يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تحت الأمطار والبرد القارس يعيش عشرات الآلاف من المشردين فى شوارع تركيا، الأرصفة مأواهم وملاذهم الوحيد، يقضون أيامهم بلا طعام أو شراب دون أن يعرفوا معنى الأمان والأمل، يخشون فى كل لحظة ما تخبئه الأقدار، فيما ينام رجب إردوغان وحاشيته في 1100 غرفة وثيرة، بينها 250 لعائلته فقط.
الشوارع التركية تعج بالمشردين، الذين لا تمتد لهم يد العون والمساعدة، ولا يلتفت إلى معاناتهم أو يراهم أحد، تترامى أجسادهم فى العراء على أرصفة المدن الكبرى، ينهش البرد أجسادهم شتاءً وتحرقهم حرارة الشمس صيفا، دون أن يأبه إردوغان وحكومته لصرخاتهم، بعد أن أوصدوا كل الأبواب فى وجوههم، فاضطروا للعيش فى شوارع من دون جدران.
محمد وقدر وحياتى وألتان، مشردون يعيشون فى شوارع إسطنبول دون مأوى، يقضون ليلهم ونهارهم فى جراج سيارات، لا يمكنهم الحصول على أبسط حقوقهم أو احتياجاتهم الأساسية، أقصى مطالبهم أنبوب غاز يطهون عليه طعامهم، فيما تدير الدولة التركية ظهرها لهم وتدهسهم بأقدامها الغليظة.

اغتصاب على متن السفينة
يعيش محمد، 51 عاما، منذ 6 أعوام فى أحد شوارع إسطنبول بعدما تسبب تعاطيه للمخدرات فى انفصاله عن زوجته بعد زواج 16 عاما. يعرب عن سوء وضعه ويطلب توفير سكن بدلا من العيش فى العراء تحت أمطار لا تتوقف فى الشتاء.
أما قدر، 50 عاما، ففقدت أمها فى العاشرة من عمرها وتعرضت للاعتداء الجنسى من والدها على مدار سنوات حتى أنجبت منه طفلا، وعندما بلغت الثامنة عشرة وأدركت ما يحدث أخبرت جيرانها بتصرفات والدها المشينة، وبعد فترة لم يعد والدها إلى المنزل وطال غيابه حتى تلقت نبأ وفاته، لتخرج من دائرة الظلم والقهر الأسرى إلى الشوارع التى تؤويها منذ ذلك اليوم بعد رفض إخوتها مساعدتها.
بينما يمكث ألتان، 42 عاما، منذ أعوام كثيرة فى الشارع بلا أهل أو مأوى، بسبب سقوطه فى فخ إدمان المخدرات، ما أدى إلى شجار حاد مع عائلته، هجرهم بعده لينضم إلى سيل المشردين، ويقول عن حالته الآن:"أظل دون أكل ولا شراب، أحيانا يعطف على أحد المارة، فيعطينى القليل من الخبز، إذا توفيت سأُترك فى الشارع ولن ينظر إلى أحد". 


حياتى، 32 عاما، فقد أبويه فى صغره فانهارت حياته واضطر للعيش فى الشارع، لكنه أجبر على العمل من أجل توفير قوت يومه على متن سفينة. سارت الأمور بشكل مستقر فترة من الزمن، حتى تكرر المشهد الهمجى مع أمثاله من المشردين، فقد تعرض لاعتداء جنسى من القبطان، ودفاعا عن نفسه اعتدى عليه وأصابه بجرح بالغ فى قدمه، وأُودع السجن وبعد خروجه بدأ العيش فى الشارع من جديد.

نظام يتنكر للمشردين
تحاول منظمات حقوق الإنسان توفير الطعام للفقراء وتخفيف الصعوبات التى يواجهها المشردون، وتقول مديرة منظمة "تمسك بالحياة" عائشة توكروكجو إن 150 ألف شخص يعيشون فى شوارع تركيا بلا مأوى، موضحة أن 15 ألفا منهم فى إسطنبول وحدها.
تتخذ منظمات مثل "تمسك بالحياة، ديليلر، ويليل" التى تقدم وجبات غذائية إلى 800 مشرد، لنفسها مقرًا فى حى باى أوغلو بإسطنبول،  حيث يتركز جزء كبير من المشردين، بينما أقامت الحكومة ملاجئ مؤقتة للقليل منهم فى اسنيورت كيراج، التى تبعد قرابة 40 كيلومترًا إلى الغرب من الحى.
على دوغان، يعيش فى شوارع المدينة منذ خمس سنوات، وقد تردد على تلك الملاجئ فى أحد أيام الشتاء "وضعونا فى سيارة وأخذونا إلى اسنيورت كيراج، حلقنا شعرنا واغتسلنا، ثم أعطونا طبقا من الحساء، ثم طردونا، لم يسألنا أحد إلى أين سنذهب أو ماذا سنأكل، ما عرضوه علينا كان فيلما قصيرا، والنهاية لم تكن سعيدة، أعطونا وظيفة أو منزلا أو ادفعوا لنا راتبا صغيرا".

الجوع يفتك بسكان الأزقة

يقضى ضحايا التشرد فى تركيا أيامهم على أرصفة الشوارع والمحطات وعلى جنبات الطرق والأزقة، يعتمدون على المساعدات الإنسانية والطعام الذى يمنحه المارة لهم، فى حين يمزق الجوع أمعاءهم أياما كثيرة، قبل أن يصادفوا محسنا يمنحهم لقيمات فيلتهمونها ليعودوا إلى النوم على قطع أوراق الكرتون المفروشة على الأرض أو المقاعد الحجرية فى مواقف السيارات، والتى لا تغنيهم من تعب أو برد.
فى أشهر الشتاء، تتحول المحطات إلى ملجأ للمشردين للاحتماء من البرد، يستخدمون أحذيتهم ومعاطفهم المتهالكة وحقائبهم البالية كوسائد تحمل رؤوسهم فى ليل يجهلون آخره. أحد المشردين يدعى حكمت يوروك، 57 عاما، يعيش فى مدينة أضنة، قال إنه يقطن فى المحطة ويتخذها بيتا. مطالبا البلدية بتقديم العون "دافعوا عن المشردين وأنشئوا لهم مأوى، فأنا أعجز تماما عن إيجاد فرصة عمل، أقضى الليل داخل المحطة بينما فى النهار أبحث عن عمل".

أسباب التشرد
أدت أسباب كثيرة إلى انتشار ظاهرة التشرد فى تركيا، خاصة فى إسطنبول، فى مقدمتها الأوضاع الاقتصادية السيئة وموجات ارتفاع الأسعار التى طالت كل السلع والمنتجات، بجانب العجز عن الكسب وضعف الأجور، والمعيشة السيئة التى وصل إليها المواطن والتى جعلت قلوب بعض الأسر تقسو على أبنائها، وتلقى بهم فى الشوارع بلا مأوى.
المشاكل الأسرية مثل طلاق الوالدين، أو العنف الأسرى سبب أخر لظاهرة التشرد التركية، فضلًا عن غياب الحكومة عن دورها فى توفير الوظائف للشباب، وارتفاع معدلات البطالة، وتردى الأوضاع الاجتماعية بصفة عامة، ما يزيد أعداد المشردين تحت حكم إردوغان يوما بعد يوم.

Qatalah