يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


سيذكر التاريخ أن صفقة صواريخ S-400 الروسية كانت القشة التي قصمت ظهر العلاقات التركية الأمريكية، وكتبت شهادة طلاق أنقرة من حلف شمال الأطلسي، بعد قرابة تسعة عقود ظلت خلالها تركيا كوكبا تابعا يدور في الفلك الغربي، ويجتهد ليتولى دور الشرطي الأمريكي في المنطقة.

موقع المونيتور الأمريكي نشر تحليلًا للكاتب التركي قدري غورسيل، المتخصص في السياسة الخارجية التركية، أشار فيه إلى بعض الرسائل التي حملتها عملية تسليم منظومة الدفاع الجوي الصاروخية الروسية S-400 لتركيا، وتعرض خلاله للأسباب التي دفعت أنقرة لإتمام اتفاقها مع موسكو، حيث يربط التحليل الذي نشره الموقع بين هذه الصفقة العسكرية المثيرة للجدل ومسرحية الانقلاب التي جرت في تركيا يوليو 2016.

الصحافي التركي يشير إلى أن أولى دفعات المنظومات الدفاعية الاستراتيجية S-400 التي تسلمتها تركيا من روسيا الشهر الماضي حملت الكثير من الرسائل الرمزية التي تضمنت بعض الدلائل المتعلقة بأسباب إصرار أنقرة على إتمام هذه الصفقة المثيرة للجدل. ويُمكن استعراض هذه الإشارات الرمزية في 3 عناصر: الزمان والمكان والأسلوب.

الزمان.. قبل 15 يوليو
يلفت غورسيل إلى أن عملية التسليم تمت في 12 يوليو، أي قبل ثلاثة أيام من الذكرى الثالثة لمسرحية الانقلاب الفاشل في 15 يوليو 2016، والتي يعزوها إردوغان لصديقه القديم، الداعية التركي فتح الله جولن، الذي يستقر في الولايات المتحدة، من خلال أتباعه وأنصاره داخل الجيش التركي.

ويرى غورسيل أن تسليم المنظومات في هذا التوقيت لا يمكن أن يكون مجرد صدفة، إذ تم تغيير موعد التسليم ليبدأ في يوليو 2019 بناءً على طلب أنقرة، وهو قرار تم الإعلان عنه في أبريل 2018.

ونظرًا لأن الجنود الأتراك الذين سيتولون تشغيل منظومات S-400 ما زالوا يتلقون تدريباتهم في روسيا، ونظرا لأن هذه المنظومات ستكون جاهزة للتشغيل في أبريل 2020، لم يكن هناك حاجة عسكرية ملحة لشرح سبب تسليم هذه المكونات بصورة مبكرة، بحسب الصحافي التركي.

لقد تم تسليم الدفعات الأولى جوًا، ومن المعروف أن دفعات أخرى سيتم تسليمها في وقت لاحق عن طريق البحر. لذلك، بدا وصول الطائرات الروسية التي تحمل مكونات S-400 عشية ذكرى مسرحية الانقلاب، وكأنها إشارة على أن مكانة تركيا في العالم قد تغيرت.

المكان.. قاعدة مورتيد
من الإشارات المهمة كذلك في هذا الصدد - وفقًا للمحلل التركي - اختيار قاعدة مورتيد الجوية لتتولى استقبال الطائرات الروسية التي تحمل أجزاء من منظومة صممت لإسقاط الطائرات الحربية لحلف الناتو. فقد كانت هذه الإشارة آخر رسالة رمزية تتعلق بعلاقات تركيا بالولايات المتحدة.

قاعدة مورتيد كانت المقر الرئيس لإدارة مسرحية المحاولة الانقلابية الفاشلة، وبالتالي فإن هبوط الطائرات الروسية فيها أمر يحمل دلالة رمزية كبيرة، ويتضمن تحديا لحلف الناتو وعلى رأسه الولايات المتحدة. 

كما أن طائرات F-16 التي قصفت البرلمان التركي ومركز عمليات الشرطة في غولباشي بضواحي العاصمة أنقرة كانت قد أقلعت من هذه القاعدة الجوية، والتي كانت تسمى قاعدة أكينجي في ذلك الوقت (حيث يعد من التقاليد التركية إعادة تسمية الأماكن التي شهدت وقائع سيئة) إذ بعد شهرين من المحاولة الانقلابية المزعومة، أُلغيت كلمة أكينجي وأعيدت تسمية القاعدة لتكون مورتيد، وهو الاسم الذي حملته حتى عام 1995.

عملية هبوط الطائرات الروسية التي تحمل منظومة S-400 في القاعدة نفسها التي انطلق منها طيارو الانقلاب قبل ثلاث سنوات لقصف أهدافهم في أنقرة تجسّد دليلا على المرحلة الخطيرة التي وصلت إليها الأزمة بين تركيا والولايات المتحدة.

الأسلوب.. العالم يشهد المراسم
رسالة أخرى حملتها عملية تسليم الدفعات الأولى من صواريخ S-400 يلتفت إليها المحلل التركي وهي أن عمليات التسليم تم إذاعتها من خلال البث المباشر، الذي عرض الطائرات الروسية وهي تهبط في قاعدة مورتيد الجوية خارج العاصمة التركية أنقرة. 

ثمة عدد نادر من الدول التي تقوم ببث عمليات توريد أو استلام الأسلحة على الهواء مباشرة عبر قنواتها التليفزيونية ووسائل إعلامها على شبكة الإنترنت. كان المقصود من هذا المشهد النادر التأكد من أن العالم يرى هذه اللحظة المهمة، والتي ترمز إلى تغيير الموقف الجيوسياسي لتركيا وتحالفاتها الدولية.

ضريبة الصفقة
تركيا، العضو في حلف الناتو، كانت تدرك جيدًا أن شراءها للمنظومة الروسية سوف يؤدي إلى استبعادها من برنامج إنتاج مقاتلات الجيل الخامس الأمريكية المتطورة F-35، حيث تشارك أنقرة في عملية إنتاج هذه الطائرات الشبحية من خلال مجموعة من شركات الصناعات الدفاعية التركية، التي سيتم طردها جميعا من البرنامج.

كما كان إردوغان يدرك جيدًا أن إتمام الصفقة الروسية، سيدفع الولايات المتحدة لحرمان بلاده من شراء 100 طائرة F-35 كما كان يخطط، بما في ذلك الطائرات الأربع الأولى التي دفعت أنقرة ثمنها بالفعل، ولا تزال في الولايات المتحدة حيث كان الطيارون الأتراك يتدربون على استخدامها في قاعدة لوك الجوية بولاية أريزونا الأمريكية.

خسائر باهظة
بالنسبة لقطاع الصناعات الدفاعية التركي، فإن الخروج من برنامج F-35 بالنسبة لتركيا يعني خسارة ما لا يقل عن 12 مليار دولار من العائدات المتوقعة من عملية الإنتاج المشترك الخاص بهذه المقاتلات. علاوة على الخسائر الاقتصادية الباهظة، ستجد تركيا أن درعها الاستراتيجي الإقليمي يتضاءل، بعد حرمانها من التفوق الجوي لمقاتلات الجيل الخامس. 

كما تواجه تركيا الآن احتمالية فرض الولايات المتحدة عقوبات عليها. على الرغم من أن الرئيس دونالد ترامب يتردد في معاقبة أنقرة على شراء أسلحة روسية مثلما يقتضي قانون مكافحة خصوم أمريكا من خلال العقوبات، غير أن ثمة نية معلنة من كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الكونجرس لفرض عقوبات شديدة على تركيا، والتي من المتوقع أن تدخل حيز التنفيذ بحلول فصل الخريف.

أسباب الصفقة
ربما تكون منظومة الدفاع الجوي طويلة المدى S-400 من الناحية النظرية أكثر منظومات هذا الطراز كفاءة في العالم، لكن هذا لا يفسر سبب مخاطرة تركيا لدفع مثل هذا الثمن الباهظ للحصول عليها. 

تعد منظومة S-400 أرخص مقارنة بنظيرتها منظومة باتريوت الدفاعية الأمريكية، لكن هذا التفسير ليس كافيًا؛ نظرا لأن التكلفة الفعلية لتركيا ستكون أكبر بكثير من فارق السعر بين المنظومتين، علاوة على ذلك، تتردد روسيا في نقل تقنياتها لتركيا.

المحلل التركي يتساءل في تحليله عن نوع التهديد الذي تصورته تركيا ودفعها لشراء منظومة أسلحة تتجاوز تكلفتها الفعلية ثمنها الحقيقي، وبالتالي فهي صفقة غير منطقية من الناحية الاقتصادية، بلا شك، يجب أن تشتمل التكلفة على العواقب السياسية التي من المحتمل أن تواجهها تركيا في علاقاتها مع الغرب نتيجة لشرائها هذه المنظومة من المنافس الرئيس للحلف الذي تنتمي إليه أنقرة.

سلاح الجو
غورسيل يتساءل قائلًا: هل يمكن للقوات الجوية التركية أن تكون مصدر هذا التهديد المتصوَّر؟ هل هناك ما يدعو للقلق من أن بعض المارقين ربما يحلّقون مرة أخرى في مقاتلة F-16 لقصف أهداف سياسية في أنقرة؟ إذا كان الأمر كذلك، فإن تكاليف مواجهة مثل هذا التهديد تشبه المقولة التركية الشهيرة "حرق البطانية بسبب البراغيث".

فالتضحية بقطاع الدفاع في البلاد، وبالعلاقات مع التحالف الغربي، وكذلك المصالح الاقتصادية الرئيسة غير منطقية في سياق التهديد الداخلي، ولكن إذا كان التهديد ينبع من خارج البلاد، وهذا ما أشارت إليه أنقرة في جميع تصرفاتها ورسائلها منذ الانقلاب، حينها يُمكن اعتبار هذه التكاليف المذكورة منطقية نوعا ما.

أنقرة قررت شراء S-400 فقط بعد المحاولة الانقلابية المزعومة. ففي أول رحلة خارجية له بعد هذه المسرحية، قام إردوغان بزيارة إلى روسيا ووصل إلى سان بطرسبرج برفقة وفد كبير من المسؤولين الأتراك وأجرى محادثات مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين. حيث بدأت المفاوضات حول صفقة صواريخ S-400 عقب هذه الزيارة، وهو ما تكلل بتوقيع عقد الصفقة في أبريل 2018.

نقطة التحول
يمكن توضيح مدى تأثير المحاولة الانقلابية المزعومة على العلاقات التركية الأمريكية، وفقدان واشنطن هيمنتها على أنقرة بعدها. ففي السنوات التي سبقت الانقلاب، أثبتت الضغوط الأمريكية أنها كافية لإجبار تركيا على إلغاء صفقة المنظومة الدفاعية مع الصين التي بلغت قيمتها 3.4 مليار دولار.

وبعد مسرحية الانقلاب الفاشل، لم تتقاعس الولايات المتحدة عن ممارسة ضغوطها على تركيا للتخلي عن اتفاقها مع روسيا، لكن إردوغان المرتعش من سلاح الجو التركي، لم يرضخ للضغوط الأمريكية أمام التهديد الذي يتصوّره من قواته الجوية، وهو ما دفعه لاقتناء الأسلحة الدفاعية اللازمة من روسيا.

فقدان الثقة
بالنظر إلى التكلفة الباهظة التي تتكبدها أنقرة من جراء شراء المنظومة الصاروخية الروسية، وجسامة التداعيات التي يمكن أن تحدثها هذه الخطوة على الوضع الجيوسياسي الإقليمي، اتخذت تركيا خيارًا تاريخيًا يصعب تفسيره سوى أنه ناجم عن الشكوك أو عدم الثقة تجاه الولايات المتحدة، بحسب غورسيل.

غورسيل يبرهن على فكرته قائلًا إن ثمة اتجاها في حكومة إردوغان يعتقد أن الولايات المتحدة نفسها وراء الانقلاب المزعوم. وأن أنقرة على قناعة قوية بهذا الأمر، وأنها تصرفت واتخذت خطوات على هذا الأساس. في الوقت نفسه، لم تأخذ الإدارة الأمريكية هذه القناعة على محمل الجد ولم تبذل أي جهد حقيقي لدحضها.

اتهامات وشبهات
غورسيل يشير إلى أن إردوغان أعلن صراحة في عدد قليل من المناسبات، عن اعتقاده بأن الولايات المتحدة كانت وراء الانقلاب المزعوم. فعلى سبيل المثال، ربط العثمانلي في خطاب ألقاه أمام البرلمان في يناير 2018 بين الانقلاب وقضية في المحاكم الأمريكية بشأن خطة خرق العقوبات الإيرانية عبر البنوك والشركات في تركيا، قائلا: أولئك الذين فشلوا في إنجاح المحاولة الانقلابية في 15 يوليو ينوون الآن التخطيط لمحاولات انقلابية أخرى.

إردوغان كان قد أشار إلى أن القضية المعروضة أمام القضاء الأمريكي كان الهدف منها تضييق الخناق على تركيا اقتصاديًا، مشيرا إلى تورط في ممارسة الضغوط [على أنقرة] كل من أنصار فتح الله جولن ووكالة الاستخبارات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي.

وفي مقال رأي نُشر في صحيفة نيويورك تايمز في أغسطس 2018 تحت عنوان كيف تنظر تركيا للأزمة مع الولايات المتحدة، عبّر إردوغان عن خيبة أمله لأن واشنطن امتنعت عن إدانة المحاولة الانقلابية المزعومة وتسليم جولن، الذي يقيم في بنسلفانيا ويعد زعيما لما تسميه أنقرة بـ منظمة أنصار فتح الله جولن.

دعم الأكراد
إردوغان انتقد بشدة أيضاً شراكة الولايات المتحدة مع الأكراد السوريين المسلحين الذين يرتبطون بحزب العمال الكردستاني، والذي تصنّفه أنقرة وواشنطن بالتنظيم الإرهابي. واختتم مقاله بشكل فظ، محذرا بأن على واشنطن "التخلي عن المفهوم الخطأ بأن شراكتنا قد تكون غير متكافئة وينبغي عليها تقبل حقيقة أن تركيا لديها بدلاء. من شأن الإخفاق في تغيير هذا النمط الأحادي وهذا الازدراء أن يدفعنا للبحث عن أصدقاء وحلفاء آخرين".

بالتمعن في هذا المقال، تجاوزت تركيا بالفعل حد التحذير وذلك من خلال تحركها الأخير المتمثل في شراء المنظومة الصاروخية الروسية. إذ تجسّد هذه الصفقة مطالب حكومة إردوغان بالحصول على الأمن والضمانات من روسيا في مواجهة التهديد الذي تتصور أن الولايات المتحدة تمثله لها.

تاريخ الخلافات
منذ نهاية الحرب الباردة، تسببت تركيا والولايات المتحدة في استياء بعضهما البعض عدة مرات قبل أن تصل العلاقات إلى مرحلتها الراهنة. فبعد الاحتلال الأمريكي للعراق بوقت قصير، اعتقلت القوات الأمريكية بعض الجنود الأتراك في السليمانية. 

وفي 2004، استأنف حزب العمال الكردستاني الهجمات على تركيا من قواعده في شمال العراق، لكن حتى عام 2008، لم يكن مسموحا لتركيا بإجراء أية عمليات عسكرية برية على هذه القواعد. وقد أدت كل تلك التصدعات إلى انعدام الثقة في العلاقات المتوترة من الأساس بين البلدين العضوين في حلف الناتو.

الأزمة الثنائية تعمّقت قبل المحاولة الانقلابية المزعومة، حيث خالفت تركيا التوقعات الأمريكية بالمشاركة بشكل فعال في القتال ضد تنظيم داعش الإرهابي. ردًا على ذلك، بدأت الولايات المتحدة بتسليح وحدات حماية الشعب الكردية لمواجهة التنظيم الإرهابي، ضاربة بمخاوف أنقرة عرض الحائط فيما يخص هذه الوحدات المنتمية إلى حزب العمال الكردستاني الذي يشن حملة مسلحة ضد أنقرة منذ ثلاثة عقود تقريبًا.

قدري غورسيل يختم تحليله قائلا إن العلاقات التركية الأمريكية، التي كانت في وئام مع المصالح الجيوسياسية الأوروبية أثناء الحرب الباردة، أخفقت في التكيف مع التحولات الأمنية لمنطقة الشرق الأوسط بعد انتهاء الحرب الباردة. وقد أسفر هذا الإخفاق عن مناخ لا مفر فيه من التصدع والشقاق.

Qatalah