يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


يتلذذ رجب إردوغان بتعذيب المعارضين، لذلك عكفّ زبانيته على تطوير أدوات التعذيب التي ورثوها عن أجدادهم العثمانيين لتكون أكثر قسوة وألماً، فالسجون التركية تعج بالأبرياء بين حوامل ورضع منذ مسرحية الانقلاب الفاشلة منتصف 2016، يتعرضون لأبشع أنواع التعذيب، من دون رادع للمسؤولين في نظام "العدالة والتنمية".
مركز ستوكهولم للحريات و4 منظمات أخرى غير حكومية، قدم الجمعة الماضية، سلسلة من الملاحظات للجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب حول تطبيق المادة 20 من ميثاق الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو غير الإنسانية أو المهينة.
وطالب المركز والمنظمات غير الحكومية بالبدء في تحقيق داخل تركيا حيث إن هناك قناعة لدى تلك المنظمات من وجود معلومات موثوقة تحتوي على مؤشرات قوية على حدوث انتهاكات خطيرة ومنتظمة للمعاهدة في تركيا.

مناهضة التعذيب
تنص المادة 20 من ميثاق الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، على أنه  إذا تلقت اللجنة معلومات موثوقا بها يبدو لها أنها تتضمن دلائل لها أساس قوي تشير إلى أن تعذيبها يمارس على نحو منظم في أراضي دولة طرف. تدعو اللجنة الدولة الطرف المعنية إلى التعاون في دراسة هذه المعلومات، وتحقيقا لهذه الغاية إلى تقديم ملاحظات بصدد تلك المعلومات، وللجنة بعد أن تأخذ في اعتبارها أية ملاحظات تكون قد قدمتها الدولة الطرف المعنية أية معلومات ذات صلة متاحة لها،أن تعين،إذا قررت أن هنالك ما يبرر ذلك،عضوا أو أكثر من أعضائها لإجراء تحقيق سري وتقديم تقرير بهذا الشأن إلى اللجنة بصورة مستعجلة، وفي حالة إجراء تحقيق بمقتضى الفقرة 2 من هذه المادة،تلتمس اللجنة تعاون الدول الطرف المعنية. وقد يشمل التحقيق،بالاتفاق مع الدولة الطرف،القيام بزيارة أراضي الدولة المعنية، وعلى اللجنة ،بعد فحص النتائج التي يتوصل اليها عضوها أو أعضاؤها وفقا للفقرة 2 من هذه المادة أن تحيل إلى الدولة الطرف المعنية هذه النتائج مع أي تعليقات واقتراحات قد تبدو ملائمة بسبب الوضع القائم.
وتضمنت الوثيقة المرسلة من مركز ستوكهولم للحريات والمنظمات الحقوقية الأربع الأخرى إلى الأمانة العامة لاتفاقية مناهضة التعذيب مجموعة من الحجج الرئيسة أبرزها ما يلي:
"بعد تحقيقات الكسب غير المشروع في 17 و 25 ديسمبر 2013 التي كشفت عن الفساد السائد داخل الحكومة، بدأ رئيس وزراء تركيا آنذاك رجب إردوغان خطة مروعة للسيطرة على جميع جوانب المجتمع التركي.
وقد منحت محاولة الانقلاب الوهمية في 15 من يوليو عام 2016 نظام إردوغان التفويض المطلق الذي كان يحتاجه. وحوّل النظام بجميع أجهزته بما فيها القضاء وآلته الإعلامية حركة المفكر التركي فتح الله جولن الذي يعيش في الولايات المتحدة إلى كبش فداء، وصبّ غضبه على الأبرياء في تركيا وحول العالم.


انتهاكات ممنهجة
لقد تمثل ذلك الغضب في سياسة الحكومة المتمثلة في انتهاكات حقوق الإنسان الواسعة النطاق والمتعمدة والممنهجة. خلال فترات الاحتجاز الطويلة دون وجود إشراف أو رقابة بسبب فرض حالة الطوارئ والمراسيم التشريعية التي تلت ذلك، تم الضغط على أنصار فتح الله جولن لتقديم "اعترافات"، حسب الوثيقة.
كما أن السلطة القضائية بعيدة كل البعد عن الاستقلالية والحيادية، فلم تتم أية مراجعة قضائية فعلية للاعتقالات التعسفية - التي يتجاوز عددها 400 في الأسبوع الواحد. لقد خلص الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي بالأمم المتحدة حتى الآن لوجود تسع حالات انتهاكات لحقوق الإنسان الأساسية المتعلقة بقضايا لأتباع جولن.
أضافت الوثيقة قائلة: "إن التعذيب الممنهج والمتعمد والواسع الانتشار كسياسة حكومية، والذي تجلى من خلال تعذيب دبلوماسيين في مقر شرطة أنقرة، أصبح ممكناً من خلال جملة أمور من بينها الاحتجاز المطول وحظر اجتماعات المحامين مع موكليهم أو انتهاك سرية تلك الاجتماعات، وحل جميع مجالس مراقبة السجون ومنع الحصول على تقارير الفحص الطبي".
تم توثيق ممارسة التعذيب لانتزاع الاعترافات من قبِل مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ومنظمة هيومن رايتس ووتش الحقوقية. وتشمل تلك الممارسات الضرب والاغتصاب والاعتداء الجنسي والتهديدات والصدمات الكهربائية والإيهام بالغرق.


طمس أدلة التعذيب
أعمال التعذيب -حسب الوثيقة- تتم في وقت الاعتقال وأثناء الاحتجاز المؤقت. بالإضافة إلى البلاغات، يتم أيضًا تقديم قائمة بالمرتكبين المزعومين للتعذيب أو سوء المعاملة إلى الأمم المتحدة. لا تفتقر تركيا لوجود هيئات قضائية مختصة ومستعدة للتحقيق في مزاعم التعذيب على أسس متينة فحسب، بل تعاني أيضًا من طمس أدلة التعذيب.
على سبيل المثال، كشفت وثيقة سرية مسربة، عن إصدار الإدارة العامة للأمن (الشرطة الوطنية) أوامر إلى جميع إدارات الشرطة الإقليمية البالغ عددها 81 إدارة، بإخفاء آثار التعذيب في مراكز الاحتجاز وعدم استخدام مراكز الاحتجاز الرسمية للتعذيب قبل زيارة تقصي الحقائق للجنة منع التعذيب التابعة لمجلس أوروبا.
وتؤكد كل من المفوضية السامية لحقوق الإنسان وهيومن رايتس ووتش على مناخ الخوف السائد وصعوبة توثيق والتحقيق في أعمال التعذيب وغيرها من ضروب سوء المعاملة. ولم تمتنع أجهزة نظام إردوغان الأمنية وأذرعه الاستخباراتية عن اختطاف المواطنين أيضا.
وتتبع جميع حالات الاختفاء القسري الست والعشرين في تركيا حتى الآن نمطًا مماثلاً ، وهو ما يثبت أنها جهود منهجية. يقضي الضحايا شهوراً مع عدم معرفة مكانهم أو أوضاعهم، ويتعرضون للتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة. لا تقتصر حالات الاختفاء القسري على داخل تركيا، حيث تقوم الحكومة باختطاف أشخاص في الخارج أيضًا.
لقد تفاخر وزير الخارجية التركي بوقاحة بخطف 100 شخص من قبل وكالة الاستخبارات الوطنية من 18 دولة. وقد أبلغ هؤلاء الضحايا عن تعرضهم للتعذيب الشديد. ليست السجون استثناءً من قاعدة الانتهاكات الممنهجة لحقوق الإنسان. في ظل عدم وجود أرقام رسمية، تشير التقديرات إلى وجود أكثر من 3000 سجين محتجزين في الحبس الانفرادي. حسب وثيقة مركز ستوكهولم.
الوثيقة قالت: إن الحبس الانفرادي المطول عقوبة مهينة بحد ذاتها، ولكن الأهم من ذلك أنها تفضي لأعمال تعذيب وإساءة معاملة أخرى. على هذا النحو، هناك 54 حالة موثقة من حالات الانتحار في السجون، ناتجة في الواقع عن التعذيب ونقص الرعاية الطبية الكافية.


حتى الحوامل مستهدفون
نظام إردوغان لم يستثنِ أحدا من عمليات التعذيب الممنهج، واستهدف بشكل منهجي الفئات الضعيفة مثل الحوامل أو الأمهات الجدد والمسنين والمرضى والمعوقين. وأبلغت المفوضية السامية لحقوق الإنسان عن 50 حالة لنساء تم إلقاء القبض عليهن قبل الولادة أو بعدها مباشرة، وتقدر أن هناك 600 أم رهن الاحتجاز مع أطفالهن الصغار.
مركز ستوكهولم يقول: "توفر المعلومات المتاحة أساسًا معقولًا لاستنتاج أن جرائم متعددة في نطاق المادة 6 (ج) و 7 (1) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، قد ارتكبها نظام إردوغان كسياسة حكومية، في هجومه الممنهج والواسع النطاق على أتباع حركة جولن، خاصة في أعقاب مسرحية الانقلاب الفاشلة التي وقعت في 15 يوليو 2016.
هناك أيضًا دلائل قوية على أن الاغتصاب والتهديد به، تم اللجوء إليه بشكل ممنهج ومتعمد من قبِل حكومة العدالة والتنمية في هجماتها على الحركة. 
ودعت الرابطة الدولية للدفاع عن حقوق الإنسان في جنيف ومؤسسة الصحافيين والكتاب والمدافعين عن تركيا الصامتة ومركز ستوكهولم للحرية، لجنة مناهضة التعذيب وجميع الهيئات ذات الصلة التابعة للأمم المتحدة ومجلس أوروبا والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والمحكمة الجنائية الدولية وغيرها من المنظمات الدولية، الشروع في التحقيقات واليقظة في منع ممارسات التعذيب الممنهج الواسع النطاق وغيره من ضروب سوء المعاملة على أيدي نظام إردوغان وتقديم مرتكبي هذه الأعمال إلى العدالة. 
وفي ختام تقريرها، تعهدت المنظمات المذكورة أن تبقى نشطة في مساعيها لتحقيق هذه الغاية.

 

Qatalah