يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


في اليمن يجلس الصغار في مدارسهم يستمعون إلى المعلمين وهم يحكون قصص بطولات الأجداد الذين استطاعوا بأسلحة تقليدية الانتصار على القوات العثمانية التي سيطرت على بلادهم على مدار قرن من الزمان، واصل الثوار على مدار عشرات السنين كفاحهم ضد الاحتلال العثماني الذي نهب ثروات بلادهم، وخرب بيوتهم، وعلق المشانق للأطفال والنساء والشيوخ في الشوارع، وفرض عليهم ضرائب باهظة لا طاقة لهم على احتمالها.
سقى أهل اليمن الأتراك كأس الموت وكبدوهم خسائر فادحة في الرجال والعتاد، ابتلعت الأرض التي  أتوا لاحتلالها آلاف الجنود بعد أن تحولت إلى مقابر لهم، وكلما أرسلت إسطنبول حملة جديدة لقمع الثورة وقف لها الثوار بالمرصاد حتى استسلم قائدهم في النهاية وخرجوا يجرون أذيال الهزيمة والخيبة.

الخبثاء  يحتلون الشوطئ
ظن اليمنيون أن الحملة العسكرية العثمانية التي رست على شواطئ بلادهم عام 1538 هدفها القضاء على خطر البحرية البرتغالية التي تتحكم في التجارة وتمنع مرورها عن طريق البحر وبالتالي تشكل خطرا على اليمن ومصر معا، رحب عامر بن داوود حاكم عدن بقائد الحملة سليمان باشا الخادم باعتباره المنقذ لبلاد المسلمين من البرتغاليين، وذهب إليه مع 6 من كبار أتباعه يدعونه للتزود بما يحتاج إليه من مؤن.
فتح لهم أبواب بلاده وهو لا يعلم بالنية الخبيثة المبيتة، دخل الجنود ينهبون مدينته، ويقتلون أهلها، أما الأمير الكريم فقد شنقوه مع من كان معه وعلقوا رؤوسهم على صواري السفن، ليدشن العثمانيون في اليمن غزوهم بالغدر والخسة، وطعن ضيوفهم في الظهر وفق ما ذكر سيد سالم في كتابه "الفتح العثماني الأول لليمن 1538-1635".

تعز.. هنا انهزم الأتراك
كشف الاحتلال العثماني سريعا عن أطماعه في اليمن، لم يكتف ببسط نفوذه على الساحل، توغل داخل البلاد، وأحكم قبضته على المدن المهمة وخاصة صنعاء، أشاع الرعب بين السكان، بترويع الناس، وسلب ممتلكاتهم، وقتل كل من يحاول الوقوف في طريقهم، وفرض الضرائب الباهظة التي كان يرسل منها جزء إلى السلطان في إسطنبول ويوزع الباقي على جنود الإنكشارية داخل البلاد.
ورغم أن منطقة زبيد كان يحكمها أمير مملوكي موالٍ للعثمانيين يدعى الناخودة أحمد، إلا أنهم غدروا به أيضا، خلعه سليمان باشا من منصبه بعد أن أعطاه الأمان في البداية، ولكن الأتراك لم يستطيعوا الإيقاع بالإمام شرف الدين إمام الزيدية الذي نجا من مكائدهم بأعجوبة وقاد الثورة في شمال البلاد ضد وجودهم ونجح في هزيمتهم بتعز.

المطهر رمز الثورة 
انتفض الشعب اليمني بكل طوائفه في وجه الاحتلال التركي، التف حول أمراء الشمال بزعامة الإمام شرف الدين، ثم ابنه الأمير المطهر، ليخوض نضالا طويلا استمر لعقود، إلا أنهم تمكنوا في النهاية بإلحاق الهزيمة بالعثمانيين رغم اعتمادهم على أسلحة تقليدية، بينما إيمانهم بقضية بلادهم مكنهم من النصر على جيش يمتلك معدات قتال متطورة مقارنة بما في أيديهم.
بالكفاح والصمود واجه اليمنيون عدوا خسيسا ليرسموا أروع صور البطولة التي يفخرون بها في تاريخهم، أما شجاعة الإمام المطهر في المعارك التي دارت مع العثمانيين فقد نصبته رمزا للمقاومة، خاصة بعد أن وحد كلمة الشعب على اختلاف مذاهبه كما ذكر سيد سالم في كتابه.
تكبد العثمانيون خسائر فادحة، خاصة في الأرواح على مدار عقدين من الثورة مما جعلهم يعترفون بأن اليمن مقبرتهم، بعد أن كان الزهو يملأ نفوسهم في البداية، معتقدين أن الأمر مجرد نزهة عسكرية، لدرجة أن سليمان باشا الخادم قال لجنوده: "اليمن بلد بلا حاكم، مقاطعة خالية. لن يكون احتلالها ممكنا فحسب بل سهلا وعندما نسيطر عليها، ستصبح سيدة أراضي الهند، وترسل كميات كبيرة من الذهب إلى إسطنبول".
وقف أهل اليمن بصدورهم العارية أمام المدافع التركية ، لم تفتر عزيمتهم على مدار عشرات السنين، صنعوا ملحمة النصر بدمائهم وأرواحهم،  الأمر الذي جعل أحد الكتاب الأتراك قطب الدين يصف إحساس العثمانيين بفداحة خسائرهم عام 1547 بقوله: "ما رأينا مسبكاً مثل اليمن لعسكرنا، كلما جهزنا إليه عسكراً ذاب ذوبان الملح، ولا يعود منه إلا الفرد النادر، وقد جهزنا ثمانين ألفا من العساكر ولم يبق منهم في اليمن ما يكمل سبعة آلاف نفر".
حمّل قطب الدين الهزيمة للفساد العثماني في الهند قائلا: الموظفون رغبوا في الترف والمظاهر، ولما كانت مرتباتهم ضئيلة اتجهوا الى ابتزاز الأهالي وظلمهم بطرق غير مشروعة، أما الولاة العثمانيون فقد انخرطوا في تحصيل الأموال بطرق غير مشروعة، وتعسفية، أملاً في دفعها رشوة للسلطان للحصول على ولايات جديدة أهم مثل مصر، أو منصب رفيع في العاصمة.
وأمام الانتصارات الباهرة للثورة اليمنية، انحصر نفوذ المحتل التركي على منطقة زبيد وتهامة وعدن، إلا أن الدولة العثمانية سرعان ما أرسلت حملة عسكرية لقمع الثورة.

سنان باشا يتجرع الكأس
أراد الصدر الأعظم محمد صوقوللو أن يحقق انتصارا في اليمن يقدمه كهدية للسلطان سليم الثاني الذي كان يبحث عن المزيد من الغنائم، أرسل سنان باشاعام  1569 بأعداد كبيرة من الجنود والأسلحة لسحق الثورة، وأمام الزحف العثماني الكبير سحب المطهر قواته، وأعاد تنظيمها في مواقع حصينة، ليدخل بعدها في حرب عصابات ضد الأتراك، أذاقهم خلالها الهزيمة تلو الأخرى.
استولى سنان باشا بالقوة على محاصيل الفلاحين، وشن غارات لجمع أكبر قدر من الغنائم، وردا على هذه العمليات العسكرية المتوحشة انضمت أعداد كبيرة إلى المقاومة التي استطاعت أن تعيد حملة سنان باشا من حيث أتت، فغادر اليمن بعد أن عقد معاهدة صلح مع الإمام المطهر، في حين لم ينس قبل رحيله أن يصدر أوامره بزيادة الضرائب.
لم يلتزم العثمانيون بمعاهدة الصلح ففي عام 1573 اتبع  بهرام باشا، سياسة تتسم بالشدة والعنف، طارد الثوار في كل مكان يتحصنون فيه، وأسرف في التنكيل بالأهالي بسبب حبه لسفك الدماء، حتى روت الوثائق التي تحدثت عن هذه الفترة أنه "أفنى من أهل اليمن خلقاً ليس إلى حصره من سبيل لتعذر الانحصار من كثرة القتلى".
زاد الظلم التركي، واضطربت أحوال البلاد، وعم التمرد بين الجند العثمانيين، فعاثوا فساداً، ونهباً، أما أبشع صور القهر تمثلت في قيام حسين باشا الكيخيا قائد قوات الوالي حسن باشا بقتل الآلاف من الأهالي، وهدم قرى كاملة، وأخذ النساء رهائن، لإذلال الثوار وكسر شوكتهم.

القائد التركي يسلم نفسه للثوار
كلما قتل العثمانيون ثائرا أنجبت أرض اليمن عشرة، التف الأهالي وراء الإمام القاسم، الذي قاد ثورة جديدة ضد القمع التركي، طالب فيها برفع الظلم، ووقف استنزاف ثروات البلاد، وفرض الضرائب الباهظة، ووضع حدا للبطش والعنف الذي وصفته الكتابات المعاصرة للاحتلال بقولها: "أما المال فلهم في أخذه قوة وسطوة، فقد يعذبون الأهالي العذاب العظيم، مثل ضرب السياط كثيراً، وقد يجلدون بعضهم حتى يموتوا، واستخدموا الكي بالنار للتعذيب".
لم يحتمل اليمنيون التصرفات اللا أخلاقية للجنود الذين أقبلوا على شرب الخمر والزنا، ومعاشرة الغلمان فضلا عن التعامل بالربا كما ذكر كتاب "الفتح العثماني الأول لليمن".
استجابت القبائل لدعوة الإمام القاسم، لمحاربة العثمانيين، فهزموا جيوشهم التي أرسلها الوالي للأقاليم الشمالية، وفي غضون 6 أشهر نجح الإمام القاسم في طردهم من صعدة حتى صنعاء جنوباً، ولم يجد الأتراك طريقة لحفظ ماء وجههم إلا بالصلح مع الإمام، ولكنهم سرعان ما عادوا للغدر، وقتلوا أحد الفقهاء المقربين منه بعد وفاته، وعندما طالب  ابنه محمد بمعاقبة القتلة،رفض الأتراك، فأعلن الحرب عليهم .
قاد محمد  ثورة شاملة ضد الوجود العثماني، وفي 1629 استطاع خلالها تحرير عدن وتعز، وهزم القوات العثمانية التي جاءت من الحبشة ومصر للنجدة، أما قانصوه باشا قائد العثمانيين فقد سلم نفسه إلى اليمنيين.
أيقن الأتراك بالهزيمة، فهرعوا يطلبون العفو والصلح من الإمام محمد الشهير بالمؤيد، وخرجوا من اليمن عام 1635 يجرون أذيال الهزيمة، لتصبح اليمن أول ولاية عربية تتحرر من الاحتلال العثماني، وعبر الشعب التركي عن مأساة جنودهم في اليمن بالعديد من الأغاني ومنها تلك الأغنية الشهيرة التي تقول: مناطق اليمن تلك ما أقسى شدتها/ آه من هذا اليمن/ اللي يروح مايرجعش.

Qatalah