسدها حقيقة سوى إردوغان نفسه الذي لن يستطيع الموازنة بين تحالفه الوطيد مع الصهيونية ومحاولاته الظهور كبطل إسلامي.

المصادر :


Qatalah