يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تحولت تركيا بمساحتها الشاسعة إلى سجن بلا قضبان، وذلك لكل من يعارض نظام الرئيس إردوغان، وتسببت تلك السياسات القمعية في تصاعد طلبات اللجوء لدول أوروبا عامة وألمانيا خاصة، بنحو 3500 طلب، خلال العام الجاري فقط.

ولم يقتصر القمع على سياسيين معروفين بتوجههم المعارض، ولكن شمل صحافيين ونشطاء وفئات أخرى من مواطنين بسطاء ،كل ذنبهم أنهم يطالبون الحد الأدنى من الحرية والعيش الكريم، أمام نظام لا يخجل من الاستقواء عليهم بنفوذه وجبروته. الأمر الذي دفع الاتحاد الأوروبي إلى التعبير عن قلقله بشأن وضع حقوق الإنسان، وانتقد ابتعاد تركيا عن سيادة القانون.

هلع مبرر 
 أرجع محللون حالة الهلع التي انتابت غالبية الأتراك وطلبهم اللجوء لدول أخرى إلى موجات الاعتقال العشوائية التي تقوم بها السلطات التركية، وزيادة حالات الاختفاء القسري، وصعوبة إثبات عكس التهم الموجهة إليهم ورأوا أن نظام إردوغان استخدم فزاعة مسرحية الانقلاب الفاشلة التي حدثت في يوليو 2016، لقمع المعارضين، وأصبحت تهمة الانتماء لجماعة فتح الله غولن المعارض أهم التهم التي توجه للمقبوض عليهم، رغم نفي رجل الدين المعارض المقيم بالولايات المتحدة الأميركية ضلوعه في الانقلاب، وتأكيده على ذلك  أكثر من مرة. 

فرار جماعي
"الناس يفرون على نحو متزايد من ديكتاتورية إردوغان" كلمات عبرت بها سفيم داغدلان  نائبة رئيس تكتل نواب الحزب اليساري الألماني عن الوضع المأسوي للحياة السياسية والاقتصادية في  تركيا، وأوضحت أن السلطات الألمانية منحت وضع الحماية لنحو نصف الأتراك المتقدمين بطلبات لجوء هذا العام.

طالبت النائبة اليسارية بمنح اللجوء للديموقراطيين واليساريين والأكراد، وألا يقتصر على الموظفين والديبلوماسيين البارزين، وفي إحصاء لموقع "ديكان" التركي أول أمس الخميس أشار إلى الارتفاع الملحوظ في طلبات لجوء الأتراك لألمانيا هذا العام حيث سجلت 3 آلاف و248 طلبا حتى يوم نشر نتائج التقرير.

وعن أعداد المعتقلين في تركيا، قال الموقع التركي المعارض إن أرقامهم وصلت خلال العامين "2016-2017" إلى  80 ألف شخص، وتم احتجاز 141 ألفا واستجواب 400 ألف شخص، ومن لم يعتقل أو يحتجز يتم فصله من عمله تعسفيا، وأن  عدد المفصولين دون مبرر بلغ 100 ألف شخص بينهم 17844 ضابطا في الجيش و17844 ضابط جيش، و5335 محافظا وإداريا، و33417 شرطيا، و4463 قاضيا ومدعيا عاما، 16409 طلاب عسكريين، 8573 أكاديميا في جامعات مختلفة، 55288 مدرسا ومديرا إداريا، 7220 موظفا بوزارة العدل و7249 طبيبا وموظفا بقطاع الصحة، 17844 واعظا وإماما.

ذكر الإحصاء أنه يوجد  3000 لاجئ تركي في أثينا وسالونيك، وهي مدينة مُحببة لقلوب الشعب التركي كونها موطن مصطفى  كمال أتاتورك، مؤسس الدولة التركية الحديثة.

الصحافي  تورغوت كايا
وتمثل قصة الناشط السياسي التركي تورغوت كايا (45 عاما) الوضع المأساوي الذي يعيشه عصر الحرية في ظل نظام إردوغان حيث قضى كايا 10 أعوام في السجون مشددة الحراسة بتركيا، من بينها فترات أمضاها في الحبس الانفرادي والتعذيب، في تهم تتعلق بقضايا رأى، فقرر الرحيل نهائيًا عن تركيا، وكانت وجهته اليونان كغيره من مئات الصحافيين الذين اختاروا اليونان التي تربطها علاقة معقدة وحذرة مع جارتها على الجانب الآخر من بحر إيجة.

أكد كايا أنه ليس الوحيد الذي منح حق اللجوء مؤخرا، وأنه حصل عليه بعد إضرابه عن الطعام 55 يومًا، وقال: "الرئيس أردوغان يهاجم الطلاب والأكاديميين والمعلمين وغيرهم ممن لا تربطهم أية علاقة مع المنظمات التي يعتبرها أعداءه، وأن نظامه لا يملك أي دليل لإدانته"، موضحا أن  كثيرا من القضاة يقبعون الآن في السجون أو المنفى.

لاجئ تركي
يقول التركي سيركان زيلي، (38 سنة)، وهو صاحب شركة في اليونان إن أثينا تُعد خيارا واضحاأمام الأتراك بسبب قربها من البلاد، وأضاف زيلي، أنه يدرك أن حكومة إردوغان سوف تستهدفه، وشارك زيلي في تظاهرات عام 2013 المعارضة لخطط الرئيس التركي لتحويل متنزه وسط إسطنبول إلى مركز تجاري، وقد تحولت التظاهرات فيما بعد إلى حركة احتجاجية على مستوى البلاد هزت الحكومة بشدة.

كان زيلي من الأفراد الذين برزوا خلال الاحتجاجات على نطاق واسع، واقتبست وسائل الإعلام بعض كلامه حينها وزاد عدد متابعيه على تويتر، وتمت محاكمة زيلي بموجب قوانين إهانة الرئيس، ثم توالت زيارات هيئات الضرائب على شركته، ضمن سياسة التضييق عليه، فقرر بيع كل ما يمتلكه والانتقال إلى اليونان.

إهانة أردوغان 
يقول مواطن تركي يعيش في اليونان: تمت مقاضاتي بتهم إهانة الرئيس والحكومة على تويتر رغم أنني كنت أنتقد الحكومة فقط، لكن في هذه الفترة في تركيا يمكنك أن تتعرض للمحاكمة فقط لأنك قمت بإعادة نشر تغريدة ليست لك، والهدف من ذلك إخافة الأشخاص العاديين، وتابع: "لن أعود أبدًا إلى تركيا سأظل هنا في اليونان".

كما أدت الزيادة في تقديم طلبات اللجوء إلى مزيد من التوتر بين تركيا واليونان، ويطالب إردوغان بتسليم طالبي اللجوء، ومن بينهم الصحافي التركي كايا، الذي صدرت مذكرة من الإنتربول بتوقيفه خلال الشهر الجاري، لكن وزارة العدل اليونانية رفضت تسليمه لأنقرة، رغم موافقة محكمة يونانية على ترحيله.

انتقادات واسعة
واجهت الاعتقالات العشوائية من  نظام إردوغان لمعارضيه حملة انتقادات واسعة من جهات محلية وعالمية واسعة حيث قال سبيروس سوفوس، الباحث في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة لوند السويدية: "إن هذه الحملة بالتأكيد تشبه مطاردة الساحرات، فكل شخص في المعارضة يجري تحويله إلى مجرم، وأي شخص على عداء شخصي مع آخر يمكنه فقط أن يتهمه بأنه عضو في جماعة غولن أو المنظمات الكردية، ولأن أحدًا لا يرغب في التحقيق في هذه المزاعم، يتم إدراج هؤلاء بكل سهولة على قوائم المشتبه بهم".

وبنهاية يوليو الماضي زج إردوغان بالآلاف في السجون، بالإضافة إلى فتح أكثر من 100 ألف تحقيق ضد مدنيين وعسكريين، ولم يسلم حتى قضاة المحكمة العليا والمدعين العامين ووجهت لهم السلطات جملة من التهم الجاهزة وهي الانتماء لحركة المعارض فتح الله غولن.

Qatalah