يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


الرئيس التركي المستبد، رجب إردوغان، لم يكتف، بأن وضع جميع السلطات ومقدرات الدولة في يده، حينما استبدل نظام الحكم البرلماني بنظيره الرئاسي في 2018، لكنه عمد إلى اضطهاد الصحافيين، الذين يعارضون نظام حكمه، ولاحقهم واعتقل الكثير منهم، خلال العام الأول من النظام الرئاسي.
 
الصحافي والنائب التابع لحزب الشعب الجمهوري، أوتكو تشاكير أوزار، حصر انتهاكات حرية الصحافة والتعبير خلال السنة الأولى للنظام الرئاسي، قائلاً :"ما زال هناك 134 صحافيًا داخل السجون، تم الحكم على ما لا يقل عن 50 صحافياً في غضون عام واحد بالسجن بإجمالي أحكام تزيد على 130 عاماً، بمعنى آخر، تم رهن 130 عامًا من الصحافة وحرية التعبير خلال عام واحد من النظام الرئاسي".
 
وفقاً للخبر الوارد من جريدة "سوزجو"، كان هناك 148 صحافياً قابعين داخل السجون يوم تفعيل النظام الرئاسي، 25 يونيو 2018، اليوم يوجد 134 صحافياً داخل السجون. رغم إلغاء حالة الطوارئ، لكن الصحافة لم تستطع الخروج من حيز قانون الطوارئ، خلال العام الأول من النظام الرئاسي، حيث استمرت محاكمة 132 صحافياً وكاتباً ورساماً، حكم على ما لا يقل عن 50 منهم بالسجن بإجمالي أحكام تصل لأكثر من 130 عامًا.
 
أرين أردم، تم اعتقاله في 29 يونيو 2018، وحُكم عليه ظلما بالسجن لمدة 4 سنوات وشهرين مطلع مارس 2019، بتهمة مساعدة "تنظيم إرهابي" عمدًا دون الانتماء إليه، أرين أردم، رئيس تحرير صحيفة "كارشي" السابق ونائب حزب الشعب الجمهوري السابق، كان يخضع للتحقيقات في قضية نشر تسجيلات غير قانونية عن ملفات الفساد والرشوة التي طفت إلى السطح في ديسمبر 2013، وأحرجت رئيس الوزراء آنذاك إردوغان، رغم أن التسجيلات انتشرت في شتى مواقع التواصل الاجتماعي. وتقدم أردم بطعن أمام محكمة الاستئناف، وينتظر البت فيه حتى هذه اللحظة.
 
محاكمة سياسية
يوجد أيضاً من بين الصحافيين الذين صدرت ضدهم أحكام ظلماً، الصحافيون المتهمون في قضية صحيفة "جمهورييت"، التي يُحاكم فيها صحافيون ورسامو كاريكاتير و3 محامين، بتهمة ارتكاب جريمة باسم منظمة إرهابية ضد النظام الدستوري، على خلفية اتهامهم بالتعاون مع حزب العمال الكردستاني والداعية فتح الله جولن، الذي تتهمه أنقرة بتدبير مسرحية انقلاب يوليو 2016. 
 
الصحيفة المعروفة بمعارضتها الشديدة للرئيس رجب إردوغان، ترفض تلك الاتهامات، وتندد بالمحاكمة السياسية التي تستهدف إسكات الصحافة المستقلة في تركيا.
 
محكمة استئناف تركية، أيدت في فبراير الماضي، حكما بسجن 14 من صحافيي وإداريي صحيفة "جمهورييت"، والسلطات أعادت عدداً منهم إلى السجن لقضاء الفترات المتبقية من أحكامهم. وكانت محكمة قد قضت العام الماضي بسجن 14 من العاملين بالصحيفة، التي ما زالت من الأصوات القليلة المنتقدة للحكومة. 
 
صحيفة "جمهورييت"، أعلنت أن محكمة الاستئناف، التي أيدت أحكام السجن، قضت بأن المحاكمة قانونية وأيدت الأحكام الصادرة ضد موظفيها. وأضافت :"أن مدد السجن التي تقل عن خمس سنوات صارت نهائية، وأن الأحكام التي تزيد على ذلك ستنظرها محكمة أعلى درجة، وهي محكمة النقض". 
 
الصحيفة، أضافت :"أن المحكوم عليهم بالسجن أقل من خمس سنوات عددهم خمسة من الصحافيين والإداريين وسيقضون باقي العقوبة"، صحافيو وإداريو الصحيفة، اُعتقلوا في أكتوبر 2016 بموجب حالة الطوارئ، التي فرضت بعد مسرحية الانقلاب.
 
ورغم أن الادعاء العام، طالب المحكمة ببراءة الصحافيين والمحامين الذين يحاكمون في قضية "جمهورييت"، لا يزال الصحافيون موسى كارت، وهاكان كارا، وجوراي أوز ومصطفى كمال جونجر وأوندر تشيليك داخل السجن. أوزار، قال :"وافق الجميع على دوامة الفوضى والظلم هذه، لكن الآلية الرئاسية لم تعمل من أجل حريتهم". 
 
ضرب الصحافيين
أوزار، يستكمل حصره لحصيلة الانتهاكات ضد الصحافة التركية، في العام الأول في ظل النظام الرئاسي، مشيراً إلى استمرار محاكمة كتاب وموظفي صحيفة "سوزجو"، بعدما اعتقلت السلطات التركية مالك الصحيفة ومسؤولة موقعها الإلكتروني واثنين من العاملين بها، مايو الماضي.
 
السلطات التركية، كانت قد أصدرت مذكرات توقيف بحق براق أكباي مالك صحيفة "سوزجو" ومسؤولة موقع الصحيفة الإلكتروني مديحة أولغون والكاتبين المعروفين أمين تشولاشان ونجاتي دوغرو، والمدير العام للنشر بالجريدة متين يلماز، ومنسق الأخبار على الإنترنت يوجال آري، والمدير العام للنشر على الإنترنت مصطفى تشاتين، بتهمة التواصل مع حركة جولن. 
 
صحيفة "سوزجو"، المناهضة للحكومة والمنادية بالعلمانية، تعتبر من أكثر الصحف التركية مبيعاً، وترفع شعار "إذا صمتت سوزجو، فإن تركيا ستصمت".
 
النيابة العامة في إسطنبول، أصدرت المذكرات بحق الأربعة وبينهم المراسل غوكمين أولو والمسؤول المالي يونكا كاليلي. مالك الصحيفة، قال في وقت لاحق على موقع الصحيفة، :"لقد تم استهدافي لأنني أصدر صحافة حقيقية ونزيهة".
 
تليفزيون "سي إن إن ترك"، أفاد وقتها، بأن المشتبه بهم مطلوبون لعلاقتهم بمقال نشر على الإنترنت في يوم مسرحية الانقلاب. ومن بين التهم الموجهة لهم تسهيل هجوم حقيقي على الرئيس إردوغان، والمشاركة في تمرد مسلح ضد الحكومة.
 
المقال المعني، كشف تفاصيل عن مكان وجود إردوغان لقضاء عطلة بمنتجع مرمريس، كما نشرت الصحيفة صوراً للفندق حيث كان يقيم.
وتم استهداف وضرب الصحافيين في العام الأول للنظام الرئاسي، حيث تعرض 20 صحافياً لهجوم خلال 2018، كما تعرض 8 آخرين لهجمات خلال عام 2019، وتم استهداف الصحافيين بواسطة التقارير التي تدرج أسماءهم، وشجع كل هذا سياسة الإفلات من العقاب. 
 
أبرز قضايا ضرب الصحافيين، وقعت مايو الماضي، حيث اعتدى مجهولون على الصحافي يافوز سليم ديميراج، كاتب عمود بصحيفة "ينيزاك" التركية، ونقل ديميراج إلى المستشفى في 11 مايو بعد أن هاجمته مجموعة من 6 أشخاص بمضارب بيسبول خارج منزله في أنقرة، عقب ظهوره في برنامج تليفزيوني.
 
ديميراج، كان الضحية الثالثة لموجة من الاعتداءات التي استهدفت 4 صحافيين مايو الماضي، علماً بأنه كان من معتادي انتقاد سياسات إردوغان.
 
بعد حوالي شهر من واقعة الضرب، قضت محكمة تركية بحبس ديميراج لمدة تقترب من عام بتهمة "إهانة الرئيس"، وأفادت صحيفة "أحوال" في 14 يونيو الماضي، أن حكما بالسجن لمدة 11 شهراً و20 يوماً، صدر بحق الصحافي يافوز سليم ديميراج.
 
الأزمة الاقتصادية
تقرير أوزار، أكد أن الأزمة الاقتصادية أصبحت أكثر حدة مع النظام الرئاسي، وأضرت أيضاً بحرية الصحافة والتعبير، حيث أنهت نشر صحيفة "هابر تورك"، كما تم إغلاق وكالة "أنكا"، التي تزاول المهنة على مدار 46 عامًا. 
 
سعر صرف العملات الأجنبية المتزايد، تسبب في إحداث أزمة كبيرة بالنسبة للصحف، حيث ألغت صحيفة "سوزجو" ملاحقها، كما أنهت صحيفة "وطن" ملحقات نهاية الأسبوع أولاً، ثم أغلقت تماماً بعد ذلك، واستبعدت الكثير من وسائل الإعلام موظفيها. 
 
أكبر سجن إعلامي
منظمة "مراسلون بلا حدود" لحرية الصحافة، في تقرير نشر 8 أغسطس الجاري على موقعها الإلكتروني، أكدت خضوع سجل تركيا الحقوقي للتدقيق من جانب مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، خلال آلية الاستعراض الدوري الشامل، المقررة في يناير 2020.
 
تقرير "مراسلون بلا حدود"، مقرها باريس، وهي هيئة حكوميّة دوليّة تابعة إلى الأمم المتّحدة، تتألّف من 47 دولة مسؤولة عن تعزيز جميع حقوق الإنسان وحمايتها في كافة أنحاء العالم، أوضح أن عدة مؤسسات دولية معنية بحقوق وحرية الإعلام والصحافة، قدمت تقريراً لآلية الاستعراض الدوري الشامل، عن القمع "غير المسبوق" لحرية التعبير داخل تركيا.
 
التقرير، شارك في إعداده كل من، مؤسسة المادة 19 الحقوقية، ومؤسسة P24، ونادي القلم الدولي، ونادي القلم الإنجليزي، ومنظمة مراسلون بلا حدود، ومعهد الصحافة الدولية، ومنظمة فريميوز، والمركز الأوروبي لحرية الإعلام والصحافة، والشبكة الدولية لتبادل المعلومات حول حرية التعبير، ومؤسسة PEN النرويجية. 
 
سارة كلارك، رئيسة قسم أوروبا وآسيا الوسطى بمؤسسة المادة 19 الحقوقية، قالت :"يوضح ذلك التقرير الانهيار السريع والاستثنائي لسيادة القانون وحرية التعبير داخل تركيا، خلال السنوات الأربع الماضية، حيث قامت السلطات بانتهاك استقلال القضاء وسجن أكبر عدد من الصحافيين، نحث الدول الأعضاء بالأمم المتحدة على اتخاذ إجراءات أقوى بكثير لمحاسبة تركيا على هذه الانتهاكات".
 
الحكومة التركية، وبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على مسرحية انقلاب يوليو 2016، وبعد عام من رفع حالة الطوارئ، تواصل حملتها واسعة النطاق ضد المجال المدني وحرية الإعلام والأصوات المعارضة.
التقرير المشترك، أبرز خمسة مجالات اهتمام رئيسة، أولها تراجع سيادة القانون بتركيا، ما أدى إلى اضطهاد جماعي للصحافيين، وتعرض الاستقلال القضائي لأضرار جسيمة، بسبب الضغط الحكومي المتزايد على القضاة والأجهزة القضائية، في انتهاك صارخ للمعايير الدولية. 
 
التقرير، رصد القمع واسع النطاق لحرية الإعلام، مشيراً إلى القضاء على وسائل الإعلام المستقلة في تركيا، بموجب حالة الطوارئ، حيث تم إغلاق ما لا يقل عن 170 منفذًا إعلاميًا، بما في ذلك دور النشر والصحف والمجلات ووكالات الأنباء ومحطات التليفزيون وأجهزة الراديو، بتهمة نشر "الدعاية الإرهابية".
 
التقرير، دان تصفية تركيا للمنافذ الإعلامية على نطاق واسع، دون مراجعة قضائية، واصفاً ذلك بأنه أمر "غير مقبول" بموجب القانون الدولي. وأشار أنه على مدى السنوات الثلاث الماضية، كانت تركيا أكثر دولة قامت بسجن صحافيين على مستوى العالم، حيث يوجد ما لا يقل عن 140 من الصحافيين والعاملين في وسائل الإعلام قيد الاحتجاز، كما تم اعتقال ما لا يقل عن 300 آخرين منذ فرض حالة الطوارئ ومئات آخرين قيد المحاكمة.
 
وأبرز التقرير حجب مجموعة كبيرة من المواقع والمنصات الإعلامية، حيث قام النظام التركي بحظر الدخول للآلاف من المواقع والمنصات الإعلامية داخل تركيا، بعد أن أطلقت الحكومة مرسومًا بموجب حالة الطوارئ، يسمح لها بحظر وإغلاق المواقع دون إشراف قضائي، ما يُعد انتهاكاً صارخاً للمعايير الدولية. 
 
التقرير، أضاف :"بحلول ديسمبر 2018، جرى حظر أكثر من 10 شبكات افتراضية خاصة وأكثر من 3 آلاف مقال عبر الإنترنت بموجب أوامر قضائية، كما حظرت السلطات موقع ويكيبيديا منذ 2017 ، بعد أن رفض إزالة محتوى يتناول دعم الحكومة التركية للجماعات المسلحة في سورية، وتم حظر موقع يوتيوب مؤقتًا في 2015 للسبب ذاته".

Qatalah