يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


28 يناير 2019 12 عاما على اغتيال الصحفي الأرمني هرانت دينك

يبدأ الأرمن في إسطنبول عامهم الجديد باحتفالات صاخبة، وتقام الموائد ليلة الخامس من يناير، إذ يفضلون تناول الأسماك في تلك الليلة، حتى الأرمن في أرمينيا يقومون بتناول الأسماك إلى جانب الأرز المحلي.

وبين هذه الاحتفالات الصاخبة يجد الإنسان في نفسه أمورًا لا يستطيع إخفاءها، أمورا تدعو إلى الحزن، فمع اقتراب يوم التاسع عشر من يناير من كل عام يفقد كل شيء جميل في حياتنا معناه، ويحل محله إحساس بالحسرة والألم.

هكذا كان إحساسنا قبل 12 عامًا. كنا نعيش أجواءً ملؤها البهجة والفرح، حتى تحوَّل كل شيء إلى النقيض تمامًا. شعرنا بحزن ولوعة لم نر مثيلًا لهما في ذلك اليوم. تحولت بهجتنا إلى غضب دفين لم نستطع أن نكبح جماحه.

بدأ التاريخ المؤلم قبل 12 عاما لدى سماعنا بعض الناس يرددون "افتحوا التلفاز، لقد اغتالوا هرانت!".
قتلوا الزعيم الذي أثبت بموته أنه "ليس كل من يُقتل يموت ويتوارى عن الأذهان".. دماء، صحف متناثرة على الأرض، وتحتها يستلقي جسد الصحفي الأرمني هرانت دينك.. صخب، بكاء، عويل، جمعُ غفير من رجال الشرطة، وصحف تتطاير في الهواء.

تلاحقت الأحداث بعد ذلك، فأضيئت الشموع، وجرت مراسم العزاء. ظننتُ لوهلة أن الأمر قد انتهى عند تلقي نبأ وفاة دينك.
رأينا القاتل، وهو يرتدي قبعة بيضاء، ويستقل الحافلة. كان يسير هادئًا مُطمئنا.
قاموا باقتياد المراهق صاحب القبعة البيضاء إلى مخفر الشرطة باحترام شديد، وهناك قدَّموا له الشاي، وامتدحوا الأوفياء أمثاله من المحبين للوطن. 

وبالطبع كان هذا المشهد يقتضي أن يلتقط رجال الشرطة الصور معه إلى جوار العلم التركي. قالوا له: "أنت، قف إلى هذا الجانب!"، التقطوا الصورة وحرصوا على أن يظهر فيها لوحة، كتبت عليها مقولة أتاتورك الشهيرة "لا يجب أن نترك تراب الوطن المقدس ليدنسه هؤلاء!" .

انصاع القاتل بدوره إلى توجيهات رفاقه من الشرطة، والتقطوا الصورة، وقد أخذ موقعه إلى جانب أحد الأعلام، وأمسك بالآخر في يده. كان يتلفت حوله، وقد شعر بفخر من يدافع عن الوطن ضد الأعداء،  أما رفاقه من رجال الشرطة، فروَّجوا لهذه الصورة في كل مكان.

روَّجوا لها، ليس لكونها مجرد صورة لقاتل شاب، وإنما باعتبارها صورة تعكس تقاليد الدولة القديمة.
وعلى الجانب الآخر، اتشحت حشود غفيرة بالسواد، حاملين صورة هرانت دينك في جنازة حفرت في الأذهان. وفي النهاية تقبلنا خبر وفاته، وأيقنا أننا ذاهبون لتشييعه لمثواه الأخير.

سمعنا أحدهم بعدها يقول: "هذه الرصاصة لم تصوب إلى هرانت دينك فقط، ولكن صُوِّبت إلى صدر تركيا بكاملها"، كنا جميعًا نؤمن بهذا.
ضاقت الطرق بالمواطنين الغاضبين، الذين أخذوا يرددون بصوت واحد قائلين :"نحن جميعًا أرمن". ومع شدة حزننا ولوعتنا لفراقه، كنا نشعر بشيء من السعادة، على الرغم من موته، مما استطاع دينك أن يُحدِثه في نفوس الناس. 

اعترف القاتل صاحب القبعة البيضاء بتنفيذ الجريمة قائلًا: "أنا فعلت هذا بنفسي، بعد أن أثارتني مقالاته بشدة"، واستطرد قائلًا: "جئتُ، وعندما رأيته قمت بإطلاق الرصاص عليه"، كم كان الأمر سهلًا.

لقد استبدت بهم البغضاء والكراهية، حتى وصلت إلى حد الإقدام على القتل. لم يحاولوا أبدًا أن يُعملوا عقولهم، فهم لا يزالون ينظرون إلى الجميع باعتبارهم أعداء. 

خرجت الحشود الغفيرة تملأ الشوارع والطرقات من أجل التنديد بمقتل أرمني واحد في جريمة  خطط لها، وأشرف على تنفيذها عدد من رجال الدولة. لا شك أن هؤلاء يعرفون جيدًا هذا الرجل، الذي سعت الدولة لتقديمه إلى المحاكمة بتهمة "إهانة الهوية التركية"، هل هناك مجال للحديث عن الاستقطاب، والاختلاف في الرؤى بعد ذلك.

منذ 12 عامًا وإلى الآن، والدولة تقف بالمرصاد لكل من يؤيد هذه القضية، لأولئك الذين تضاءلت أعدادهم مقارنة بأعداد رجال السلطة، وأعداد الذين وقفوا يلتقطون الصورة مع القاتل أوغون ساماست.

صرَّح مدير أمن إسطنبول، في ذلك الوقت، جلال الدين جرَّاح، بعد الحادث بيومين، قائلًا: "ليس للحادث أي بعد سياسي، كما لا تقف أية منظمة وراء ارتكابه!". حمل تصريحه هذا رسالة مفادها "لا ترهقوا أنفسكم في الركض خلف الذين خططوا لهذه الجريمة! وحتى إن عثرتم على دليل، فلا تنتظروا منا شيئًا!".

وبعيدًا عن تصريحات مدير أمن إسطنبول، فقد وجد، الذين يتابعون الإجراءات القانونية الخاصة بتلك القضية، كافة الملفات والمحاضر الخاصة بالجريمة خالية تماما من المعلومات. وهذا يعني أنها قضية خاسرة من الناحية القانونية، وأن "الدولة تعمدت التستر على الجناة في جريمة خطط لها ونفذها رجال لم يجدوا من يردعهم".

نال القتلة كل التقدير والثناء، أما نحن فشعرنا بالخزي. وفرت لهم الدولة كل سبل الحماية والمساعدة، أما نحن فلا نزال نتعرض لقهرهم وظلمهم. هم ربحوا، وخسرت تركيا.

لم أستطع منع نفسي، طوال 12 عاما، شعرت خلالها بألم نفسي كبير، من طرح سؤال "ترى ما الذي كان سيفعله دينك لو كان حيا بيننا الآن، ورأى ما نعانيه اليوم؟".

يراودني هذا السؤال كثيرًا في السنوات الأخيرة على وجه الخصوص.
ماذا عسى أخي هرانت دينك أن يقول أو يفعل عندما يعلم بمقتل طاهر إيلجي (سياسي ومحامي تركي من أصول كردية، كان رئيس نقابة المحامين بديار بكر. عُرِفَ بتبنيه قضية الأكراد، والدفاع عنهم) والزج بعثمان كافالا إلى السجن دون تقديم لائحة اتهام إلى الآن، وتلفيق التهم لصلاح الدين دميرطاش، على الرغم من قرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بإطلاق سراحه.

ترى ما الذي كان سيفعله عندما يعلم بتقديم الأكاديميين للمحاكمة بسبب توقيعهم على رسالة، بعثوا بها إلى رئيس الجمهورية، يطالبونه فيها بأن يعم السلام ربوع تركيا. ماذا عساه أن  يفعل عندما يعلم بإيداع مئات الأطفال في السجون، وإغلاق مؤسسات المجتمع المدني، ومنعها من مزاولة عملها، واضطرار الصحفيين إلى الفرار خارج تركيا، حفاظا على حياتهم، بعد أن عجزت الصحافة عن القيام بالدور المنوط بها؟!

تُرى هل كان سيتمسك بقولته "لن أترك وطني، لن أرحل؟!"
حسنًا، ولكن ماذا إن تمسَّك بالبقاء في تركيا. أية تهمة سيلفقونها له حينئذِ، كي يقدموه إلى المحاكمة. أية منظمة أو أي نشاط إرهابي سيحاكم بسببه؟ هل كانوا سيلفقون له تهمة من التهم التي اعتدنا على سماعها اليوم، أم أنهم سيبتكرون اتهامًا جديدًا من أجله، ويدَّعون انتماءه إلى منظمة لم نسمع باسمها من قبل؟  

هل كان سيكتفي بالابتسام وتقطيع البرتقال وهو يشاهد المظاهرات في الشوارع، أم أنه سيضحك على نثر الدولارات على سيدة ترقص في ستوديو بأحد البرامج، وهي ترتدي قناعا لترامب. هل كان سيكتفي بالابتسام، وهو يرى جماعةً من 22 فردا معادية للأرمن، وهي تشوِّه علم أرمينيا؟.

أتوق لمعرفة رأيه في المفاوضات الخاصة بالسوريين. لا يساورني الشك في أنه كان سيقف إلى جانب المظلومين.
من المؤكد أنه كان سيبدي رد فعل على وضع علامة "X" على الكلمات التي قالها بايلان (سياسي ونائب  تركي من أصول أرمنية عن حزب الشعوب الديمقراطي) خلال بيانه في مجلس النواب باللغة الأرمنية؟ تُرى ما هو العنوان الذي كان سيضعه للمقال الذي كان سينشره في نفس الأسبوع في صحيفة "أغوس"؟.

تُرى هل كان سيصبح نائبا في البرلمان لو كان حيا بيننا؟ لا أعرف هل كان سيرفض هذا الأمر، أم كان سيعتبره مغنما ويقبل به... ولكني على يقين أنهم ما كانوا ليسمحوا له بالبقاء هناك كثيرا.. أليس كذلك؟ ماذا كان سيفعل عندما يلقون به في السجن؟

ماذا كان سيفعل إزاء العصيان المدني الذي حدث في أرمينيا؟ أعتقد أنه كان سيحب نيكول باشينيان (رئيس وزراء أرمينيا)، كان سيروق له كثيرا مقدرته على جمع الناس من حوله.

هل كان سيحاول أن يزرع الحب، الذي شعر به تجاه وطنه ورفاقه، في نفوس من يناصبونه العداء؟
ليت لأي أرمني يود أن يعيش في تركيا بلا خوف، وأن يتحدث بحرية في تركيا أن يكون له أخٌ مثل هرانت دينك، لا يتردد في النضال لأجل هذه القضية.

ترى ما الذي كان سيفعله هرانت دينك لو قُتِلَ أخوه، ورأى الدولة تتعمد إخفاء حقيقة قاتليه؟
ماذا كان سيفعل لو أنه رأى الجملة التي ظهرت في الصورة التي التقطت للقاتل بصحبة الشرطة، وعلم بزعمهم أنهم قتلوه كي يحموا الوطن منه. هل سيكون لديه في ذلك الوقت من الطاقة ما يكفي للمواصلة؟ 

لم أستطع، بعد مرور 12 عاما على مقتل هرانت دينك، أن أجد الإجابة عن هذا السؤال، الذي ظل يتردد في ذهني طوال هذه الفترة "ماذا كان سيفعل هرانت لو أنه لم يمت، ورأى الحال الذي آلت إليه تركيا اليوم؟".

Qatalah