يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


بدم بارد قضى السفاح التركي طلعت باشا على الأرمن، ذبح 1.2 مليون شخص بينما من حاول الفرار منهم قتله الجوع والمرض في صحراء خالية من الطعام والدواء ليصل إجمالي العدد إلى 1.5 مليون ، تفاخر المجرم العثماني بمذابح سجلها في كتاب أسود فضح ممارساته ضد الإنسانية وهو يسجل فيه تفاصيل العمليات المتوحشة التي قام بها وروعت العالم. 
كان محمد طلعت زعيما لجمعية الاتحاد والترقي ومهندس السياسات المدمرة تجاه الأرمن، خطط لتهجيرهم وإبادتهم، ونجح في صبغ الأناضول بصبغة تركية كاملة من خلال استراتيجية تغيير التركيبات العرقية.
على حد تعبير "فولف مترنيش" السفير الألماني بإسطنبول كان طلعت "القلب والروح والعقل لإبادة الأرمن"، بينما يؤكد المؤرخ هانز لوكاس كيزر المتخصص في الشؤون التركية أن طلعت - الذي كان يشغل منصب وزير الداخلية- كان القائد الفعلي للإمبراطورية العثمانية بدءا من عام 1913 وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى، وأصدر أكثر القرارات السياسية حساسية.

الكتاب الأسود
في 1982 عثر الصحافي والمؤرخ التركي مراد بردقجي على مجموعة من الأوراق الشخصية لطلعت (66 صفحة داخل غلاف أسود) مكتوبة بخط يده حول إبادة الأرمن تحتوي على إحصائيات ورسوم توضيحية وخرائط ملونة، حصل عليها من أرملته، لكنه لم يتمكن من نشرها إلا بعد مرور 26 عاما وبالتحديد عام 2008، وأعاد نشرها وآرا صرافيان المؤرخ المتخصص في تاريخ العثمانيين ومدير معهد كوميداس في لندن عام 2011 تحت عنوان "تقرير طلعت باشا حول الإبادة الجماعية الأرمنية" ليصبح بمثابة اعتراف على الجريمة الإنسانية البشعة بخط يد منفذها.

السفاح يوثق جريمته
يزعم العثمانيون الجدد أن تهجير الأرمن عام 1915 لم يكن إلا نقلا منظما للسكان وإعادة توطينهم، ومن أجل ترويج تلك الأكاذيب قام الأتراك بتزوير تقارير تثبت صحة افتراءاتهم كتبت بعد عشرات السنين من الجريمة البشعة، في حين تذكر الوثائق التاريخية بشاعة المجازر التي ارتكبها العثمانيون بحق 1.5 مليون أرمني.
ويعتبر الكتاب الأسود اعترافا رسميا من المسؤول العثماني على تلك المذابح والوثيقة الأهم التي كتبها السفاح بخط يده، والتي وصف فيها تفاصيل الإبادة خلال عامي 1915-1917 عقب صدور أمر وزير الداخلية بالتهجير الجماعي تحت ستار الدواعي الأمنية خلال الحرب العالمية الأولى.
يذكر طلعت في كتابه الأسود أنه كان على تواصل مستمر مع صديقه الحميم ومُنظر الإبادة الأول ضياء كوك ألب ليوافيه بسير عمليات القتل والتطهير العرقي، واهتم في تقريره بإحصاء عدد الأرمن الذين صدر في حقهم قرار التهجير، والطريق الذي سلكوه للوصول إلى وجهتهم المقصودة، ومصير الذين لم يتم تهجيرهم.
دون في الكتاب قاعدة بيانات صاغها بدقة كبيرة من خلال تقارير حكومية عن السكان الأرمن بالولايات العثمانية مستخدما في ذلك شبكة البريد العثماني خاصة الرسائل البرقية التي أصبحت سلاحه الأول في إصدار أوامر القتل وتلقى خلالها التهنئة بنجاح عمليات الإبادة.
أحصى طلعت أعداد الأرمن الذين هجروا من ديارهم في كل إقليم، ذكر أنهم بلغوا في "سيواس"  21446 من أصل 26895 بينما بقي هناك 5449 شخصا أغلبهم رجال تم تسخيرهم لخدمة القوات العثمانية في ساحات الحرب،  واستنادا لهذه الأرقام فإن نسبة 80 % من الأرمن بسيواس تم تهجيرهم، أما في إقليم "قيصري" فقد وصل الرقم إلى 44271 شخصا من أصل 50 ألفا، بما يمثل 90 % من عدد السكان، بينما أصدر أوامره بقتل الـ4911 المتبقين.

وفق الوثيقة فإن عدد الأرمن في الدولة العثمانية عام 1914 تجاوز 1.5 مليون، ولم يتبق منهم إلا 350 ألف نسمة عام 1917، ووفقا لأرقام طلعت التقديرية فإن نحو 1.2 مليون أرمني (77 %) فارقوا الحياة أثناء المذابح.

المهجرون بالأرقام 
أظهر تقرير طلعت باشا بوضوح أن التهجير عام 1915 كان جزءا من مخطط يسعى إلى إبادة الأرمن، وأن هدف حكومة الاتحاد والترقي لم يكن تهجير السكان وإنما قتلهم، وتحت عنوان "مساحات أُفرغت من سكانها الأرمن" يقول: إنه بالرغم من تهجير أكثر من مليون أرمني فإن 60 ألفا منهم تواجدوا في منطقة إعادة التوطين المحددة من قبل الدولة العثمانية، في حين عثر على 50 ألفا آخرين مشتتين على امتداد دروب التهجير، و100 ألف داخل مقاطاعاتهم الأصلية، وجميع هؤلاء الناجين كانوا يعاملون معاملة الأسرى والعبيد، ويتعرضون لضغوط كثيرة لإجبارهم على اعتناق الإسلام قسرا.
تؤكد الوثيقة أن عدد الأرمن الفارين من مناطق "أرضروم" و"طرابزون" الحدودية كان ضئيلا بسبب عمليات التهجير التي نفذت بطريقة دقيقة وشاملة، باستثناء "بتليس" حيث ارتكبت فيها مجازر على نطاق واسع، بينما كانت وجهة سير المهجرين الرئيسة "دير الزور" و"الموصل"، أما سكان ولاية "فان" فقد أبدوا مقاومة للقوات العثمانية، وكثيرون منهم أنقذهم الجيش الروسي في النهاية.
لم تتوقف جرائم طلعت باشا عند حد التطهير العرقي فقط ولكنها تجاوزته إلى نهب ثروات ضحاياه، حيث احتوى التقرير على ملحق بعنوان "مقارنة الأملاك الخاصة والنفقات" يصف فيه طريقة الاستيلاء على ممتلكات الأرمن إذ شكل فرقا للنهب، وعرضها بأبخس الأثمان على جنوده، واختص الولاة والقادة العثمانيين بالتحف والمجوهرات الثمينة، وأرسلت حصيلة البيع لخزانة الدولة المفلسة.

الناجون من الذبح قتلهم الجوع
ارتكز التقرير على حقائق وردت من 23 منطقة خاضعة للسلطنة العثمانية، مدعمة بإحصائيات السكان من أجل معرفة توزيع الأرمن عام 1914 مقارنة بعددهم في 1917، ونسبة الذين شملهم التهجير وتقدير عدد الناجين، كتب طلعت عن الآلاف من نساء الأرمن وأطفالهن تم إيواؤهم في منازل المسلمين، أو شتتوا في الولايات الوسطى والغربية ليندمجوا لاحقا وسط الجماعات الإسلامية، إضافة إلى الفارين الذين قاوموا القوات العثمانية في ولاية "فان" خلال شهر أبريل 1915، وأولئك الذين تمكنوا من عبور الحدود الروسية في غضون عامي 1915-1916، فيذكر طلعت أن عدد الذين فروا بلغ 150 ألف نسمة، لكنه رجح أن أغليهم قد قضى عليه الجوع والمرض.
أخيرا اعتبر طلعت باشا إبادة الأرمن نصرا شخصيا له، وحمل تقريره معه إلى المنفى عندما ولى هاربا من الأراضي العثمانية في عام 1918، ولم يكن تقريره مخصصا للنشر وكان من السهل إتلافه لولا موت طلعت في عام 1921 واحتفاظ أرملته به.

Qatalah