يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"مصلحة تركيا فوق قيمة التراث الإنساني".. شعار ترفعه الحكومة التركية الحالية بقيادة رجب طيب إردوغان، الذي يدعي خوض "حرب ثقافية" ضد أوروبا، لاسترداد مقتنيات تركية مسروقة فى متاحفها، بينما يحارب هو نفسه ضد الثقافة والتراث الإنساني كله، ما تكشف بوضوح مع تشغيل سد إليسو العملاق على نهر دجلة، والذي تسبب في تدمير البيئة التراثية للمنطقة الواقعة بين تركيا والعراق، فضلا عن أن الأخير سيعاني من موجة جفاف، لكن هذه الأضرار تبدو غير ذات أهمية على أجندة نظام إردوغان.

حكومة أنقرة وضعت خطة لإنشاء العديد من السدود الكهرومائية، التي تعمل على تحويل المياه إلى طاقة كهربائية رخيصة لا تنفد، ضمن خطة واسعة -أفرد لها موقع THE NEW TURKEY  تقريرًا خاصًا- تستهدف من خلالها تركيا خفض اعتمادها على استيراد الطاقة وزيادة مواردها الذاتية منها إلى الضعف بحلول العام 2023، عن طريق الاتكاء على المصادر النظيفة والمتجددة والتي تعتبر مياه الأنهار على رأسها.

القادة الأتراك يعتقدون أن عملية التنمية يمكنها أن تتوافق مع أعمال التخريب، وهذا ما يفعلونه بكل قسوة تجاه واحدة من أقدم المعالم الأثرية فى العالم، إذ تتكفل السدود الضخمة التي تنشئها حكومة أنقرة بتشويه تراث الإنسانية الفريد في الأناضول وتقوده نحو الفناء، إذ تكفلت السدود التركية في إغراق مواقع أثرية نادرة، فضلا عن تعطيش جيران تركيا وطمس الحياة على جانب الأنهار التى تمر بأراضيهم.

يورتانلي يغرق الحمامات الرومانية
في العام 2011 تسبب سد يورتانلي المقام على نهر "إيا" في إغراق مجمع الحمامات الرومانية التاريخي في مدينة "إليانوي" تحت 200 قدم كاملة من المياه. المجمع كان موقعا لعمل بعثة كشفية يترأسها أحمد ياراش الأثري في جامعة تراقيا، والذي أعلن الكشف عن حوالي 11 ألف قطعة أثرية في المكان رغم أن أعمال التنقيب لم تتجاوز وقتها 20% من مساحة الموقع، وذلك قبل أن يتوقف عمل البعثة بعد إخلاء السلطات التركية للمنطقة تمهيدًا لبناء السد.

لم تتوقف أخطاء الحكومة التركية عند حد تدمير تراث إنساني بالغ القيمة، بل طالت إجراءاتها القمعية "ياراش" ذاته، إذ وجد الرجل نفسه ممنوعًا من العمل الكشفي بعد معارضته المشروع الحكومي ووصفه إياه بـ "اغتيال التاريخ" في تصريح أبرزه موقع THE CHRISTIAN SCIENCE MONITOR ، وهي الخطوة التي لم يملك الأثري في جامعة تراقيا إلا التصريح بأنها "عقاب على محاولته إنقاذ الإرث الحضاري لوطنه" حسب صحيفة الجارديان.  

إليسو يطمس معالم حصن كيفا 
ثاني السدود التي تهدر بها تركيا التراث الإنساني وتضر به دولة عربية هذه المرة يتمثل في سد إليسو أضخم مشروع هيدروكهربائي في تاريخ تركيا، ويعد جزءًا من مشروع جنوب شرقي الأناضول GAP، والذي تنتوي أنقرة من خلاله تنمية المنطقة الواقعة مقاطعاتها التسع فوق حوضي دجلة والفرات اقتصاديا بإنشاء 22 سدا أكبرها جميعا هو "إليسو". 

يمتلك "إليسو" ملفا سيئ السمعة يتعلق بالنتائج المترتبة على تشغيله، والذي بدأ في يونيو الماضي، حيث سيؤدي السد وفقا لتصريحات "تون بينجينز" المنسق الدولي لحملة "إنقاذ نهر دجلة والمستنقعات العراقية" لـ "الجارديان"  إلى جفاف العراق، بعد أن ينخفض منسوب النهر بنسبة 40% ما يعني زيادة الملوحة في مياهه وعدم صلاحيته للشرب أو حتى للري، كما ستتعرض معظم المستنقعات العراقية في الجنوب والتي ضمتها هيئة اليونسكو في العام 2016 إلى قائمة المواقع التراثية إلى الجفاف الشامل.

إضافة إلى ذلك ، فإن السد التركي سيقضي بشكل كامل على البيئة الطبيعية المحيطة بضفتي دجلة، وسيؤدي إلى الاختفاء التام للحياة النباتية والحيوانية الثرية والمتنوعة على ضفتيه، ويهدد فصائل كاملة للانقراض مثل السلحفاة الفراتية والطائر ذي المنقار الأحمر، إضافة إلى العديد من فصائل الطيور والخفافيش.

شح المياه في العراق والإخلال بالنظام البيئي في المنطقة يرافقهما جريمة كبرى ترتكبها تركيا في حق التراث الإنساني كله، إذ سيتسبب "إليسو" في إغراق مدينة حصن كيفا، وضياع القيمة العظمى للمدينة الأثرية الموغلة في القدم والتي يعود عمرها إلى حوالي 12000 عام.

يعد حصن كيفا بماضيه المتنوع متحفًا مفتوحًا، تركت فيه أكثر من 20 ثقافة تاريخية بصماتها الظاهرة للعيان، وهو ما يشير إليه موقع  THE SMITHSONIAN  في عرضه المختصر:
كان الآشوريون أول من سموا حصن كيفا castrum kefa ومعناها "قلعة الصخرة"، وقد اتخذه الرومان من بعدهم حصنا للدفاع عن حدود إمبراطوريتهم ضد الفرس حوالي العام 300 ميلادية، ثم حوله البيزنطيون في القرن الخامس الميلادي إلى مقر للرهبنة، وحوالي العام 640 ميلادية فتحه العرب المسلمون وظل تحت سيطرتهم طوال العصور الوسطى، تحت اسم حصن كيفا، حتى وقع في أيدي المغول العام 1260، ثم آل أخيرا إلى العثمانيين في العام 1515، لتحتفظ المدينة بهوية تركية إلى اليوم. 

تمتلك المدينة مجموعة أثرية شديدة التميز، يأتي على رأسها الكهوف والبيوت المنحوتة في الجبل، والتي صنعها الإنسان الأول ليأوي إليها حوالي العام 9500 قبل الميلاد، كما تمتلك المدينة آثارا إسلامية فريدة ترجع إلى الحقبة الوسيطة من أهمها قصر "بني أرتق" الذي يعود إلى القرن الثاني عشر الميلادي، والجسر الحجري العظيم للمدينة والذي عبر عليه ماركو بولو في رحلته الشهيرة، ومسجد "الرزق" الذي بناه السلطان الأيوبي سليمان في العام 1409، وغيرها.

في تقريرها بـ "الجارديان" ، أشارت "كونستانس ليتش" إلى أن ارتفاع منسوب مياه دجلة بسبب "إليسو" سيغرق حوالي 80 % من حصن كيفا، إضافة إلى تهجير 80000 من سكان المدينة، كما أن قيمتها التاريخية ومعها معظم القرى الصغيرة المحيطة بها والتي تحوي أكثر من 300 موقع أثري لم يتم التنقيب فيها ستضيع للأبد.

محاولات تركية لتجميل الوجه
كانت ألمانيا وسويسرا والنمسا قد أوقفت تمويل "إليسو" منذ يوليو 2009 حتى لا تتهم بالمشاركة في جريمة ثقافية تدمر معلمارئيسيا في التاريخ الإنساني، ورغم ذلك أكملت تركيا أعمال البناء وسط معارضة محلية ودولية واسعة، ليس ذلك فحسب بل استغلت الصراعات الدائرة في الشرق الأوسط منذ العام 2011 لتسريع وتيرة العمل في السد.

وفي محاولة منها لتخفيف حدة الهجوم ، أنشأت الحكومة التركية ما سمته "حديقة حصن كيفا الثقافية" على بعد ميل شمال المدينة بغرض نقل اثني عشر أثرًا من موقع حصن كيفا إليها، ولم تتمكن إلى الآن سوى من نقل أثرين فقط:
الأول: في مايو من العام 2017، حيث نقلت مقبرة "زينل بك" إلى الحديقة، وهي مقبرة أثرية تعود إلى القرن الخامس عشر، وصاحبها "زينل بك" كان زعيما لقبيلة "آق قويونلو" التركمانية التي حكمت جنوب الأناضول وقتل في معركة ضد جيوش السلطان محمد الفاتح العام 1473.

الثاني: في أغسطس من العام 2018 حيث تم نقل الحمام الأثري "أرتوكلو" إلى مكانه الجديد، وهو حمام أثري بني في القرن الثالث عشر الميلادي منذ حوالي 650 عامًا.

عملية النقل التي غطتها أنقرة إعلاميا للدعاية لنفسها و لمحاولة تحسين صورتها أمام المجتمع الثقافي الدولي لم تأت أكلها في النهاية ، فوفقا لمراقبين أشارت إلى تصريحاتهم تقارير التليجراف والجارديان ، لا يعني نقل القطع الآنف ذكرها سوى إنقاذ قدر ضئيل للغاية من آثار المدينة وما حولها ، والتي سيرقد السواد الأعظم منها في قاع النهر بفضل حكومة كانت تدعي على الدوام أنها في "حرب ثقافية" ضد أوروبا لاسترداد مقتنياتها من متاحف أوروبا ، بينما هي نفسها تحارب الحضارة الإنسانية على أراضيها ، وتدمر مواقعها الأثرية بنفسها.

Qatalah