يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


يخفق قلبه، ترتعد أطرافه، يسيطر الخوف على كل جوانحه، كلما اقتربت أقدامهم من باب الزنزانة الانفرادية التي ألقوه بها قبل ثلاثين يوما، ثم تركوه نهبا للظلام وحفلات التعذيب المستمرة، اعتاد "مصطفى"، طوال تلك المدة، أن لا يتلقى من زواره غير اللكمات والضرب والشتائم، ثم يفارقونه وقد كاد يسقط من فرط الإعياء، وهم يوجهون له كلمات تهديد مكررة "لو نطقت بأي شيء مما حدث هنا ستموت على الفور، ثم نغتصب زوجتك الحامل المحبوسة في زنزانة أخرى".
"مصطفى. ك" مدرس تركي احتجزته أجهزة الأمن خلال حملة اعتقالات طالت أكثر من 100 ألف شخص في أنحاء تركيا، رغم أنه لم يعرف في حياته سوى ممارسة مهنة التعليم المقدسة، وربما كان من حسن حظه رغم ما واجهه من صدمة أن احتجازه في سجون زبانية رجب إردوغان لم يطل أكثر من شهر واحد.
تعرض مصطفى لأشكال كثيرة من التعذيب الجسدي والتوبيخ والإهانة، طوال فترة الاحتجاز، داخل قسم شرطة أنقرة ومقر قوات مكافحة الإرهاب، وفق موقع تركيش مينيت.
تكشف حالة مصطفى وعائلته حقيقة الوضع في تركيا، في ظل حكم إردوغان الذي يسلط زبانيته وجلاديه على الشعب فيذيقونه سوء العذاب في "غرف التعذيب" بأقسام الشرطة والمعتقلات التركية، حتى أضحت تركيا سجنا كبيرا يضيق على أهلها.

داخل غرف التعذيب
يروي الضحية الذي يعيش وأسرته في اليونان حاليا، بعد نجاته من مأساة الاعتقال، ما حدث معه داخل "غرف التعذيب" قائلا :"لقد كان العذاب يتزايد يوميا، ويتنوع في أشكال متعددة، لم أخرج من مكان يطلقون عليه غرف العذاب لعدة أيام، كان من يعذبونني يبدون كأشخاص مدربين مسبقا للقيام بما يفعلونه معي، لم أكن أتصور أنني سأظل حيا وأخرج لعائلتي مرة أخرى، كنت أظن كل يوم أنني سأموت"، وفق شهادة رصدها مركز ستوكهولم للحريات.
يضيف مصطفى "كانت زوجتي محتجزة في غرفة أخرى بمركز شرطة أنقرة، ولم يتم ترحيلها معي إلى مقر قوات مكافحة الإرهاب، وبعد كل مرة يعذبونني فيها كانوا يأخذونني إليها، ويقولون لي أمامها (لا مفر لك، زوجتك هذه لن تخرج أيضا) ويزيدون الضغط عليَ بتهديدي بأنهم سيغتصبونها، ثم يضعون غطاء على وجهي ويخنقونني به حتى أشعر أن روحي تفارق جسدي".
كان مصطفى وزوجته نايلجون التي كانت حاملا في شهرها الخامس ينويان مغادرة تركيا مع بنتيهما لفترة طويلة، في سبتمبر 2016، واتجهت الأسرة بالفعل إلى مطار إيسنبوغا الدولي ليستقلوا جميعا طائرة للهروب من الجحيم الذي تعيشه تركيا إلى أي مكان آخر، لكن قبضة الطاغية كانت في انتظارهم، حيث تم إلقاء القبض عليهم جميعا فور وصولهم إلى المطار.

 

كانت الأسرة، التي عمل الأب والأم فيها خلال 17 عاما في مدارس حركة الخدمة، التابعة للداعية فتح الله غولن والمحظورة حاليا بعد اتهامها بتدبير مسرحية انقلاب يوليو،  ما تسبب في اعتقال الزوجين ضمن آلاف المدرسين بتهمة المشاركة في التمرد ودعم الإرهاب، بعد فصل نحو 19 ألفا آخرين.
أدرك الزوجان في يوليو أن يد إردوغان ستلاحقهما  بالتهم الجاهزة لتصفية معارضيه، لمجرد عملهما في مدرسة غولن، وتأكد لديهما هذا الشعور مع بدء حملة الاعتقالات المسعورة التي طالت الجميع، فقررا مغادرة تركيا، لكن التعذيب كان أسرع إليهما من النجاة، حيث قالت لهما سلطات الأمن إن "مخبرا" أبلغها بضلوعهما في مساعدة الحركة التي صنفها إردوغان "إرهابية"، خاصة الزوج، وأنه كان ينظم اللقاءات والمناقشات الدينية بحضور أتباع غولن في مناطق من البلاد.
يواصل مصطفى شهادته "أخذونا إلى مقر شرطة أنقرة في البداية ثم إلى مقر قوات مكافحة الإرهاب، وهناك لاقيت أشكالا متعددة من العذاب، مثل اللكمات والضرب المبرح خاصة على الرقبة، بالإضافة إلى الإهانة الشديدة والشتائم الجارحة وتعمد الإذلال، وكل هذا أوردته في مذكرة من سبع صفحات وأوصلتها لهيئة المحكمة، إذ عرضت على المحكمة بعد شهر من احتجازي".
أما الزوجة نايلجون فجرى إحالتها إلى المحكمة بعد أيام قليلة من احتجازها في مركز شرطة أنقرة، وكادت أن تفقد حياتها خلال أيام الاحتجاز بسبب حملها، إذ وصلت إلى المحكمة في حالة إعياء واضح، ما جعل المحكمة تأمر بالإفراج عنها بسبب حالتها الصحية. 
يصف مصطفى حالته اليوم قائلا: "الآن نحن في اليونان، ظللت لمدة 20 إلى 30 يوما بعد خروجي من الاعتقال لا أستطيع أن أحرك جسدي من التعذيب الذي تعرضت له، لكنني اليوم أستيقظ كل صباح فأقول يا الله أتمنى أنني الآن أن لا أعيش هذا الكابوس مرة أخرى".

Qatalah